مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

أئمة الغرب والدور الإعلامي

الدور الإعلامي لغالبيَّة الدُّعاة في الغرب ما زال ضعيفًا، ولا يرقى لمستوى الطموح

في ظلِّ الاهتِمام الإعلامي الغربي بالإسلام، وتسارُع كثيرٍ من وسائل الإعلام الغربية إلى المساجد لعقْد حوارات خاصَّة مع أئمَّتها حول الأحداث الجارية – أضحى الأئمَّة في قلب الحدث وتحت مِجهَر الإعلام الغربي مباشرةً، وهو ما دفَع بالدور الإعلامي لأئمَّة الغرب إلى مكانةٍ متقدِّمة لم تكن بهذه الأهميَّة البالغة من قبل.

وهذا ما دفَعنا إلى إجراء عددٍ من الحوارات مع الأئمَّة في عدَّة دُوَل أوروبية وأمريكية؛ لإلقاء الضوء على الواقع الحالي لهذا الدور الإعلامي للأئمَّة، وإبراز التجارب الناجِحة لبعضهم في هذا المجال، إضافةً لاستِطلاع آرائهم حول الوسائل المُناسِبة لتفعيل هذا الدور، وأخيرًا الرسالة التي يَوَدُّون إرسالها لكافَّة أئمَّة الغرب في هذا الشأن.

محاور التحقيق

ـ تقيم الدور الحالي.

ـ تجارب ناجحة.

ـ وسائل التفعيل.

ـ رسائل لـ”أئمَّة الغرب”.

تقييم الدور الحال

وحيث تعيش أقليَّة مسلِمة ضئيلة في دولة مترامية الأطراف، تصل مساحتها إلى نصف قارَّة أمريكا الجنوبية، وتُعَدُّ أكبر أمَّة كاثوليكية عددًا في العالم، يرى الشيخ خالد تقي الدين (مصري) مدير الشؤون الإسلامية باتِّحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل أنَّ: “الدور الإعلامي لغالبيَّة الدُّعاة في الغرب ما زال ضعيفًا، ولا يرقى لمستوى الطموح والتحدِّي، والتقدُّم الإعلامي الحديث”.

الشيخ كفاح مصطفى، إمام وخطيب مسجد "مؤسسةالجامع"، بمدينة شيكاغو
الشيخ كفاح مصطفى، إمام وخطيب مسجد “مؤسسةالجامع”، بمدينة شيكاغو

متَّفقًا معه، أشار الشيخ كفاح مصطفى (لبناني)، إمام وخطيب مسجد “مؤسسةالجامع”، أكبر مساجد الجالية العربية المسلمة بمدينة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية إلى أنَّ: “الأئمَّة ما زالوا يقتَصِرون على وسائل الشريط أو الديسك، وفي أحسن الحالات اليوتيوب أو الصفحات الخاصَّة على الإنترنت”.

ومن خِلال زياراته لعددٍ من الدُّوَل الغربية والتواصُل المُباشِر مع المؤسَّسات الإسلامية التي تُعنَى في المقام الأول بالعمل الدعوي، أَبدَى الشيخ عبدالحميد الحمدي (تونسي) – رئيس المجلس الإسلامي الدنماركي – دهشته لما تُعانِيه تلك المؤسَّسات والقائمون عليها والعاملون خلالها من عدَّة ظواهر تُبعِدها تمامًا عن الانفِتاح على الآخَر، وتوصيل الرسالة التي من المفترض أن تصل من خلال المنابر الإعلامية.

وعدَّد الشيخ الحمدي أهمَّ مظاهر ذلك في الآتي:

1 – الانكِفاء على الذات والتقوقع داخل جدران أربعة، وهي إمَّا جدران حسيَّة تمثِّل الخطاب المغلق داخل بناء المؤسسة، وإمَّا جدران معنوية تمثِّل الخطاب الداخلي أحادي الاتِّجاه في أوساط الجماعة المسلمة.

2 – السعي الدَّؤُوب الذي تُمارِسه بعض المؤسَّسات نحو استِقطاب جماهير المسلمين؛ وذلك لدَعْم وجود تلك المؤسَّسات، أو لمحاولة إثبات رِيادتها، أو للردِّ على بعض الاتِّهامات التي تُوَجَّه إليها، وهو الأمر الذي يُؤَثِّر سلبًا على دورها المُفتَرَض في توجيه خِطاب إعلامي عام لتَوضِيح صورة الإسلام السمحة وعرضه في الصورة اللائقة.

3 – الصراعات الداخلية أو الانقِسامات الداخليَّة بين القائمين على شؤون المؤسَّسات الإسلامية بما يفرغ رسالة تلك المؤسَّسات من مضمونها، ويُفقِدها القدر الأكبر من تركيزها نحو التوجُّه إلى الآخر، وبالتالي تتحوَّل الجهود – التي من المُفتَرض أن تتوحَّد وراء توجيه خِطاب قوي يُجِيب على الأسئلة التي تتردَّد في أذهان غير المسلمين، أو يقطع شكوكَهم المتردِّدة في نفوسهم باليقين – إلى جهود تحريضية، الغرض منها سيطرة فريقٍ دون آخَر.

الإعلامي شادي الأيوبي مدير موقع الإسلام باليونانية
الإعلامي شادي الأيوبي مدير موقع الإسلام باليونانية

الإعلامي شادي الأيوبي (لبناني)، صحفي مُقِيم في اليونان، ومدير موقع الإسلام باليونانية، أشار إلى أنَّ: “هُناك دور إيجابي إلى حدٍّ ما في توعية المسلمين، لكن هناك قصورًا كبيرًا في فَهْمِ الأولويَّات وعدم تقديرٍ للخطابِ المُناسِب وغِياب عن مُخاطَبة الشباب وعن مشاكل البلد المهمَّة”.

وفي معرض حديثه عن أئمَّة اليونان أوضح الأيوبي – والذي كان قد كتَب منذ سنوات موضوع حول الظهور الإعلامي للمسلمين في الغرب – أنَّ: “غالبيَّة مَن يتولَّوْن الخطابة غير أكفاء بالنسبة لمعلوماتهم الشرعية، وغير مُدرِكين لمشكلات البلد وطبيعتها، وغير مُلِمِّين باللغة اليونانية؛ ممَّا يجعلهم في وادٍ والناس ومشاكلها في وادٍ آخَر”.

مخالفًا لم سبق، قال الداعية المهندس عماد حلاق (سوري)، مدير جمعية سلسبيل الضاد لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في كندا، أنَّه: “يُمكِن القول بأن نصف الدعاة هم من النوع الذي يعيش عصره ويقود حركة تنوير وتعليم وتثقيف في المسجد الذي يُدِيره، وأن خطابه مُوافِق للعصر الذي نعيشه، ولطبيعة عيش المسلمين كأقليَّة في مجتمع غير مسلم”.

من ناحيته يعتقد الشيخ د.عماد أبو الرُّب – إمام وخطيب المركز الإسلامي في كييف بأوكرانيا أنَّ: “الأمر يتفاوَت من داعية وإمام وآخر حسب اهتمامات وقدرات كلٍّ منهم”، ومع تأكيده أنَّ: “هناك تجارِب طيِّبة لبعضهم استَطاعت أن تُوجِد لها جمهورها، ويكون لها حضورها الإعلامي وتأثيرها حتى على أصحاب القَرار والتربويين والاجتماعيين وغيرهم”، أبدى تأسُّفه لأن: “أغلب الأئمَّة لا ينهضون بواجباتهم تجاه هذا الدور المؤثِّر”.

وأرجع د. أبو الرُّب القُصور في أداء الدور الإعلامي لأئمَّة الغرب لعدَّة أسباب، بعضها يتعلَّق بالأئمَّة أنفسهم، والبعض الآخَر يتَّصِل بالمؤسَّسات التي يعملون من خلالها.

وعن الأسباب الفردية أوضَح أنَّ: “بعض الأئمَّة يعتَمِد الأساليب النمطيَّة ولا يُدرِك أثر الإعلام في التأثير على أكبر عددٍ مُمكِن من المدعوين”، ومُشِيرًا إلى سببٍ آخَر يتمثَّل في “ضعف قدرات بعضهم المهاريَّة بحيث لا يستطيع أن يُحاكِي هذه الوسائل ويستثمرها في خطابه الدعوي”.

أمَّا فيما يتَّصِل بالمؤسسات والمَراكِز الإسلاميَّة التي يعمَل من خلالها الأئمَّة، وفي إشارةٍ إلى أهميَّة احتِرام وتقدير الأدوار المتعدِّدة للقائِمين على العمل داخل المؤسسة الواحِدة، لفت إلى أنَّه: “عادةً يتقدَّم مدير أو رئيس المركز ليتحدَّث باسم العمل الإسلامي، وهذا طبيعي، ولكن بعضها لا يقدِّم الإمام في مواضع الحديث عن الرأي الديني؛ إمَّا لضعفه وقلَّة قدراته، وإمَّا لسوء الإدارة وقلَّة احترامها للتخصصيَّة”.

تجارب ناجحة

وحول التجارِب الناجحة في هذا الميدان أشار الشيخ تقي الدين (البرازيل) إلى أنَّه: “خُضت بصفة شخصيَّة تجربة ناجِحة في هذا الأمر، وما زالت تُؤتِي ثِمارَها بحمد الله”، مُوضِّحًا أنَّه في مجال الإعلام المرئي: “في عام 1992 قمت بعمل قناة تلفزيونية في منطقة الحدود الثلاثيَّة بين البرازيل والأرجنتين والباراجواي، وكانت تبثُّ لمدَّة ست ساعات يوميًّا، وكان لها تأثيرٌ عظيم في توجيه الجالية وتعليمها وزيادة ثقافتها”.

الشيخ خالد تقي الدين مدير الشؤون الإسلامية باتِّحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل
الشيخ خالد تقي الدين مدير الشؤون الإسلامية باتِّحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل

إضافة إلى تجربة الإعلام المرئي، فلم يَفُتْه الاستِفادة من شبكة الإنترنت في التَّواصُل الإعلامي مع الجمهور البرازيلي من خلال نشر خُطَب الجمعة والدروس الدينية باللغة البرتغالية، وعن هذا المسار أوضح أنَّه: “قمت بإنشاء أوَّل موقع إسلامي باللغة البرتغالية عام 1998 تماشِيًا مع ثورة تكنولوجيا المعلومات www.islam.com.br، ويَزُوره سنويًّا الآن 500 ألف شخص، ثم أنشَأت موقعي الشخصي باللغة البرتغالية www.takydin.net”.

ونظرًا “للحاجات الملحَّة لإعلامٍ إسلاميٍّ مميَّز، ومع وجود كثيرٍ من الفُرَص لِمُمارَسة هذا الدور”، فلم يتوقَّف الشيخ تقي الدين عند هذا الحد، وأوضَحَ أنَّه: “أنشَأت موقع البرازيلي المسلم، وقد وجدت في ذلك فرصةً طيبة لتعريف الناس بالإسلام، وقربت المسافة مع المدعوِّين، إضافةً لعمل صفحات على المواقع الاجتماعيَّة ومجموعات مثل (فيس بوك) وغيرها”، مُضِيفًا: “ولديَّ – بفضل الله – شبكةٌ من العناوين البريدية الإلكترونية داخِلَ البرازيل تَزِيد عن أربعة آلاف عنوان”.

وعلى مسارٍ إعلامي ثالث قال: “نحن بصدد إعداد معرض عن الإسلام يكرِّس الدور الإعلامي الذي يجب أن تضطلع به الجالية المسلمة، مشدِّدًا على أنَّ: “المجال كبير ولا يتَّسِع المقام لذكر تفصيلاته”.

وأوضح أنَّهم: “هنا في البرازيل نحن مُنفَتِحون على وسائل الإعلام من خِلال المساهمات الدائمة والمتابعة لما يصدر حول الإسلام”، ومؤكِّدًا أنَّ هدفهم في كلِّ هذا يتمثَّل في “استِثمار كافَّة هذه الوسائل الإعلاميَّة المُعاصِرة لإيصال صوت الإسلام الوسطيِّ والصحيح والصافي للناس جميعًا”.

وفي سِياق مُتَّصِل قال الداعية م. عماد (كندا): “بمدينتنا ننعم بأئمَّةٍ من هذا النوع لديهم الإخلاص والتقوى، ويَقُومون بدورات تخصُّصية عالية المستوى لا يوجد مثلها في معظم البلدان العربية (مهد الإسلام).

وعن تجربته الإعلاميَّة الخاصَّة أشار الشيخ د. أبو الرُّب (أوكرانيا) إلى أنَّ نشاطه السابق منذ أن كان طالِبًا في مجال الإعلام وإبداعه فيه، والذي بسببه نال بعض الجوائز القيِّمة، أسهَم في تفعيل دورِه الإعلامي حينما أصبح حاليًّا إمامًا وخطيبًا للمركز الإسلامي في كييف.

ولفت إلى أنَّ: “عملي في مؤسَّستَيْن متميِّزتَيْن في العمل المؤسَّسي والإداري وهما: اتِّحاد المنظمات الاجتماعية في أوكرانيا (الرائد)، والإدارة الدينية لمسلمي أوكرانيا (أمَّة)، أسهَم في استِمرار تنمِيَة الجانب الإعلامي لديَّ؛ حيث اعتادَا أن يُقَدِّماني في المقابلات التلفازيَّة أو الإذاعيَّة أو الصحفيَّة إذا كان الموضوع شرعيًّا، وكذلك في الموضوعات الدعويَّة”.

وأوضح أنَّه: “أُجرِي معي عشرات المُقابَلات التلفازية، ومئات المُقابَلات الإذاعية والصحفية، من أبرزها أزمة الرسوم الكاريكاتورية، وفيلم آلام المسيح، ورأي الدين في الإجهاض، والأسرة والمرأة، وحوار أتباع الشرائع، والأزمة الاقتصادية العالمية… وغيرها الكثير”.

إضافةً لهذا فقد امتدَّ نشاطُه لمواقع الإنترنت حيث: “كان أبرز ما قمت به إجابتي على الأسئلة الشرعيَّة عبر منتدى “الرائد”، وعلى استشارات في دعوة غير المسلمين، والمسلمين الجدد في نفس الموقع، إضافة لموقع إسلام أون لاين”، مُشِيرًا إلى أنَّ له: “عِدَّة خُطَب مسموعة ومقروءة في عِدَّة مواقع إسلاميَّة متخصِّصة في مجال الإمامة والخطابة والدعوة الإسلامية”، وبجانب كلِّ هذا فقد “شاركت في مؤتمرات قطرية ودولية متعدِّدة”.

من ناحيته أشار الإعلامي شادي الأيوبي (اليونان)، إلى تجرِبة موقع “الإسلام باليونانية”، www.islam.gr، باعتِبار أنها تُمثِّل تجربة ناجحة بـ”المقاييس اليونانيَّة”، مُوضِّحًا أنَّ: موقع الإسلام باليونانيَّة “نشَأ عام 2006، وافتتحه شابٌّ يوناني مسيحي يعمَل دليلاً سياحيًّا، وعرض تعاون المهتمِّين معه في توضيح صورة الإسلام؛ حيث كان يرى أنها صورة مشوَّهة”.

وتابع: “عرضَتْ مجموعة من الشباب المسلمين التعاوُن مع الشاب الذي تَنازَل بطِيب خاطر عن ملكيَّة الموقع وإدارته للمجموعة، فبدأَتْ مسيرة تطوير الموقع وإضافة اللغتين العربية والإنكليزية، كما تمَّت إضافة زوايا عديدةٍ لتَكوِين فكرةٍ شاملة عن الإسلام”.

وكانت ثمرة المشروع أن: “أسهَم الموقع في الردِّ على عشرات التساؤلات عن الإسلام، كما ساعَد الكثير من المسلمين الجدد في زيادة معلوماتهم عن الإسلام، كما أصبح المصدر الأوَّل للمعلومات عن الإسلام على شبكة الإنترنت خلال السنوات الثلاث الأخيرة”.

من جانبه أشار الشيخ الحمدي (الدنمارك)، إلى أنَّه: “لم أقف على تجارِب متميِّزة في هذا الخصوص، باستِثناء بعض المُحاوَلات المُتواضِعة خاصَّة أيَّام أزمة الرسوم، والمتمثِّلة في مشاركات إعلاميَّة مع قنوات محلية وخارجية”.

إلا أنَّه بشَّر بتجرِبة جديدة يتمُّ الإعدادُ لها حاليًّا على مستوى الدنمارك؛ حيث “تعاقَد المجلس الإسلامي الدنماركي مع محطَّة تلفزيونية محليَّة اسمها (كوبنهاجن) على بثِّ ساعة كل أسبوع نعرِّف من خلالها بالإسلام وأخلاقه ومعاملاته، ورد الشبهات عنه، كما أنَّ هناك اتِّفاقًا آخَر مُماثِلاً مع محطَّة إذاعية محلية”.

وفي نفس السياق، وفي إشارةٍ للعوائق التي تَحُول دون بروز تجرِبة ناجحة لأئمَّة الغرب في مجال الإعلام، خاصةً لأئمَّة المساجد الكبرى والتي توجَد في مدن تحتَضِن أعدادًا كبيرة من أبناء الأقليَّة المُسلِمة – لفت الشيخ مصطفى (الولايات المتحدة) إلى أنَّ: “هؤلاء الأئمَّة ليس لديهم وقتٌ للانتِباه إلى موضوع الدور الإعلامي؛ فهم مشغولون بتلبِيَة الحاجات الضرورية للجالية المُسلِمة من الزواج والطلاق والدفن والخطب… إلخ”.

إلا أنَّه لفت إلى حرصِه على أن: “ألقي محاضرات بالجامعات الأمريكية عن الإسلام بقدر استطاعتي”، مُشِيرًا إلى أنَّ لديه: “مجموعة كاملة من المحاضرات بالإنكليزية، بعضها على صفحة الويب الخاصة بالمسجد، وبعضها الآخر على موقع اليوتيوب”.

وسائل التفعيل

وحول الوسائل اللازمة لتَفعِيل الدور الإعلامي لأئمَّة الغرب شدَّد الشيخ تقي الدين (البرازيل) على أنَّ: “هذه الوسائل اللازمة للأئمَّة متوفِّرة إذا وجدت العزيمة والصدق والنظرة المستقبلية الطَّمُوح”، ولفت إلى أهميَّة أن يقوم الداعية: “باستِكشاف القدرات والإمكانات المتوفِّرة حولَه من عناصر بشريَّة وماديَّة ومتخصِّصين، ثم يضع خطَّةً للعمل”، مُؤكِّدًا أنَّه بعد ذلك “سيجد الداعية أنَّ الوسائل سيكون من السهل الحصول عليها واستثمارها إعلاميًّا لصالح الدعوة”.

بعد آخر لفت إليه الشيخ تقي الدين، يتمثَّل في ضرورة أن: “يمر الدُّعاة بدورات تدريبيَّة حول أهميَّة الدور الإعلامي، وكيفيَّة التفاعل مع المتغيرات والمعطيات الجديدة في العصر الحالي الذي نعيش فيه”.

مُتَّفِقًا معه، أوضَح الإعلامي شادي (اليونان) أنَّه: “يلزم لأئمَّة الغرب أمران للقيام بالدور الإعلامي على الوجه الأكمَل، يتَّصِل الأوَّل بجملةٍ من العلوم المهمَّة، بينما الثاني يتعلَّق بمحور التواصُل مع المسلمين وغيرهم”.

وحول الأمر الأوَّل أوضَح أنَّه: “يتعلَّق بجملةٍ من العلوم في مقدمتها العلوم الشرعيَّة، وخاصَّة في المسائل المتعلِّقة بالغرب وفقه الأقليَّات، إضافةً لضرورة تعلُّم لغة البلد والتعرُّف على تاريخه، والإلمام بالأوضاع الاجتماعية والسياسية القائمة فيه”.

وبيَّن أنَّ الأمر الثاني والمتعلِّق بالتواصُل على مستويين، شارِحًا: “الأوَّل يتعلَّق بالتواصُل الإسلامي مع سائر الأئمَّة بنفس الدولة أو بالدول الأوروبية الأخرى لتبادُل الخبرات”، بينما المستوى الثاني: “يتعلَّق بغير المسلمين في دولته محل الإقامة، مع كلٍّ من المفكِّرين وأصحاب الرأي من أهل البلد، ومتابعة الواقع الفكري ووسائل الإعلام، بالإضافة لمتابعة الكنيسة والتواصُل مع المُعتَدِلين من قياداتها، فهي لا تزال لاعِبًا مُهِمًّا على الساحة”.

وفي هذا السياق، وإضافةً لما سبق، يرى الشيخ الحمدي (الدنمارك) جملة وسائل مفيدة للداعية للقيام بدوره الإعلامي، من بينها:

1 – أهميَّة امتِلاك الداعية خلفية ثقافية قوية، تتخطَّى حدود العلم الشرعي لتشمَل الثقافة الإسلامية بعمومها؛ وذلك لكي يكون مؤهَّلاً للتعاطي مع المواقف والأحداث والمستجدَّات، ولكي يكون خطابه مقبولاً لدى الآخَر.

2 – قدرة الداعية أو الإمام على الإقناع من خلال تقديم الحُجَج والبراهين العقليَّة، بالإضافة إلى وجوب كونه حاضرَ الذهن؛ لكي يكون قادرًا على الإفلات من الفخاخ التي تُنصَب أحيانًا لِمَن يظهرون في الإعلام، ويكون الغرض منها إحراجهم أمام الجماهير.

3 – توفر صفة الدبلوماسية فيمَن يعتَلِي المنابر الإعلاميَّة؛ لكي يكون قادرًا على العرض الناعم لبعض الأمور الشائكة التي لو لم يحسن عرضها لتَمَّ فهمُها في سِياقات عكسيَّة.

من جهته يشدِّد الداعية م. عماد (كندا) على “ضرورة أن يتمَّ تعليم الأئمَّة – وخصوصًا خريجي الأزهر – وسائل الاتِّصال الحديثة؛ مثل حملات البريد الإلكتروني وبعض تقنيات الإنترنت”، معتبرًا أنَّ: “الإمام الناجح هو الذي يُتابِع المصلِّين خِلال الأسبوع ويَتواصَل معهم يومًا بيوم، ولا ينتظر أن يحضروا إليه فقط ليحمل كل رسالته خِلال خطبة الجمعة فقط”.

وأضاف: “أتمنَّى أيضًا أن يتمَّ تعليم الأئمَّة بعضًا من علوم الاجتماع وعلم النفس؛ فهي مهمَّة جدًّا للتواصُل مع الناس كأفراد وجماعات”، مؤكِّدًا أنَّ: “الناس هنا بحاجةٍ لصديقٍ وقائدٍ حكيم ورفيق يومًا بيوم”.

الشيخ د.عماد أبو الرُّب - إمام وخطيب المركز الإسلامي في كييف بأوكرانيا
الشيخ د.عماد أبو الرُّب – إمام وخطيب المركز الإسلامي في كييف بأوكرانيا

الشيخ د. عماد (أوكرانيا) يرى أنَّه: “بدايةً، من الواجب أن نوجد وعيًا عند الأئمَّة والدُّعاة بأهميَّة الإعلام وتأثيره، وكيفيَّة التعاطي معه”، مشددًا على أهميَّة ذلك.

ودعا الأئمَّة والدُّعاة إلى اعتِبار وسائل الإعلام المختلفة من التلفاز والإذاعة، والمجلة والصحيفة، ومواقع الإنترنت “من أهم وسائل تواصلهم مع مجتمعاتهم لتحقيق الوعي الصحيح، خاصَّة أنَّ أعداء الإسلام يُسَخِّرونها لتَشوِيه صورة الإسلام وسماحته، وشموليَّته واعتداله؛ ممَّا يقتَضِي نهوضنا بدورنا على أكمل وجه؛ ليرى الناس ويسمعوا رأي الحق والنور والهداية”.

وحثهم على أهميَّة “التنمية الدورية لثقافتهم، والتمرُّس على فنِّ تعاملهم مع الإعلام وإتقان أساليب عرضهم لفكرتهم، وتوجيه الحديث نحو الوجهة الصحيحة”، معتبرًا بأنها “تمنَحهم ثقة الإعلاميين والقائمين على الوسائل الإعلاميَّة؛ وبالتالي تُعطِيهم فُرَصًا أكثر لعرض أحكام الدين عبر وسائل الإعلام المختلفة”، ومشددًا على أهميَّة “استثمار الأحداث والمستجدَّات لإعطاء رأي الدين فيها”.

كافَّة هذه الوسائل دفَعتْ بالشيخ مصطفى (الولايات المتحدة) إلى الدعوة لـ”تأسيس مؤسسة راعية لهذه الفكرة بخطَّة منهجيَّة وبدراسة واقعيَّة”، باعتِبار أنها “تحتاج لميزانيَّة كبيرة مالية لدعم تلك الخطة والصرف عليها”، مشدِّدًا على أهميَّة “إعداد كَوادِر من الدُّعاة والأئمَّة باللغة وأسلوب الإلقاء بما يَتناسَب مع العقليَّة الغربيَّة، وَفْقَ مناهج مدروسة مُمَنهَجة ووسطيَّة”.

رسائل لـ”أئمَّة الغرب”

وحول الرسائل التي يَرغَبون في إرسالها لكافَّة الأئمَّة في الغرب عبر “الألوكة”؛ من أجل تفعيل هذا الدور الإعلامي الذي يحتاجه الإسلام في الغرب، شدَّد الشيخ تقي الدين (البرازيل)، على أنَّه: “يجب على كلِّ داعية يلتَمِس رضا الله، والذي يعلم أنَّه مُوَقِّع عن ربِّ العالمين، ويُرِيد السير على خُطَا الحبيب – صلَّى الله عليه وسلَّم – ألاَّ يترك فرصةً تُوصِل رسالته إلى الناس إلا سلَكَها ومارَسَها”، مُوصِيًا إخوانَه الدُّعاة بأن: “يُخلِصوا النيَّة لله، ويَأخُذوا بالعزائم، وسيَجِدُون المَدَد والعَوْن من الله، وسيفتَح الله على أيديهم الخير الكثير”.

من جهته ناشَد الشيخ د. عماد (أوكرانيا) المؤسَّسات والمراكز الإسلامية، والقائمين على تعليم وتدريب الدُّعاة بأن: “يقوموا بعقْد مؤتمرات ودورات تدريبيَّة للأئمَّة والدُّعاة ليُرشِدوهم وينموا مهاراتهم، ويُعَزِّزوا قدراتهم ويفيدوا من دورهم المؤثِّر في الناس”.

وأضاف: “بل إنَّني أُطالِب الجامعات الإسلامية وكليات الشريعة أن تعتَمِد هذا المنهج ضمن مُقرَّراتها الجامعيَّة بحيث يكون خرِّيجو الشريعة على قدرة وأهليَّة لعرض دروسهم ومواعظهم عبر وسائل الإعلام المختلفة”.

من جهته طالَب الشيخ الحمدي (الدنمارك) إخوانَه الدُّعاة بأن يُدرِكوا أنَّ: “واجبهم الأساس يَتَخطَّى حدود الجالية المُسلِمة التي يَقُوم على تعليمها أمور دينها وتوجيهها نحوَ الصواب، إلى وجوب توجيه الدعوة وعرض صورة الإسلام الصحيحة من خِلال المنابر الإعلامية؛ حيث إنَّه سفيرٌ للإسلام في البلد الذي يُقِيم به، ومن ثَمَّ يجب عليه أن يقوم عليه حق القيام”.

وفي رسالةٍ للدُّعاة والأئمَّة تُحذِّر من خطورة التقصير في هذا الدور لنشر المفاهيم الصحيحة للإسلام في الغرب، أشار الإعلامي شادي (اليونان) إلى أنَّه: “في السنوات الأخيرة ظهرت دعوات متشدِّدة في اليونان، وبدأت حاليًّا تُعطِي ثمارها المرَّة المتمثِّلة في تشدُّد الشباب وإظهارهم الغلظة للمسلمين والناس، بالإضافة إلى أنَّه بدأت تظهر الفتاوى المتشدِّدة وفتاوى استِباحة بلاد الكفَّار تظهر”، مُعتَبِرًا أنَّ كلَّ هذا يُعَرقِل الدعوة، ويُسِيء لصورة الإسلام والمسلمين في الغرب.

من جانبه ناشَد الشيخ مصطفى (الولايات المتحدة الأمريكية) إخوانَه من الأئمَّة والدُّعاة في الغرب الاهتِمام بجملة أمور “تُؤثِّر في دورهم الإعلامي”، موضحًا أنها تتعلَّق باللغة والمظهر العام وإدراك الواقع.

مبديًا أسَفَه لأنَّ: “قلَّة فقط من الأئمَّة تُجِيد اللغة المحليَّة للبلاد، كما أنَّ هذه القلَّة تُواجِهها تهمة التحريض من قِبَل وسائل الإعلام والسلطات الرسميَّة؛ نَظَرًا لعدم فهْم تلك الجهات بعض المصطلحات الإسلاميَّة التي تذكر في خطبها ودروسها؛ كمفهوم الجهاد في الإسلام”.

وفي إشارةٍ لضرورة الإدراك الواعي للبيئة التي يتحرَّك خِلالها أئمَّة الغرب، شدَّد على أنَّ: “المجتمعات الغربية بحاجة إلى أعدادٍ من الدُّعاة أكثر منها إلى أعدادٍ من الفقهاء، كما أنَّ هؤلاء الدُّعاة بجانب العلم الشرعي؛ فإنهم بحاجةٍ لإتقان فنِّ الإلقاء والإلمام بفنون وأساليب التواصُل والحوار مع الآخَر”.

كما شدَّد على أهميَّة: “المظهر الخارجي للأئمَّة في الغرب، وبما يتناسَب مع الذوق العام للمجتمع المحيط”، مشيرًا إلى أنَّ: “بعض الدُّعاة في بلاد الشرق قد بدؤوا ينحون منحى المظهر العام، بينما ما زال الكثير من الأئمَّة ملتزمين بالزي التقليدي الشرقي”.

وأكَّد على ضرورة تمهيد الأرضيَّة أولاً للأئمَّة عبر معاجلة هذه التحدِّيات، والتي يرى أن بعضها من مفرزات الواقع، وبعضها من الأئمَّة أنفسهم، والبعض الآخَر ناشئ من البيئة المحيطة وطبيعة العمل.

وتساءَل في خِتام حواره مع “الألوكة” أنَّه: “كيف نتحدَّث عن الدور الإعلامي للأئمَّة، وثمَّة تحديات تَعُوق هذا الدور”، داعيًا الجميع للعمل على معالجة كافَّة هذه العَوائِق للتفرُّغ إلى هذا الدور المهم.

بُعد آخَر يتمنَّى الداعية م. عماد (كندا) من إخوانه الأئمَّة والدُّعاة الاهتِمام به، يتمثَّل في استِخدام التكنولوجيا في إدارة مساجد مُسلِمي الغرب، سواء عبر وضع أقفال إلكترونيَّة على أبواب المساجد تسمح لوراد المسجد بدخولها في أيِّ وقت عبر كروت مُمَغنَطة خاصَّة؛ حرصًا على صلاتهم بالمسجد وقتَ فراغهم من أعمالهم؛ لأنَّ: “المساجد تُغلَق أحيانًا بعد الصلاة لعدم وجود حارس يحميها من مجلس الأمناء؛ فيقفل المسجد، ولما يستحيل إعطاء مفاتيح لكلِّ المسلمين، فإنَّ هذا الحل العصري المُتاح هنا في المباني الكبيرة سيسهِّل على المسلمين ارتِياد المسجد في أيِّ وقت”.

بالإضافة إلى الاهتِمام بالموقع الالكتروني للمسجد، وتفعيل تواصله مع أبناء المنطقة المُحِيطة طوال الأسبوع، ومقترحًا أن: “يتم تيسير الدورات التخصُّصية لكافَّة المسلِمين عبر الإنترنت؛ بحيث تستَطِيع النساء اللواتي يُتابِعن أولادهن الصغار متابعة دروس العلم دون البحث عن جليسٍ لأطفالهن (القانون يُحَتِّم وجود جليس مع كلِّ الأطفال الذين لم تَتجاوَز أعمارهم الثانية عشرة)، كما أنَّ بعض الرجال يعملون في فترة بعد الظهر والليل، وهؤلاء محرومون من الجلسات العلمية؛ لأنَّ معظمها يكون في المساء، فيُمكِن الآن عقدُ الجلسة التعليميَّة في المسجد وفي نفس الوقت، وباستخدام حاسب محمول وخط إنترنت، يتمُّ نقل تفاصيلها إلى الإنترنت فيُتابِعها مَن يريد”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شبكة الألوكة ـ 15/6/2010 ـ هاني صلاح