مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

الأسرة الألبانية.. بين مطرقة الشيوعية وسندان الانفتاح

نتيجة لغياب دور الدولة وضعف أداء مؤسسات المجتمع المدني تصاعدت خلال الآونة الأخيرة بألبانيا الصيحات التي تطالب ببذل الجهود اللازمة للحفاظ على تماسك البنيان الاجتماعي للأسرة الألبانية الذي تعرض لتصدعات كثيرة خلال المرحلة الانتقالية الحالية التي يمر بها المجتمع الألباني منذ سقوط النظام الشيوعي قبل 16 سنة في عام 1990، وانفتاح ألبانيا بلا حدود على العالم بعد انغلاق فاق كل الحدود منذ سيطرة الحزب الشيوعي على الحكم إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية في عام 1945.

موجات عاصفة

فمنذ الاستقلال عن تركيا في عام 1912 تعرض المجتمع الألباني لثلاث موجات عاتية عصفت به وتركت بصماتها على الخريطة الاجتماعية والثقافية للمجتمع الألباني:

الأولى: هي موجة التغريب إثر انفصال ألبانيا عن تركيا، وهدفت إلى الانفصال عن الشرق الإسلامي “المتخلف” بكل مفرداته والارتماء في الغرب العلماني “المتقدم” بكافة مظاهره.

الثانية: موجة الإلحاد على يد الحزب الشيوعي إثر تسلمه الحكم بعد انتهاء الحرب الثانية، والتي استهدفت بشكل أوسع الهوية الإسلامية للمجتمع الألباني، وبناء مجتمع جديد على أساس المفاهيم الماركسية.

الثالثة: ثم موجة التغريب مرة أخرى والتي يمر بها المجتمع الألباني حاليًّا منذ سقوط النظام الشيوعي في عام 1990 والانفتاح التام على الغرب بلا ضوابط.

كل هذه المتغيرات كانت تخلق دائمًا أوضاعًا جديدة داخل المجتمع الألباني انعكست بصورة مباشرة على الأسرة الألبانية المسلمة المعروفة بتدينها وترابطها القوي وتمسكها بعاداتها وتقاليدها الأصيلة. حتى بات واضحًا الآن في ألبانيا ثلاثة أجيال متباينة تمثل ثلاثة أنماط من الثقافات المختلفة عكست ملامح المرحلة الزمنية التي عاشتها ومر بها المجتمع الألباني منذ عهد الملكية، مرورًا بفترة الشيوعية وانتهاء بعصر انفتاح مطلق على العالم.

الشيوعية.. نحو تغيير المفاهيم

منذ وصولها للحكم في عام 1945 حرصت الشيوعية على اتباع سياسة التدرج خلال محاربتها للأديان والتضييق عليها والتي ظلت تعمل على الرغم من ذلك حتى عام 1967م؛ حيث صدر بصفة نهائية قانون تجريم الأديان والذي بمقتضاه تم هدم أماكن العبادة والزج في السجون كل من يعارض القانون الجديد أو يظهر أي مظهر للتدين.

وسعى النظام الشيوعي في إحداث تغيرات اجتماعية جديدة داخل المجتمع الألباني بدءًا من تغيير كثير من المفاهيم والتصورات التي كانت الأسرة الألبانية المسلمة تقدسها وتعتبرها نابعة من ثقافتها وتراثها الإسلام، وبدأ في التدخل في شئون الأسرة الألبانية المسلمة؛ ليصيغ من جديد فكر ورؤية الشيوعية للأسرة الألبانية بعيدًا عن المفاهيم الإسلامية التي كانت تتمسك بها.

وقام بالتشجيع على الزواج المختلط بين أتباع الأديان الثلاث -والذي لم يكن معروفًا من قبل- وعلى الرغم من أن العلاقات بين الأسر الألبانية بين أتباع هذه الأديان كانت قائمة على الاحترام والتقدير المتبادل، فإنه لم يكن هناك أي علاقة مصاهرة أو زواج بين أتباع الديانات الثلاث بألبانيا؛ حيث يشكل المسلمون غالبية الشعب الألباني (أكثر من 70%)، بينما الأرثوذكس (20%)، والكاثوليك (10%). وسعت السلطات الشيوعية لإذابة هذه الفوارق الاجتماعية بينهم.

حتى أسماء المواليد الجدد تدخل فيها النظام الشيوعي بوضع قوائم لأسماء المواليد ليختار منها الأبوان اسم مولودهما الجديد، وقد اختفت منها الأسماء الإسلامية التي كانت تشتهر بها ألبانيا، ولم يَعُد متاح للأبوين تسمية أبنائهم وبناتهم إلا من خلال هذه القوائم التي وضعتها الشيوعية حرصًا منها على محو الهوية الإسلامية للأجيال الجديدة.

وعلى الجانب القانوني وبما يتعلق بقانون الأحوال الشخصية أصدر قانونًا يمنع الطلاق إلا في حالة ثبوت جريمة أخلاقية من قبل الزوجة، وأصبح الزوج لا يستطيع طلاق زوجته إلا عن طريق المحكمة، وبعد أن يقدم دليل إدانة لكي تقبل المحكمة أن ينفصل عن زوجته، وإلا فإنها ترفض مبدأ الطلاق ويبقى الزوج مع زوجته بحكم القانون.

واستمرت معاناة الكثير من الأسر المسلمة بألبانيا عقودا عدة منذ عام 1945م وحتى سقوط النظام الشيوعي في عام 1990م. وكان من المفترض أن يكون انفتاح ألبانيا على العالم بداية لمرحلة جديدة للأسرة الألبانية تستعيد فيها هويتها وعافيتها، إلا أنها كانت مرحلة مغايرة تمامًا واجهت خلالها الأسرة الألبانية تحديات أخرى ومن نوع جديد.

الانفتاح على الغرب

كان انفتاح ألبانيا المفاجئ على العالم كليًّا -إضافة لعوامل الفقر والبطالة- سببًا في حدوث موجات كبيرة من الهجرة الخارجية والداخلية شكّلت من جديد معالم ونمط الحياة الاجتماعية والاقتصادية للأسرة الألبانية.

فقد أضحت عوامل الفقر والبطالة، خاصة في ظل غياب أي دور للدولة في حلها أهم التحديات التي تواجه الأسرة المسلمة في ألبانيا والتي تدفعها للهجرة إلى الغرب والبقاء فيه؛ وهو الأمر الذي يؤثر على الأجيال الناشئة ويضعف انتماءها لبلدها وارتباطها بأقربائها.
وآخر الإحصائيات التي ذكرها معهد الإحصاء الألباني تشير إلى هجرة أكثر من مليون ألباني إلى الخارج معظمهم بدول الاتحاد الأوروبي؛ أي أكثر من 30% من إجمالي عدد السكان حتى أضحت ألبانيا تمثل أكبر نسبة مئوية في عدد المهاجرين بالنسبة لعدد السكان المقيمين.

وقد توازت مع هذه الهجرة الخارجية هجرة داخلية أخرى بألبانيا من محافظات الشمال والجنوب إلى العاصمة الألبانية تيرانا بوسط ألبانيا نتيجة توفر فرصة عمل أفضل بها؛ وهو ما أعاد تشكيل الخريطة الاجتماعية للمجتمع الألباني من جديد.

ونتيجة للأزمة الاقتصادية بدأت تظهر ظاهرة انخفاض عدد أفراد الأسرة الألبانية التي كانت تتميز بكثرة الأبناء نسبيًّا. فبينما كان متوسط عدد الأبناء عند الكثير من العائلات الألبانية يصل إلى 7 أبناء في العهد الشيوعي وحتى عام 1990م بدأ هذا العدد في التقلص تدريجيًّا في مرحلة الانفتاح حتى أصبحت معظم الأسر الألبانية تفضل أن يكون لديها ولد أو اثنان على أكثر تقدير؛ وهو الأمر الذي أدى إلى تقلص عدد المواليد كثيرًا، فبينما وصل عدد المواليد إلى 85 ألف مولود في عام 1990م عند سقوط الشيوعية، انخفض هذا العدد في عام 2001م إلى 52 ألف مولود فقط بعد حوالي عقد من الانفتاح.

وحسب الدراسة التي قام بها معهد الإحصاء الحكومي الألباني (INSTAT) أرجع مسألة تقلص عدد أفراد العائلة الألبانية إلى هذه الأسباب:

ـ ارتفاع أعداد الألبان المهاجرين للخارج بحثًا عن العمل والتي وصلت إلى نسبة 30% من إجمالي الشعب الألباني، معظمهم من الشباب الألباني في العشرينيات من عمرهم..

ـ ارتفاع سن الزواج بين الجنسين نتيجة للظروف الاقتصادية الصعبة.

ـ توجه معظم الأسر الألبانية الجديدة بأن يكون لها ابنان على حد أقصى؛ لضمان حياة مرفهة للأسرة سواء للآباء والأمهات أو للأبناء.

ومن جهته رأى البروفيسور “أدموند دراجوتيت” في تحليله لظاهرة انخفاض عدد أفراد الأسرة الألبانية بأن هذه مؤشرات لطغيان ثقافة الفرد والمال على القيم الأسرية، وأضحى مفهوم القيم الأخلاقية للشخصية الألبانية مرتبطًا بما يحققه الفرد من عوائد مالية ومادية لنفسه. وأصبحت النظرة الأولى للأسرة الألبانية هي تحقيق الرفاهية والمعيشة الرغدة قبل أن تكون في عدد الأطفال.

ومن الظواهر الجديدة على المجتمع الألباني ارتفاع معدل الطلاق، خاصة بين المتزوجين حديثًا والذين لم يمر على زواجهم أكثر من عام. وفي كثير من الأحيان يقف العامل الاقتصادي كأحد أهم أسباب هذا الانفصال، وخاصة في الحالات التي يكون فيها الزوج مسافرًا لفترات طويلة؛ حيث تبقى الزوجة -كما هي عادة الألبان- عند أهل زوجها؛ الأمر الذي تحدث من خلاله مشاكل تزيد كلما زادت فترة غيبة الزوج في الخارج.

ومع بدايات مرحلة الانفتاح بدت مخاوف كثيرة تتعرض لها الأسرة الألبانية؛ بدءًا من انتشار الجريمة المنظمة والتي ارتبطت بحالة التنافس السياسي الحزبي إلى انتشار عصابات ترويج المخدرات، خاصة بين طلاب المراحل الثانوية والجامعية. كما انتشرت عصابات تجارة الرقيق الأبيض التي سعت إلى تحقيق كثير من الأرباح من خلال خطف الفتيات، خاصة من طالبات المدارس الثانوية وتهريبهن إلى الدول الأوروبية، حتى أضحت كثير من الأسر الألبانية من سكان القرى ترفض السماح لبناتهم بالذهاب للمدارس الثانوية الموجودة في المدن خوفًا عليهن.

وفي ظل الانفتاح وجدت كثير من المؤسسات الأوروبية بأجندتها الغربية طريقها إلى ألبانيا تحت شعار تقديم المساعدات للشعب الألباني، وقامت كثير من هذه المؤسسات الغربية بتنفيذ مشروعات خدمية، سواء للمرأة أو الطفل أو الأسرة. حتى أصبحت الأسرة الألبانية تعتمد في كثير من تدبير أمورها وحل مشاكلها المعيشية عبر هذه المؤسسات الغربية؛ فهي توفر فرصا دراسية للأبناء، وتصرف مساعدات مالية، وتساعد في الحصول على خدمات طبية، وارتبطت الأسرة المسلمة بشكل كبير بالمؤسسات الغربية في ظل غياب دور الدولة وعجزها عن تلبية احتياجات الشعب الألباني.

الأسرة الألبانية.. والمستقبل

ومع عدم وجود دور فعّال للحكومات الألبانية المتعاقبة التي انشغلت بالصراع التقليدي المستمر بين الحزبين الرئيسين الديمقراطي “الجديد” والاشتراكي “الشيوعي سابقًا”. ومع ضعف أداء المؤسسات الأهلية المحلية التي تعتمد على التمويل الغربي بدأت كثير من الأسر الألبانية ترفع صوتها عبر الإعلام مطالبةً بضرورة بذل جهود لحماية العادات والتقاليد الألبانية من الذوبان، والعمل على إعادة تماسك البنيان الاجتماعي للأسرة الألبانية كما كان قبل مرحلة الانفتاح، إلا أن هذه النداءات المتتالية عبر المنافذ الإعلامية والتجمعات الثقافية ما زالت في حيّز الاستغاثة النظرية، ولم تترجم بعد في شكل حلول عملية تشعر بها الأسرة الألبانية من خلال الواقع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إسلام أون لاين ـ 2006 ـ هاني صلاح