مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

العلاقات العربية البلقانية بعد الحرب الباردة

مقدمة

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وخلال عقود الحرب الباردة بين المعسكرين الدوليين الشرقي والغربي، وحتى مطلع التسعينيات من القرن الماضي؛ ارتبطت العلاقات العربية البلقانية بطبيعة الأنظمة التي تحكم دول المنطقتين وتوجهات حكوماتها.

وتركزت العلاقات بين الدول العربية ودول البلقان بين الحكومات والأنظمة بشكل رئيس، ولم تتوسع دائرتها كثيرًا بين شعوب المنطقتين؛ لذا فقد انحصرت في المجال السياسي إلى حدٍّ كبير، ويتضح ذلك من خلال ضعف/غياب العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بين الشعوب العربية والبلقانية.

ولعل أسباب ذلك تعود إلى أن العلاقات بين الأنظمة التي حكمت المنطقتين كانت قد ارتبطت بالمحور/الحلف الذي تدور فيه كل دولة، وتوجهات زعمائها سواءً نحو الشرق/وارسو، أو باتجاه الغرب/ناتو.

ومع ذلك، فقد برزاتجاه ثالث سعى جاهدًا إلى تحقيق نوع من الاستقلال عن حالة الاستقطاب الدولية، تمثَّل في اتجاه عدم الانحياز.

ولعل دول العالم الثالث قد وجدت فيه فرصةً لعدم الاستسلام للمعادلة الدولية “الثنائية” القائمة في ذلك الوقت إمَّا مع الغرب أو الشرق، عزز من ذلك طموحات قادة بعض الدول في تحقيق إنجازات لهم بشكل خاص، ولبلدانهم بشكل عام.

وتزعم هذا الاتجاه الجديد/الحياد، ثلاثُ دولٍ “محورية” في ثلاثِ مناطقَ جغرافيةٍ متباعدة: (مصر/الشرق الأوسط، والهند/جنوب آسيا، ويوغسلافيا/البلقان)، وهو ما أتاح الفرصة لتطوير العلاقات السياسية “على الصعيد الدولي” بين هذه الدول الثلاث.

ومن هنا.. برز تواصلٌ خاصٌّ بين زعماء تلك الدول الثلاث “المحورية” في مناطقها الإقليمية، والذين استشعروا “مكانتهم الإقليمية”؛ فسعوا لقيادة الدول المجاورة لهم باتجاه سياسة عدم الانحياز.

وفي هذا الإطار الجديد/المشترك، نشأت علاقات سياسية “خاصة” بين كل من بلجراد والقاهرة، وتواصلت هذه العلاقة “التاريخية” هبوطًا ثم صعودًا في مرحلة ما بعد “يوغسلافيا” إثر تفككها في بدايات التسعينيات، عبر جمهورية صربيا “وريثتها الشرعية”، حسب زعمها، وكان لـتجديد هذا التواصل الذي شهد هبوطًا ثم صعودًا انعكاساتٌ على المواقف السياسية لمصر إزاء المتغيرات التي جرت في منطقة البلقان خلال العقدين الماضيين.

من جهةٍ أخرى، لا يمكننا فهم طبيعية العلاقات العربية/البلقانية دون فهم المتغيرات التي طرأت على الساحة الإقليمية البلقانية، تلك المتغيرات التي بدأت بانتهاء الحرب الباردة، وتفجُّرِ الحروب البلقانية – البلقانية؛ والتي غيرت من الخريطة السياسية للمنطقة؛ ومعها تغيرت أيضًا معادلة التوازن الدولية التي هيمنت على هذه المنطقة “الاستراتيجية” لعقود متتالية.

فلم تصبح المنافسة على المنطقة بين “شرق/وراسو”، و”غرب/ناتو” كما كانت في السابق، بل برز تنافسٌ جديد على الهيمنة وبسطِ النفوذ على منطقة البلقان، وخاصةً على غربها حيث الدول الصغيرة الناشئة حديثًا، وتفجَّر هذا التنافس بين حلفاء الأمس أنفسهم (الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية) إثر غياب منافسهم التاريخي (روسيا).

إلا أن هذه الحالة “الاستثنائية” لم تدم طويلًا؛ فبعد نحو عقد كامل من النزاعات المسلحة والحروب الإقليمية خلال تسعينيات القرن العشرين؛ ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، بدأت تبرز قوى دولية وإقليمية جديدة/صاعدة تطمع في استرجاع نفوذها السابق “التاريخي” في المنطقة، وتمثلت هذه القوى في كلٍّ من روسيا الاتحادية وتركيا؛ حيث سعيا تدريجيًّا لمنافسة الغرب عبْر مدِّ نفوذهما للمنطقة من خلال “حلفاء الأمس” (تركيا: ألبانيا ـ البوسنة)، (روسيا: صربيا).

وبذلك بدأت مرحلة جديدة من إدارة العلاقات/الصراعات السياسية بين القوى العظمى من خارج المنطقة، وهو ما انعكس على العلاقات الإقليمية بين دول المنطقة بعضها ببعض.

كما أضحت هذه العلاقات السياسية بين دول البلقان وبقية دول العالم تمرُّ حتمًا عبر “البوابات الدولية” للقوى المهيمنة على المنطقة، سواءً القوى الغربية المتحكمة بالفعل “بروكسل وواشنطن”، أو القوى الشرقية “الصاعدة” والطامحة لاسترجاع نفوذها من جديد في المنطقة “موسكو وأنقرة”.

ومن هنا، أصبحت المعادلة القائمة بالفعل في علاقات دول البلقان “الحاليَّة” بدول العالم، ومن ضمنها الدول العربية، تؤكد بأن هذه العلاقات ليست ـ ولن تكون مستقبلًا ـ بمعزل عن علاقاتها الاستراتيجية مع الدول العظمى الحليفة لها.

هذا بشكل عام، إلا أن الأمر أعمق من فهمه بهذه السهولة، فهناك تحالفات مزدوجة ومعقدة بين تلك القوى العظمى، سواءً المتحالفة أو المتنافسة، تتقابل أحيانًا وتتقاطع في أحيانٍ أخرى وفق مصالحها الخاصة في المنطقة.

فقد نشاهد توافقًا جديدًا “أمريكيًّا/تركيًّا” في المنطقة يتعارض مع التوافق الأسبق “الأمريكي/الأوروبي”، وفي حالات أخرى ربما نلاحظ تقاربًا “فرنسيًّا/روسيًّا” في المصالح قد يخالف الموقف الأمريكي ومعه البريطاني حيالَ بعض القضايا المعلقة أو الملفات الشائكة في منطقة البلقان.

وفي ضوء ذلك، يتضح أن منطقة البلقان التي اتسمت بالتعقيد الشديد في خريطتها العرقية المتنوعة والمتداخلة مع خريطتها السياسية المتغيرة، تتسمُ أيضًا بالتعقيد الشديد في تحالفاتها السياسية المتغيرة والمزدوجة، بل والمتناقضة بين الشركاء والخصوم في آنٍ واحد؛ الأمر الذي حول الأطراف المتنافسة في بعض الملفات الشائكة إلى أطراف متوافقة إزاء قضايا أخرى تحظى باهتمام مشترك فيما بينهما.

ولهذا أضحت سمةُ التغيير وعدمُ الاستقرار بمثابة الحقيقة الوحيدة الثابتة في تاريخ هذه المنطقة الاستراتيجية، تلك الحقيقة التي فرضت نفسها على دول وشعوب المنطقة وكافة الأطراف والقوى الخارجية التي تتعامل معها.

في هذا الإطار.. وفي سياق هذه التغيرات التي طرأت على المنطقة خلال العقدين الماضيين في توازنات القوى الجديدة بها، يمكن فهم وتتبع وتحليل وتوقع كيف سارت العلاقات العربية – البلقانية، وما هو مستقبلها المتوقع دون تقليلٍ من أهمية هذه العلاقات لدول المنطقتين، ودون وضع آمال أكثر مما يمكن توقعه في ظل التنافس الشديد من قوًى لا تسمح بدخول قوًى أخرى جديدة لتنافسها على المنطقة التي سعت لترسيخ تواجدها بها منذ عشرات السنين إن لم يكن منذ قرون، إلا من خلالها ووفق مصالحها أو على الأقل بما لا يتعارض مع مصالحها بها.

في هذه الورقة..

1. التغيُّرات التي طرأت على منطقة البلقان خلال العقدين الماضيين.

2. العلاقات العربية البلقانية.

3. مستقبل العلاقات العربية البلقانية.

1 ـ التغيُّرات التي طرأت على منطقة البلقان خلال العقدين الماضيين

بسقوط الأنظمة الشيوعية في دول البلقان، وبالتزامن مع ظهور دول جديدة في غرب المنطقة، إثر تفكك الاتحاد اليوغسلافي السابق؛ بدأت المنطقة بأكملها تشهد مرحلةُ جديدة من تاريخها، اتسمت بالانفتاح على العالم وخاصة على الغرب، سعيًا وراء تحقيق حلمها بالانضمام للاتحاد الأوروبي.

إلا أن تفجُّرَ الحروب الإقليمية بين الدول الجديدة التي انبثقت عن جمهورية يوغسلافيا أخَّر هذا الحلم لنحو عقد من الزمان؛ فقد انشغلت المنطقة ومن خلفها العالم بخمسِ حروب إقليمية ونزاعات مسلحة متتالية: (ثلاث حروب ونزاعين مسلحين) على مدار عقد كامل 1992/2001، وما إن تهدأ واحدة حتى تبدأ الأخرى.(1)

وهو الأمر الذي دفع ببروكسل إلى القناعة بأنَّ ضمَّ دول البلقان للمنظومة “الأوروبية/الأطلسية” بات ضرورة ملحة لاستقرار المنطقة عبر الاشتراط على دولها تحسين علاقات الجوار بينها، ومن جهة أخرى لإبعاد نفوذ القوى من خارج القارة الأوروبية، سواءً أكانت من المنافسين لها في شرق المنطقة (تركيا/روسيا)، أو حتى من حليفتها في الغرب (واشنطن) نظرًا للتخوفات الأوروبية من تضارب مصالحهما المشتركة مستقبلًا حال وضع أقدامها في المنطقة وجذب بعض دولها إليها بعيدًا عن الأسرة الأوروبية الموحَّدة.

لذا دعا الاتحاد الأوروبي إلى عقد مؤتمر في عام 1999ـ فور انتهاء حرب كوسوفا ـ لبحث الخطوات العملية لتأهيل دول غرب منطقة البلقان للانضمام إلى المنظومة “الأورو-أطلسية”، وبعد أن تكون قد نفَّذت أجندة الإصلاحات الدستورية والإدارية والاقتصادية اللازمة لذلك، مقابل قيام الاتحاد الأوروبي بدعم اقتصاداتها وتيسير حصولها على المساعدات والقروض من المنظمات والجهات المعنية في أوروبا أو حتى الدولية.

وبالفعل تم تدشين ميثاق الاستقرار لجنوب شرق أوروبا في عام 1999 كأول استراتيجية شاملة من المجتمع الدولي، تهدف إلى تعزيز جهود بلدان جنوب شرق أوروبا في تعزيز السلام والديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان والازدهار الاقتصادي، ومنع نشوب الصراعات.(2)

وهنا لابُدَّ من الإشارة إلى أن أطول حروب البلقان الخمسة (آخر ثلاث حروب)، قد توقفت فقط بضغطِ المجتمع الدولي، ومن خلال فرضِه ثلاثِ اتفاقيات دولية على الأطراف المتصارعة، واحدة منها لم توقَّع حتى اليوم إلا من طرف واحد فقط، وهي المتعلقة بملف استقلال كوسوفا، وهو ما يشير إلى هشاشة حالة الاستقرار السياسي في منطقة غرب البلقان حتى اليوم.

وكان آخر أهم تصريح في هذا الشأن، ما صرح به “سيجمار جابرييل”؛ وزير الاقتصاد الألماني في كلمته الافتتاحية، خلال اللقاء الذي عقدته المستشارة الألمانية ومسئولون بالاتحاد الأوروبي، مع 8 من رؤساء دول غرب البلقان، في برلينفي 28/8/2014، حيث قال: إن مستقبل دول البلقان “يتركز داخل الاتحاد الأوروبي”.(3)

وهذا يعني أن الإنجاز الذي تَمَّ من قِبلِ المجتمع الدولي، وتحديدًا من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وهما الطرفان اللذان أوقفا صراعات البلقان المسلحة؛ يتمثل في “وقف القتال” وليس في “تحقيق السلام”، وهو ما يعكسه الواقع على الأرض بكل وضوح.

وهذا يعني أن “الأسرة الأوروبية”، ومعها الضامن الأمريكي “شِبه المحايد” هما الضمان الوحيد لاستمرار حالة الاستقرار “الهدنة”، وعدم تجدد الحروب مرة أخرى، إلى أن تتحقق ضمانات أخرى ربما يكون أقربها انضمام دول المنطقة بأكملها للمنظومة الأوروبية والأطلسية، كما صرح العديد من زعماء الغرب بأن مستقبل المنطقة “فقط داخل الاتحاد الأوروبي”.(4)

لذلك شهد مطلع القرن الحادي والعشرين خطواتٍ ملموسةً على الأرض لتسريع وتيرة الإصلاحات في دول البلقان، وهو ما أسفر عن انضمام بعضها في شرق منطقة البلقان (بلغاريا) أولًا لحلف الناتو في عام 2004، ثم انضمامهم إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2007.(5)

إلا أن المشكلة ما زالت بالفعل، وتتمثل في دول غرب البلقان “بؤرة التوتر”، والتي ما زالت تعاني من ملفات شائكة وعالقة فيما بينها، وفي مقدمتها كل من صربيا/كوسوفا، والبوسنة، ومقدونيا، والتي ما زالت عناصر التوتر وعوامل الانفجار فيها متجددة كما هي ولم تعالَج إلى اليوم.

كما يضاف إلى تلك الدول “الأربع” السالفة الذكر، والتي كانت ضمن الاتحاد اليوغسلافي في السابق، وأيضًا دولة ألبانيا نظرًا لحالة عدم الاستقرار التي شهدتها خصوصًا في منتصف التسعينيات، وظاهرة المعارضة المسلحة التي كانت سببًا في سقوط الحكومة الألبانية في مارس عام 1997م؛ إثر إعلان شركات توظيف الأموال عن إفلاسها، وكان ذلك سببًا في اندلاع ثورة شعبية استثمرتها المعارضة “المسلحة” لصالحها، واستطاعت إسقاط النظام وقتها.

إلا أن هذه الأحداث كانت لها تبعات سلبية على الاقتصاد الألباني لسنواتٍ، ومن ضمنها: خروج كثيرٍ من المستثمرين الأجانب من ألبانيا، وإحجام الكثيرين عن القدوم إليها للاستثمار فيها، وهي الدولة الأشد فقرًا في أوروبا.

ومع ذلك، فقد شهد العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حالةً من التردد في القرار الأوروبي تجاه تلك الدول التي لم تستقر بعدُ، إلا أنَّ مستجداتٍ على الساحة الإقليمية في منطقة جنوب شرق أوروبا (البلقان) قد حسمت هذا التردد، وبات الأمر مسألة وقت فقط لكي تنتهي عملية ضم مَنْ تبقَّى من دول غرب البلقان إلى الاتحاد الأوروبي.

وليس أدل على ذلك من السماح لبعض مواطني بعض دولها، التي لم تنضم بعدُ للاتحاد، بالسفر إلى دول الاتحاد دون الاحتياج لتأشيرة دخول، في مسعًى لتخفيف حالة الغضب المتصاعدة من حكومات وشعوب تلك الدول إزاء الاتحاد الأوروبي “المتردد” في قراره بضمها إليه.

وقد تمت على مرحلتين؛ حيث أُعطيت (التأشيرة) في المرحلة الأولى في عام 2009 لمواطني كلٍّ من: صربيا، ومقدونيا، والجبل الأسود، ثم في المرحلة الثانية في ديسمبر 2010، أُعطيت لمواطني كلٍّ من: ألبانيا، والبوسنة والهرسك.(6)

ولعل أحدَ أسباب التوجه الأوروبي بضرورة حسم ملف انضمام دول البلقان المتبقية إليه في أقرب وقت شعورُ الاتحاد الأوروبي بتحرك قوًى إقليمية ودولية في منطقة البلقان كمنافسين له في بسط السيطرة والهيمنة على المنطقة، ويخشى أن تتجه من جديد بعض دول البلقان للتحالف مع قوًى عظمى أخرى بعيدًا عن شراكتها مع الاتحاد الأوروبي.

فقد ظهرت من خلال الأحداث رغبة الولايات المتحدة في العمل بشكل مستقل عن الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق ببسط نفوذها في المنطقة، ومن بينها بناءُ قواعد لها فيها، وهو الأمر الذي بات يُقلق “الشريك” الأوروبي الذي تحالف معه في السابق حينما كان لهما منافس مشترك آخر “روسيا”.

وفي ظلال ذلك بدأ “الدب الروسي” في العودة للمنطقة بعد تعافيه تدريجيًّا من محنة انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك حلف وارسو، كما ظهر منافس إقليمي جديد هو الجار التركي الذي يمثل قوة صاعدة تدريجيًّا على المستوى الإقليمي والدولي معًا.

كل هذه التطورات والمتغيرات التي طرأت على المنطقة تباعًا على مدار العقدين الماضيين تشير إلى أن المنطقة سوف تشهد حالة من الاستقطاب مجددًا، وأن قوًى عظمى سوف تسعى لجذب حلفاء الأمس إليها عبْر إغرائها بالمساعدات والقروض التي تُعدُّ دول المنطقة في أحوج ما تكون إليها خلال مرحلتها الانتقالية التي ما زالت مستمرة حتى اليوم منذ انتهاء الحرب الباردة، وسقوط أنظمتها الشيوعية في بدايات التسعينيات من القرن الماضي.

2 ـ العلاقات العربية البلقانية

كان من المفترض أن تمثل التغيُّرات التي حدثت في البلقان بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط الأنظمة الشيوعية في دولها وانفتاحها على العالم مدخلًا لبدء تواصلٍ بين دول المنطقتين (العربية والبلقانية) على المستوى الحكومي الرسمي، أو على الأقل فرصةً لتطوير العلاقات الفاترة القائمة بالفعل بين بعض دول المنطقتين، كمصر وليبيا وسوريا على سبيل المثال، وهي الدول التي كانت تربطها علاقات سابقة بدول البلقان في سياق علاقاتها التاريخية بروسيا والكتلة الشرقية.

ولكن ما حدث بالفعل، يشير لعكس ذلك؛ فقد شهدت هذه العلاقات تراجعًا على المسار السياسي لمدة تزيد عن 15 عامًا، ولم تشهد تحسنًا محدودًا ومتدرجًا إلا بعد عام 2005، ثم بدأ الاهتمام والنظر في تحسين هذه العلاقات من قبل حكومات بعض دول المنطقتين في نهاية العقد الأول من القرن الحالي وبدايات العقد الثاني.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، فعلى الرغم مما شهدته العلاقات بين كل من مصر ويوغسلافيا فترةَ ازدهارٍ غيرَ مسبوقةٍ في عقدي الخمسينيات والستينيات، إبَّان حقبة حركة عدم الانحياز وما صاحبها من روابط وثيقة بين الزعيمين “ناصر وتيتو”، فإن تفكك يوغسلافيا السابقة وما شهدته المنطقة من حروب في عقد التسعينيات، انعكس على مستوى العلاقات الذي تم تخفيضه إلى دون مستوى السفير لمرتين في تلك الفترة.

ولم تبدأ هذه العلاقات في التحسن مجددًا إلا بعد مرور نحو 15 عامًا على تفكك يوغسلافيا السابقة، وتحديدًا في عام 2005 الذي شهد أول زيارة وزارية من مصر إلى صربيا، والتي تلتها مباشرة زيارات لمسئولين مصريين على المستوى الوزاري.

فقد قامت فايزة أبو النجا؛ وزيرة التعاون الدولي المصرية، بزيارة من 21 – 24 مايو 2005؛ حيث تم التوقيع على بروتوكول التشاور السياسي بين البلدين في 12/1/2005، وعقدت أول جولة مشاورات بين الجانبين، ثم قام أحمد أبو الغيط، وزير الخارجية المصري، بزيارة بلجراد يومي 14 – 15 فبراير 2010، التقى خلالها مع من الرئيس الصربى. تلتها زيارة ثالثة لوزير التجارة والصناعة المصري إلى بلجراد يومي 23 – 24 فبراير 2010 على رأس وفد من كبار رجال الأعمال.

ومع ذلك، عكست الأرقام الصادرة عن المؤسسات الرسمية محصلة هامشية لهذه الزيارات المتبادلة والاتفاقيات الموقَّعة بين الجانبين، ولم تثمر عن تطور حقيقيٍّ في علاقات البلدين اللذين ربطتهما علاقات تاريخية سابقة.

ومع ذلك، وبالرغم من ضعف أو غياب العلاقات السياسية على مستوى الدول والحكومات بين المنطقتين العربية والبلقانية، فإنه برز دورٌ جديد للشعوب العربية لم يكن موجودًا من قبل، وهو الدور الخيري التنموي، والذي ركز على المساعدات الإنسانية والإغاثية، ولم يرتقِ بعدُ – أو ربما عجَز عن تطوير دوره – إلى المجال الاقتصادي الاستثماري، وربما مرجع ذلك لنفس السبب الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة إلى أن العلاقات الحالية والمستقبلية بين دول البلقان والدول العربية ليست مستقلة، ولن تستطيع أن تكون كذلك مستقبلًا دون أن تمر من بوابات القوى الدولية والإقليمية المتنافسة على المنطقة، والتي تسعى بشكل دائم ومستمر إلى بسط هيمنتها وترسيخ نفوذها، خاصةً لدى دول غرب البلقان التي انبثقت عن تفكك الاتحاد اليوغسلافي السابق، ومعها أيضًا “ألبانيا” التي خرجت مدمَّرة من الحقبة الشيوعية، وهذه الدول بأمسِّ الحاجة لدعم القوى الدولية والإقليمية لها لبناء اقتصادها الجديد.

ويبدو أن الفترة الصعبة التي عاشتها دول البلقان وغربها تحديدًا، خلال سنوات العِقد الأخير من القرن العشرين، والتي راقبها العالم الخارجي بقلق كبير وشيء من الترقب، قد انعكست على “القرار السياسي العربي” تجاه دول المنطقة، وخاصة الناشئة حديثًا؛ حيث اتَّسم القرار العربي بـ”التردد والتأخر”، انتظارًا للمحصلة النهائية التي ستسفر عنها تلك الأحداث، وكذلك لدراسة الموقف الدولي/الغربي إزاءها.

وبدا واضحًا أنه لم يكن بوسع حكومات الدول العربية ـ لأسباب غير معلنة ـ اتخاذ قرارات سياسية في ملف علاقاتها بدول البلقان؛ بمعزل عن التحرك الدولي الذي انشغل بمعالجة أزمات المنطقة، وربما كان وقوع المنطقة في قلب أوروبا جعل هناك خطوطًا حمراء “غير معلنة” إزاء أي موقف من أحداث المنطقة من جانب الدول التي تقع خارج القارة الأوروبية.

لذلك لم نشهد تغيُّرات ملحوظة على مستوى العلاقات السياسية بين دول البلقان والدول العربية خلال عقد كامل من بدء التغيُّرات السياسية في المنطقة.

إلا أن تلك التغيُّرات السياسية في غرب البلقان في تسعينيات القرن الماضي شكَّلت مدخلًا لتواصلٍ جديد بين شعوب المنطقتين العربية والبلقانية لم يكن موجودًا من قبل؛ فقد كان للشعوب العربية دورٌ رائدٌ وملحوظٌ “أسرع وأجرأ من حكوماتها”، في مدِّ جسور التواصل مع شعوب البلقان، عبر “الجسر الإنساني” الذي فرض نفسه على الجميع نظرًا للأحداث التي شهدتها المنطقة.

وفي هذا الإطار، اقتصرت العلاقات العربية البلقانية في العقد الأخير من القرن العشرين على الدور الشعبي عبر مؤسسات المجتمع المدني، وتحديدًا العاملة في مجال الإغاثة والعمل الخيري الإنساني، كما كان لها دورٌ دعويٌّ ملحوظٌ نظرًا لخروج المنطقة من حقبة الشيوعية الذي دمَّرت مساجدها ومدارسها الإسلامية وهو ما حدث تحديدًا في الدول التي تحظى بغالبية مسلمة.

وبينما اقتصر الدور العربي الحكومي خلال هذه الفترة فقط على الدور السياسي القائم على رعاية المصالح السياسية المشتركة للأنظمة التي تحكم دول المنطقتين، اتَّسم الدور الشعبي بمراعاة البعد الإنساني والديني.

وهنا تجب الإشارة إلى أن الدور الشعبي العربي كان مُرحَّبًا به من قِبلِ الحكومات العربية، ولم تسعَ للتضييق عليه في محاولةٍ لتحقيق شيء من التوازن في علاقاتها الخارجية مع دول البلقان المختلفة والمتصارعة فيما بينها، في مسعًى للبقاء على الحياد إزاء الصراعات الإقليمية بين دول وشعوب المنطقة، ودون المساس بعلاقاتها ببعض الدول كـ”صربيا”، وفي نفس الوقت لم تعُقْ شعوبها عن تقديم المساعدة للشعوب المسلمة التي كانت ضحيةً للسياسة العدوانية الصربية في المنطقة كما حدث في البوسنة وكوسوفا.

لكن تجب الإشارة إلى أنه ومع غياب دور حكومي عربي رسمي إزاء منطقة البلقان، فإنه في حالات معدودة كانت هناك مشاركات على المستوى العسكري وعبر المجتمع الدولي في قوات حفظ السلام، سواءً خلال حرب البوسنة أو حرب كوسوفا، كما أنه من المهم التسجيل للتاريخ أن تلك القوات العربية التي كانت من دول عربية مختلفة مثل: مصر والأردن والإمارات وغيرها، لعبت دورًا إنسانيًّا رائدًا باهرًا خلال عمليات حفظ السلام شهد له الجميع، وترك وقتها بصمات إيجابية على صورة الشعوب العربية والجيوش العربية حينما تتاح لها الفرصة للمساعدات الإنسانية للشعوب المظلومة.

حقيقة أخرى من المهم التأكيد عليها قبل الدخول في تفاصيل الدور الشعبي العربي في منطقة البلقان، وقبل التعرض للدور الشعبي الألباني في المنطقة العربية، وهي أنه وبالرغم من أن الدور العربي في نهاية القرن العشرين كان طابعه “شعبيًّا”، فإنه مثَّل البداية الحقيقية لمدِّ جسورٍ جديدةٍ من التواصل لأول مرةٍ بين دول عربية جديدة على منطقة البلقان، وبين دولٍ بلقانية ناشئة حديثًا، وذلك بخلاف الدول العربية التقليدية التي كانت لها علاقات سابقة مع دول المنطقة، وهو ما سنرى انعكاساته في فترة متأخرة من بدايات العقد الثاني في القرن الحادي والعشرين.

فقد تطور وببطءٍ شديدٍ جدًّا “الجسرُ الإنسانيُّ” الذي مدَّته الشعوب العربية إلى منطقة البلقان، وتحوَّل تدريجيًّا إلى جسر حكوميٍّ دبلوماسيٍّ سياسيٍّ بين الدول العربية التي بدأت – لأول مرة – في إنشاء علاقات سياسية مع دول البلقان، خاصةً ألبانيا وتلك الناشئة حديثًا.

وهنا نلاحظ اختلافات بين “نمطين” من الدول العربية في علاقاتها السياسية بالدول البلقانية:

الدول العربية.. “ذات العلاقات القديمة”:

وهي الدول العربية التي كانت تربطها علاقات سابقة بدول البلقان خلال فترة الحرب الباردة؛ فقد استمرت هذه العلاقات على نفس الوتيرة بعد انتهاء الحرب الباردة، والتي كانت في معظمها تقتصر على التعاون فيما فيه مصلحة الحكومات التي تحكم تلك الدول في المنطقتين، وبما يدعم من نفوذها السياسي على المستويين الدولي والإقليمي.

فعلى سبيل المثال، تواصلت علاقات هذه الدول العربية ـ وفي مقدمتها مصر وليبيا وسوريا ـ مع جمهورية صربيا “الجديدة” باعتبارها امتدادًا للاتحاد اليوغسلافي السابق ووريثته “الشرعية”، من وجهة نظر صربيا على الأقل، والتي لم تمثل إشكالية كبيرة من جانب تلك الدول العربية.

ومن جانبٍ تحليليٍّ لموقف تلك الدول العربية، يمكن القول بأن العلاقات “التاريخية” التي كانت تربطها بدول البلقان الرئيسة كانت لـ”الخارج”، بهدف تدعيم نفوذ الأنظمة التي تحكم هذه الدول على الساحة الدولية، ولم تكن لـ”الداخل” لدعم “مصالح شعوبها” عبر توثيق العلاقات الاقتصادية والثقافية وغيرها فيما بينها.

ولعل من أمثلة ذلك عدمَ اعترافِ تلك الدول العربية بـ”إقليم” كوسوفا الذي أعلن استقلاله عن صربيا من جانب في عام 2008م، بعد أخذه الضوء الأخضر من المجتمع الدولي “الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية”، وإثر توقيع كوسوفا على خطة سلام المبعوث الدولي “مارتي اهتساري”، وعلى الرغم من اعتراف غالبية دول الاتحاد الأوروبي باستقلال كوسوفا، إلا أن تلك الدول العربية رفضت ذلك حرصًا منها على علاقاتها “التاريخية” مع “يوغسلافيا الماضية” التي تمثلها “صربيا الحالية”.

كما أنه ليس أدل على ذلك من تغيير الموقف الرسمي لبعض تلك الدول بعد تغير النظام، كما حدث في مصر حينما اعترفت باستقلال كوسوفا في عام 2013 بعد نحو 5 سنوات من إعلانها الاستقلال، وذلك بعد أن تغير النظام الحاكم فغيرتْ معه مواقفها السياسية، واقتربت أكثر من الموقف الشعبي الداعم لاستقلال كوسوفا.

وهنا نلاحظ مدى الفجوة بين المواقف الشعبية في تلك الدول المتعاطفة مع تطلعات الشعوب لنيل حرياتها، خاصةً تلك الشعوب التي تشاركها الهوية، كما هو الحال في كوسوفا ومن قبلها البوسنة، وبين مواقف حكوماتها من تلك المستجدات على الساحة البلقانية؛ حيث راعت مصالحها السياسية التاريخية مع تلك الدول البلقانية “صربيا”، ولم تقبل أنْ ترضخ لتوجهات شعوبها لتغيير مواقفها الثابتة من تلك المستجدات على الساحة البلقانية.

الدول العربية.. “صاحبة العلاقات الحديثة”:

إلا أن الأمر بالنسبة للدول العربية التي سعت لإقامة علاقات لأول مرة مع دول البلقان خاصةً الدول الناشئة حديثًا، والتي ظهرت على الخريطة السياسية بغرب منطقة البلقان إثر تفكك الاتحاد اليوغسلافي، فقد ظهر بوضوح حرص تلك الدول العربية، وغالبيتها دول الخليج كالكويت والسعودية وقطر والإمارات، على إقامة علاقات متوازنة مع كافة دول البلقان دون أن تميل لجانب على حساب آخر، وهو ما يفسر اعترافها باستقلال كوسوفا تدريجيًّا، ولكن بعد أن اعترفت بها أغلب دول الاتحاد الأوروبي وكثير من دول العالم، وفي نفس الوقت حرصت على إقامة علاقات سياسية طبيعية مع صربيا أو حتى غيرها من بقية دول البلقان.

وكان واضحًا أن هذا “الفريق الجديد” الذي يدخل منطقة البلقان ويقيم علاقات سياسية مع دولِه لأول مرة، كان حريصًا على الاستفادة من أخطاء الماضي، أو بمعنًى أدق على عدم توريط نفسه في أي صراعات إقليمية بالوقوف مع جانبٍ ضدَّ آخر، وإنما سعى لتدعيم علاقاته السياسية مع دول المنطقة، والانطلاق من خلالها إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية أيضًا مع تلك الدول وفقًا لمبدأ المصالح المتبادلة للجانبين.

وبالفعل، هذا ما حدث بالفعل تدريجيًّا خاصةً مع مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ومن أبرز الدول التي كان لها تحركٌ إيجابيٌّ واسعٌ نحو تدعيم علاقتها بدول منطقة البلقان “قطر”؛ حيث سعت للتحرك على المسار السياسي والاقتصادي معًا، بعد أن استثمرت خبرات وثمار الدور الشعبي السابق لشعب قطر على المسارين الخيري والإعلامي إزاء منطقة البلقان.

وقد تزامن هذا التقارب بين دول البلقان والدول العربية، وتحديدًا الخليجية، ومن بينها قطر في سياق سياسة “إعادة التوازن” للعلاقات الدولية من قبل دول البلقان، ومن ضمنها دولة ألبانيا، والتي ارتمت في أحضان الاتحاد الأوروبي خلال فترتها الانتقالية التي ما زالت مستمرة حتى اليوم.

وربما دفعها لذلك ضعفُ التمويل أو تراجعُه من الاتحاد الأوروبي للمشروعات المتزايدة التي تحتاجها، وهو ما دفعها للبحث عن تمويلٍ من جهات أخرى سواءً كان من مؤسسات دولية أو دول مختلفة.

وهنا بدأت دول البلقان، وخاصةً ألبانيا، تدرك أهمية تصحيح خطئها “التاريخي” بتجاهل أو عدم إعطاء الأهمية اللازمة لعلاقاتها مع الدول العربية بشكل عام، والخليجية بشكل خاص، خلال العقدين الأولَينِ بعد انتهاء الحرب الباردة، فبدأت تسعى لتحسين علاقاتها بالدول العربية، وتحديدًا دول الخليج، سعيًا للحصول منها على قروض وتمويل لمشروعاتها الاقتصادية، خاصةً في مجال البنية التحتية.

وهنا نرى أنه من المناسب التطرق لنموذج “حالة” مثالية من العلاقات بين دولة عربية ودولة بلقانية، ونتطرق في هذا المثال للعلاقات القطرية الألبانية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تقاربًا تدريجيًّا، على الرغم من أنه ما زال في بدايته حتى اليوم.

قطر ـ ألبانيا

فقد خرجت ألبانيا محطَّمة من النظام الشيوعي الذي سقط في بدايات التسعينيات من القرن الماضي، ورفع أنصار التغيير شعارَ “دمِّروا كل شيء” على اعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تساعدهم في بناء بلادهم من جديد، وهو ما دفع بمئات العمال لتحطيم المصانع، ونتجت عن ذلك بطالة كبيرة بين الشعب الألباني، أسفرت عن موجات هائلة من الهجرة لدول أوروبا الغربية، وفي مقدمتها إيطاليا واليونان قُدِّرت بنحو مليون ألباني من إجمالي عدد السكان البالغ وقتها نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون نسمة.

وبذلك اكتملت الصورة في منطقة غرب البلقان: دول تبدأ في بناء نفسها من جديد، وهي الدول التي اشتُهرت بدول غرب البلقان: ألبانيا ومعها الجمهوريات التي خرجت من عباءة الاتحاد اليوغسلافي السابق، وباتت هذه الدول في أشد الحاجة للمساعدات والقروض لإعادة بناء بنيتها التحتية، وتشغيل مصانعها التي توقف الكثير منها جرَّاء الأحداث التي شهدتها المنطقة.

ومن المهمِّ الإشارة إلى أنَّ الدور الخيري العربي عبر المؤسسات الأهلية التطوعية، حاول بذل جهودٍ لتطوير هذا الدور والاتجاه نحو الاستثمار وتطوير العلاقات الاقتصادية “من خلال القطاع الخاص وليس الحكومي” بين الدول العربية وألبانيا؛ إلا أنه لم ينجح في ذلك بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي في الدولة الفقيرة، وظهور المعارضة المسلحة، هذا بجانب انتشار الجريمة المنظمة والفساد الإداري وغياب سيادة القانون والأمن بشكل عام، وهو ما كان سببًا في تراجع ثم إحجام رجال الأعمال العرب عن الدخول أو الاستمرار في ألبانيا.

وعلى الجانب الآخر نظرة الحكومة والشعب للعالم، وخاصة العالم العربي، باعتباره منبعًا للحصول على مساعدات، وليس فرصة لتوفير فرص استثمارية تقوم على المصلحة المتبادلة بين الطرفين.

لذلك كان لافتًا للنظر الفجوة الكبيرة بين التصريحات الرسمية للمسئولين في ألبانيا والواقع العملي على الأرض؛ فقد تواصلت نداءات الحكومات الألبانية المُرحِّبة بالاستثمار العربي، ولكن لم تقدم تلك الحكومات أي ضمانات حقيقية لرءوس الأموال العربية لتشجيعها على الحضور والاستثمار في البلاد بشكل آمن.

وقد شهدت فترة التسعينيات حالة من التخبط الشديد لدى الحكومات الألبانية المتعاقبة اتَّسمت بالتراجع عن التزاماتٍ سابقة عند تغيير كل حكومة، وأضحت السياسات التي اتَّبعتها تلك الحكومات الألبانية المتعاقبة بما يمكن أن نصفه بـ”سياسة حزبية” وليس بـ”سياسة وطنية” وقد أضرت بالبلاد أكثر مما أفادتها، وهو ما مثَّل حالة “غير عادية” من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والمجتمعي في البلاد.

وكغيرها من الشعوب العربية، بدأ تواصل الشعب القطري مع شعوب البلقان وخاصة المسلمة منها، وعلى الرغم من الحضور المتأخر عن غيرها من مؤسسات العمل الأهلي الخيري العربي الخليجي، إلا أن الدور الذي لعبته “جمعية قطر الخيرية” بدءًا من منتصف التسعينيات في كلٍّ من دولتي البوسنة وألبانيا، كان متميزًا، وكان المنهج العلمي في تنفيذ وإدارة مشروعاتها الخيرية واضحًا، وكنَّا لأول مرة نرى دورات تدريبية لمسئولي مكاتبها الخارجية بدول العالم كلَّ عام في الدوحة، وهو ما لم نشاهدْه مع مؤسسات خيرية أخرى إلا نادرًا.

كما برز هذا الدور بقوةٍ مجدَّدًا خلال حرب كوسوفا 1998/1999، وكانت للشعب القطري بصماتٌ أكثرُ وضوحًا في تقديم المساعدات سواءً للاجئين الكوسوفيين في ألبانيا أو للشعب الألباني نفسه، ويُعد هذا الدور دورَ جمعية قطر نفسها، ولكن من خلالها ومن خلال التنسيق معها نظرًا لحجم المأساة التي فاقت كافة التوقعات، وأدت لهجرة أكثر من مليون ألباني من كوسوفا لدول الجوار، وتحديدًا إلى كل من ألبانيا ومقدونيا في فترة قصيرة وقياسية أسفرت عن مأساة إنسانية كبيرة.

ثم تطور الدور الشعبي لقطر من خلال الآلة الإعلامية التي بدأت في الاهتمام بمنطقة البلقان في سياق اهتمامها العالمي بمختلف المناطق الإقليمية التي لها علاقات مع المنطقة العربية، وتطور – باستمرارٍ – هذا الدور وتصاعد إلى أن تم عقد ندوات متخصصة عن البلقان بمركز الجزيرة للدراسات في عام 2011، والإعلان عن مشاريع إعلامية لمنطقة البلقان تمثَّلت في “الجزيرة بَلقان” باللغة البوسنية، ثم الجزيرة التركية، وتزامن هذا مع تحرك سياسي على أعلى مستوًى من قبل رؤساء حكومات كل من قطر وألبانيا في نفس الوقت.

فقد شهد مطلع العقد الثاني من القرن الحالي تطوراتٍ إيجابية على مستوى العلاقات الثنائية بين قطر وألبانيا على المستويين السياسي والدبلوماسي، وتحديدًا خلال عامي 2011 و2012؛ حيث قام أمير قطر الشيخ “حمد بن خليفة آل ثاني” بزيارةٍ لألبانيا عام 2011، تلتها زيارة الرئيس الألباني “صالح بريشا” للدوحة عامي 2011 و2012، بالإضافة إلى زيارة عمدة تيرانا “لولزبم باشا” لدولة قطر عام 2012.

وكان من ثمار هذه الزيارات المتبادلة توثيق العلاقات الثنائية على المستوى الدبلوماسي؛ حيث قدم سفير ألبانيا لدى دولة قطر أوراق اعتماده عام 2011، كما قدم سفير قطر لدى جمهورية ألبانيا أوراق اعتماده عام 2012.

كما تم توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم تَصدَّرتها اتفاقيةٌ في مجال الطاقة تمهيدًا لشراكةٍ قطريةٍ ألبانية في مجال الغاز الطبيعي، مع اتفاقياتٍ أخرى في مجالات الإعلام والثقافة والسياحة.

وكان واضحًا أن الحافز الاقتصادي هو الذي دفع الطرفين لمدِّ جسور التواصل بينهما؛ فدولة ألبانيا تنظر للمنطقة العربية على أنها بوابةٌ للحصول على المساعدات والقروض، بينما الدول العربية الخليجية ومن بينها قطر تسعى للبحث عن أسواق جديدة واعدة لاستثمار أموالها، ويعكس ذلك أن المحور الرئيس في أي لقاءات ثنائية بين المسئولين في الجانبين كان الاقتصاد، خاصةً في مجال الطاقة.

وكان واضحًا أن دولة قطر قد اعتمدت على الخبرات السابقة من خلال الأدوار الشعبية – وغيرها بطبيعة الحال – في دراسة المنطقة والتعرف عليها، وبحث المشروعات التي يمكن الدخول فيها، وعقد شراكات مع آخرين بشأنها.

ولم تنشأ هذه العلاقات القطرية الألبانية “الجديدة” بشكل عشوائي أو بمجرد “الصدفة أو البركة”، وإنما كان الهدف منها محددًا وواضحًا منذ بدايتها، والمتمثل في تحقيق مصالح استراتيجية متبادلة يستفيد كل طرف منها بشكل عادل.(7)

وبشكل عام، من الملاحظ أن الدول العربية الجديدة “الخليجية”، والتي اهتمت بتوثيق علاقاتها مع دول البلقان لأول مرة في تاريخها؛ كان توجهها السياسي واضحًا منذ البداية، كما كانت مواقفها أكثر إيجابية تجاه الدول الجديدة خاصةً ذات الأغلبية أو الكثافة المسلمة (كوسوفا ـ البوسنة)، بالإضافة إلى ألبانيا، وكانت السياسة الحكومية تتناغم مع توجهات وجهود شعوبها لدعم تلك الدول البلقانية.

وإذا ما قارنَّا مواقفها مع الدول العربية التقليدية الأخرى، مثل ليبيا وسوريا ومصر، والتي كان لها تواصلٌ سابق وعلاقات قديمة تاريخية مع دول المنطقة؛ من خلال يوغسلافيا أو صريبا “الوريثة الشرعية”، بحسب زعمها؛ فقد كانت مواقفها تتسم بالغموض والسلبية مع الدول الجديدة، وخاصة الإسلامية منها، وبرز ذلك جليًّا في قضية الاعتراف باستقلال كوسوفا.

3 ـ مستقبل العلاقات العربية البلقانية

نرى أن مستقبل هذه العلاقات يبدأ من معالجة أسباب ضعفها أو عدم تطويرها، فمعالجة الأسباب تُمثِّل الخطوة الأولى نحو الانطلاق إزاء علاقات عربية بلقانية متوازنة، تحقق طموحات شعوب المنطقتين، وتدعم حكوماتها على الصعيد الدولي.

ونعتقد أن المفتاح السحري لنجاح أي علاقات مستقبلية بين دول المنطقتين العربية والبلقانية يتمثل في أهمية فهم كل دولة لطبيعة المنطقة الأخرى بشكل عام، ثم لخصوصية كل دولة فيها بشكل خاص، فكثيرًا ما كانت سياسة التعميم، سواءً في التفكير أو القرار سببًا في فشل التواصل، أو عدم الرغبة فيه منذ بدايته.

كما أنه في ظل “العولمة” لم يصبح بمقدور أي نظام أن يتجاهل أهمية العلاقات الخارجية على الصعيد العالمي، وخاصةً مع الدول الأقرب التي تتواجد على أطراف المحيط الإقليمي الذي تقع فيه دولته.

كما أنه تاريخيًّا كان أحدُ أخطاء الدول العربية عدمَ قيامها بتدعيم الدور المدني الذي قامت به شعوبُها عبر المؤسسات الأهلية الخيرية في دعم شعوب منطقة البلقان؛ وكانت الفرصة موالية لتطوير هذا الدور وتفعيل التواصل بين شعوب المنطقتين العربية والبلقانية في كافة المجالات، على عكس ما نراه من الغرب الذي تجد فيه المؤسسات الأهلية دعمًا مقبولًا من حكوماتها، وهو ما انعكس على تقارب شعوب البلقان مع الشعوب الأوروبية الغربية.

كما أن من العجيب الغيابَ التامَّ لدور المثقفين في كِلا الجانبين إلا من خلال جهود ذاتية نادرة، تمثلت في كتابات مَنْ مرُّوا على المنطقة من الكتاب العرب، أو الجهود الإعلامية التي قام بها ألبان مقيمون في الدول العربية.(8)

أو تلك المحاولة التي لم تتواصل لتفعيل دور المثقفين العرب والألبان في مساعدة كوسوفا على الترويج لاستقلالها بين الشعوب العربية، في مسعًى للعبِ دورٍ سياسيٍّ من قِبلِ المثقفين يساهم في تقاربٍ حكومات المنطقة العربية من الدولة الوليدة حديثًا في البلقان.(9)

وأيضًا من اللافت للنظر الغيابُ التامُّ لأي مراكز أبحاث أو دراسات عربية متخصصة في شئون البلقان، تكون بمثابة دعم لصناع القرار العرب في رسم سياستهم الاستراتيجية ومواقفهم السياسية إزاء مختلف القضايا المتعلقة بدول البلقان.

وبناءً على ما سبق، فإن مستقبل العلاقات العربية البلقانية مرهون بـ”قرار سياسي”، تتخذه السلطة الحاكمة في الدولة التي ترغب في التقدم في علاقاتها مع نظيراتها في المنطقة الأخرى، وهو الأمر الذي نعتقد أنه تم بالفعل في دولة قطر، وتُدلل على ذلك الأيام والاتفاقيات العديدة والمتواصلة التي تتم بين الحكومة القطرية ودول البلقان المختلفة، ولذلك تعد قطر نموذجًا رائدًا للدول العربية الأخرى في مسألة تطوير علاقاتها بدول البلقان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* هاني صلاح ـ باحث في شئون البلقان.

**ورقة قدمت لمؤتمر “العلاقات العربية-البلقانية” ـ 2014م.

هوامش:

1 ـ الحروب الثلاث: (صربيا- سلوفينيا، صربيا- كرواتيا، صربيا- البوسنة)، بينما النزاعان المسلحان: صربيا (الصرب- ألبان كوسوفا)، مقدونيا: (المقدون- ألبان مقدونيا).

2 ـ معاهدة جنوب شرق أوروبا كولونيا، 10 يونيو 1999.
http://www.stabilitypact.org/

3 ـ الاتفاقيات الثلاث: اتفاقية دايتون للسلام (حرب البوسنة 1992/1995)، اتفاقية اهتساري (النزاع المسلح في كوسوفا 1998/1999)، اتفاقية أوهريد (النزاع المسلح في مقدونيا 2000/2001).

4 ـ جريدة “بوطا صوت” الألبانية اليومية، في 28/8/2014.
http://botasot.info/bota/322882/gjermani-e-ardhmja-e-ballkanit-eshte-ne-be/

5 ـ الصفحة الخاصة بدولة بلغاريا على موقع الاتحاد الأوروبي.

http://europa.eu/about-eu/countries/member-countries/bulgaria/index_en.htm

6 ـ جريدة “شيب” الألبانية اليومية ـ 28/10/2012 ـ
Ministrat e BE-së: Lëvizja e lirë e ballkanasvetëpezullohet, azilantëtnërritje

http://goo.gl/nl4SgJ

7 ـ وزارة الخارجية القطرية ـ جمهورية ألبانيا.

http://www.mofa.gov.qa/ar/ForeignPolicy/BilateralRelations/Pages/AL.aspx

8 ـ أحد الكتاب الإعلاميين (د. مجدي علي سعيد) كان قد زار ألبانيا لمدة شهر في بداية عام 1993، وسجل مشاهداته وانطباعاته في كتيب أصدره بعنوان: “ألبانيا.. بين الآمال والمخاطر”. طبعة مركز الإعلام العربي، ضمن سلسلة هموم المسلمين في العالم، (ج3)، وصدرت الطبعة الأولى في عام 1994م.

9 ـ مثَّل الدور الإعلامي الرائد الذي قام به (أ.د. بكر إسماعيل)، المقيم في القاهرة، في التعريف بقضية كوسوفا من خلال مؤسسته الإعلامية “ألبا برس”، ثم تطور هذا الدور لدورٍ سياسيٍّ نجح خلاله في عقد اتفاقيات رسمية بين وزارة الثقافية المصرية والكوسوفية، مع اتفاقيات أخرى في مجال التعاون الثقافي والتعليمي، وسجلها جميعًا في كتاب خاص بعنوان “العلاقات الدولية.. آفاق التعاون بين مصر وكوسوفا.. الاتفاقيات المبرمة”، وصدرت الطبعة الأولى في عام 2006م، عن نفس المؤسسة بالقاهرة.