مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

مساجد كوسوفا.. تفيض بالمصلين

أفواج غالبيتها من الشباب تتدفق كأمواج البحر

بريشتينا – هاني صلاح

مع أن أذان صلاة الجمعة لم يكن قد رُفع بعد.. فإن مساجد العاصمة الكوسوفية بريشتينا الـ22 امتلأت بالمصلين.

أفواج غالبيتها من الشباب تتدفق كأمواج البحر.. حركة دءوبة ونشطة من عمال مسجد السلطان محمد الفاتح (أكبر مساجد العاصمة) يساعدهم بعض الشباب لفرش المساحة الخضراء حول المسجد.

دوى الأذان في سماء بريشتينا، وصعد الإمام المنبر، ولم يبق في الشارع الجانبي الذي امتلأ بالمصلين مكان لآخرين.

قريبا من المسجد، وفي مساحة لا تزيد عن كيلومتر مربع، رفع الأذان أيضا في مساجد الحي القديم الأربعة، فيما يتنقل عشرات المصلين من مسجد لآخر، أملا في موضع قدم بحدائق هذه المساجد أو شوارعها الجانبية.

آخرون، ممن تأخروا لظروف أعمالهم، التفوا حول الحدائق، لعلهم يفوزون بمكان بين المصلين فور انتهاء الخطبة.

الجمعة مرتان

للوهلة الأولى.. يظن البعض أن هذه الظاهرة خاصة بالعاصمة وحدها؛ والتي ارتفع عدد سكانها لنصف مليون نسمة (25% من تعداد كوسوفا)، لكن زيارة مدن أخرى تكشف أن الظاهرة في بريشتينا هي الأقل.

وبعد إعلان استقلالها عن صربيا يوم 17 فبراير الماضي، واعتراف معظم الدول الأوروبية بها، صارت كوسوفا ثاني دولة إسلامية في أوروبا بعد ألبانيا، لكنها الأعلى في نسبة المسلمين؛ إذ يدين 90% من سكانها بالإسلام.

وفي مدينة بواديفيا شرق العاصمة يدفعك مشهد أفواج المصلين وهم يستعدون لأداء صلاة الظهر في المسجد الكبير للتساؤل إذا كان هذا هو عدد المسلمين في صلاة الظهر.. فكيف بصلاة الجمعة؟!

وردا على هذا السؤال يجيب مبتسما محمد هوجا سكرتير المشيخة الإسلامية لـ”إسلام أون لاين.نت”: “نصلى الجمعة مرتين.. الأولى لعامة الناس، والثانية لطلبة المدارس؛ لأن أعداد المصلين تفوق مساحة المساجد ومحيطها”.

ولا يختلف الوضع أيضا في محافظة ميتروفيتسا شمال غرب بريشتينا، والتي يزيد عدد سكانها عن 120 ألف نسمة.

ويوضح رجب لوشتا رئيس الوقف الإسلامي بالمحافظة لـ”إسلام أون لاين.نت” أنه “تمتلئ 5 من أصل 14 مسجدا في المحافظة بالمصلين خلال الصلوات الخمس، أما في صلاة الجمعة فتفيض جميع الساحات المحيطة بالمساجد بالمصلين، حيث يتجاوز عددهم عدد من يصلون بالداخل”.

الأزهر.. الصحوة

هذه الظاهرة يفسرها صبري بايجوري رئيس الأئمة في المشيخة الإسلامية بـ”صحوة دينية تعود لمطلع ثمانينيات القرن الماضي حين بدأ طلاب كوسوفيون العودة بعد إتمام دراستهم الشرعية في الجامعات الإسلامية بالدول العربية، خاصة الأزهر وجامعات السعودية، والقيام بالدعوة وسط الشباب”.

ويضيف أن “المساجد صارت عاجزة عن استيعاب المصلين.. نحن بحاجة على الأقل لعشرة مساجد أخرى بالعاصمة وحدها، كما أنه لا بديل عن بناء مركز إسلامي ضخم”، مناشدا العالم العربي والإسلامي المساعدة في بنائها، وخاصة أن كوسوفا هي أفقر دولة أوروبية.

بجانب دور الجامعات الإسلامية بالدول العربية، يرى بايجور أن المؤسسات الإسلامية في كوسوفا، التي وصفها بـ”منارة الإسلام بكوسوفا والمناطق الألبانية”، “لعبت دورا محوريا في هذه الصحوة”.

ويخص بالذكر مدرسة علاء الدين الثانوية في بريشتينا، التابعة للمشيخة الإسلامية؛ “نظرا لتخرج غالبية أئمة ودعاة كوسوفا منها على مدار قرابة النصف قرن”.

ويؤكد هذا رجب بويا عميد كلية الدراسات الإسلامية في بريشتينا؛ حيث إنه “حتى انتهاء الحكم الشيوعي عام 1990 كان عدد طلاب مدرسة علاء الدين 150 فقط.. أما الآن فبها 700 طالب بعد فتح أربعة فروع خارج العاصمة، اثنين للطلاب، واثنين للطالبات”.

ويلفت في هذا الإطار إلى تأسيس كلية الدراسات الإسلامية عام 1992؛ لإتاحة فرصة إكمال الدراسة لخريجي المدرسة ممن لا يستطيعون مواصلة دراستهم بالخارج، مشيرا إلى التحاق نحو 700 طالب بها.

أما نجم مقصودي رئيس الوقف في مدينة اسكندراي شمال غرب بريشتنينا (مفتي المدينة)، فيرى أن “الشعب الكوسوفي أدرك أن حملات التطهير العرقي الصربية لم تكن موجهة من شعب لآخر بقدر ما كانت حربا على الإسلام، وهو ما أدى لتمسكهم بدينهم

ملمح آخر

فيض المساجد بالمصلين ليس الملمح الوحيد للصحوة الدينية، فعلاقة الحب والحميمية بين المصلين والأئمة ملمح لا تخطئه عين.

ويرجع هوجا سكرتير المشيخة الإسلامية هذا الأمر إلى دور الأئمة الوطني خلال اجتياح القوات الصربية لكوسوفا عام 1999.

ويمضى موضحا أن “الأئمة كانوا يدافعون عن الأهالي بثبات، ويدعونهم للدفاع عن منازلهم وعدم مغادرتها، وهو ما أوجد علاقة خاصة بين الأهالي والأئمة الذين يحظون بمكانة خاصة جدا”.

وفي اسكندراي، والتي كانت المنطقة الأولى التي اندلعت بها الحرب، يحكي لـ”إسلام أون لاين.نت” يتولاه زاني (إمام مسجد قرية بولاتس) كيف أن الصرب كانوا “يبدؤون انتهاكاتهم بالمسجد؛ حيث يعتقلون الإمام ويعذبونه قبل قتله”.

وعن نفسه يقول: “إن الجنود الصرب وضعوا الصليب أمامي وطلبوا مني السجود له.. وحين رفضت اعتقلوني وعذبوني”.

ويتفق الجميع على عامل آخر ساعد على إيجاد هذه الصحوة الدينية، وهو حركة الطباعة والترجمة التي نشطت بشكل كبير بعد انتهاء حرب 1999، وانتشار المواقع الإسلامية الإلكترونية الزاخرة بالمعارف الإسلامية، فضلا عن الإذاعات المحلية التي تبث برامجها باللغة الألبانية داخل كوسوفا وخارجه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إسلام أون لاين ـ 2008م.