مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

من هم مسلمو بولندا؟

أقليَّةٌ مهاجرة مثقفةٌ نجحت في اندماجها وتعايشها السلمي معَ المجتمع

مسلمو بولندا.. والذين عاشوا في تلك البلاد لأكثر من 600 عامٍ وحتى اليوم، يمثلون حالة فريدة من نوعها، إذا ما قارنَّاها بالأقليات المسلمة في الدول الأوروبية الأخرى.
بهذه الكلمات، أكدَ د. بوجوساف زاجورسكي (مسلم بولندي)؛ رئيس معهد ابن خلدون، على أهمية تجربة مسلمي بولندا بالنسبة للمجتمعات الغربية.

ولفت د. زاجورسكي – في تصريحات خاصة لـ “شبكة إسلام أون لاين. نت” – إلى أن أهمية هذه التجربة الناجحة لأقلية مسلمة مهاجرة وليست محلية، تكمن “في نجاحها بالتعايش السلمي داخل مجتمع غربي مخالفٍ في الثقافة والعقيدة ولفترات طويل”.

وأَرجعَ هذا النجاح إلى موقف الطرفين، موضحًا أن: “السلطة الحاكمة سمحت لهم بحرية العقيدة والعبادة، وبناء المساجد والمدارس الدينية، ومن جهتهم فقد ضربوا أروع الأمثلة في التضحية والفداء من أجل الدفاع عن البلاد في فترات الغزو الخارجي”.

أقليَّةٌ مهاجرة.. متنوعة ومثقفةٌ

أقلية مسلمة تنتمي إلى الطبقة المثقفة، ومن أصول متنوعة (تترية، عربية، تركية، إيرانية، ألبانية، بوسنية، شيشانية، صومالية)، إضافةً لأصولٍ بولندية بعد اعتناقها الإسلام.

الخريطة الزمنية لمراحل توافدهم وحضورهم لبولندا كانت هي العامل الأساس الذي شكل خريطتهم العرقية الواسعة، “والتي تعكس عالمية الإسلام.. وأنه دين ليس حكرًا فقط على العرب، بل دين جاء للإنسانية جمعاء”. كما يقول الدكتور سمير إسماعيل؛ رئيس مجلس أمناء الرابطة الإسلامية في جمهورية بولندا.

ويُصنِّف د. إسماعيل – الذي يترأس أيضًا مؤسسة “الجمعية الإسلامية للتأهيل والثقافة” – خلال حواره عبر الهاتف مع “شبكة إسلام أون لاين. نت”، مسلمي بولندا بأنهم:
“ينتمون إلى الطبقة المثقفة، فجُلُّهم من خريجي الجامعات البولندية، وغالبيتهم مهنيون يعملون في مجالات مختلفة؛ كأطباء ومهندسين وأساتذة جامعات، بالإضافة إلى تجارٍ ورجال أعمال يتسمون بدرجة عالية من الثقافة”.

وحول عدد مسلمي بولندا، أوضح د. إسماعيل أنه: “يمكن القول بأن الأقلية المسلمة بجميع أطيافها العرقية والاجتماعية يتراوح عددها ما بين 30- 35 ألفًا”، يتواجد نحو 30% منهم في “وارسو” العاصمة وحدها.

ومع توافد الطلاب المسلمين، وغالبيتهم كانوا من العرب، للدراسة في بولندا خلال العقدين السابع والثامن من القرن الماضي، بدأت تدبُّ الدعوة من جديد وسط الأقلية التترية المسلمة، والتي تعرضت لعقود من التذويب خلال الحقبة الشيوعية.

يصف هذه الفترة د. سمير بأنها: “مثَّلت لنا سعادة أن وجدنا إخوة لنا مسلمين في هذه البلاد شكلوا لنا سندًا في الغربة، كما كنَّا بالنسبة لهم كالمنقذ بعد ما تعرضوا له خلال الشيوعية، وقمنا بدورنا في تعليم أبنائهم الإسلام وتربيتهم عليه”.

بَدْءُ الدعوة

وحول هذه المرحلة الجديدة، أوضح “يوسف شديد”؛ رئيس جمعية الطلبة المسلمين في بولندا – خلال اتصال هاتفي معه – أنه: “في بداية الثمانينيَّات بذلت مجموعة من الطلاب الوافدين جهودًا دعوية بشكل فردي بالمدن التي يوجدون فيها”.

ثم مثَّل التحول التاريخي الذي حدث في بولندا في عام 1989م، انطلاقةً للعمل الإسلامي المؤسسي الرسمي؛ حيث “قامت مجموعة من الشباب بتأسيس جمعية الطلبة المسلمين في بولندا في 1989م، بهدف تجميع وتنظيم تلك الجهود الفردية”، وفقًا لشديد.

ومع تزايد أعداد مسلمي بولندا وانتشارهم في العديد من المدن، تأسست في منتصف التسعينيات “الجمعية الإسلامية للتأهيل والثقافة” في بولندا، بهدف “تأسيس مراكز إسلامية بالمدن الكبرى في بولندا، والتي توجد فيها الأقلية المسلمة، بالإضافة إلى إعداد الكادر الديني والدعوي من أبناء المسلمين المحليين لقيادة العمل الدعوي في المرحلة التالية”، وفقًا لتصريح “عبد الجبار الكبيسي”؛ المسئول المالي والأوقاف للجمعية، لـ”إسلام أون لاين. نت.”

وبشأن الاعتراف بالإسلام من قبل الدولة، قال د. إسماعيل أنه: “وفقًا لاتفاقيةٍ سابقةٍ عُقدت بين الدولة والاتحاد الديني للمسلمين التتار عام 1925، فإنه يمكن اعتبار أن الإسلام معترف به في بولندا مثل النمسا”، لافتًا إلى أن هذه الاتفاقية تجري حاليًّا مفاوضات بشأن تحديثها وتطويرها بين الاتحاد والبرلمان.

وحول من يتحدث باسم مسلمي بولندا، أكد أن هناك عددًا من المؤسسات الدينية، بعضها سُنِّيٌّ وبعضها شيعي، موضحًا أن: “الحكومة البولندية وبعد انضمامها للاتحاد الأوروبي ترفض أسلوب الهيمنة والشمولية من قِبل مؤسسة دينية واحدة على كافة المؤسسات الدينية الأخرى من نفس الديانة”. مشيرًا إلى أن القانون الجديد البولندي يعطي الحق لنحو 100 من حاملي الجنسية البولندية من أي مذهب دينيٍّ في تأسيس اتحاد ديني لأتباعه.

ولفت د. إسماعيل إلى أنه: “وفقًا للقانون البولندي، فإن المؤسسات تنقسم إلى نوعين”.
موضحًا أن النوع الأول: يمثل مؤسساتٍ ثقافيةً وتُسجَّل لدى المحاكم البولندية، بينما النوع الثاني يعد اتحاداتٍ دينيةً يتم تسجيلها لدى إدارة “الأديان والأقليات العرقية” بوزارة الداخلية البولندية.

وأوضح أنه: “في البداية كان هناك اتحاد ديني واحد يمثل المسلمين السنة في بولندا، وهو “الاتحاد الديني الإسلامي”، الذي يجمع كافة التتار المسلمين في بولندا، ويعد المؤسسة الأقدم في بولندا؛ حيث تأسَّس وفق اتفاقيةٍ مع مملكة بولندا عام 1925م”.

وأضاف: “ومع تزايد أعداد الجالية المسلمة وتنوعها الواسع في أصولها العرقية، اضطررنا لإنشاء اتحاد ديني ثانٍ ليحتضن كافة مسلمي بولندا من كافة الأعراق”، مشيرًا إلى أنهم أطلقوا عليه اسم “الرابطة الإسلامية في بولندا”.

وعلَّل إقدامهم على هذه الخطوة بتأسيسهم لاتحادٍ دينيٍّ ثانٍ للمسلمين السنة في بولندا، على الرغم من وجود هذا الاتحاد التتري المسلم، ووجود تعاون وثيق معه، أنه: “كان مقتصرًا فقط على التتار المسلمين في بولندا؛ حيث لم يكن قانونه الداخلي في هذا الوقت يسمح لغيرهم بالانضمام إليه”، مؤكدًا أن الرابطة أضحت المؤسسةَ الدينيةَ الأكبرَ التي تحتضن غالبية المسلمين؛ حيث “أصبح لها تواجدٌ في 11 محافظةً من الـ 16 محافظةً التي تتشكل منها بولندا”.

تنسيق.. وتخصص

ازدياد عدد المؤسسات وتوسعها على المساحة الجغرافية لبولندا، دفع ببعض المؤسسات إلى نوع من التنسيق فيما بينها، ومع البدء في التخصص، وفقًا لـ”شديد”، والذي يوضح أن “جمعية الطلبة المسلمين في بولندا” قررت مؤخرًا وبالتنسيق مع الجمعية الإسلامية للتأهيل والثقافة والرابطة الإسلامية في بولندا تركيزَ أنشطتِها الدعويةِ مع فئة الشباب والطلاب”.

من جهتها، ونظرًا لوجود اتحادين للمسلمين السنة مع اتحادين آخرين للشيعة، فقد أطلقت الرابطة المسلمة في بولندا قبلَ ثلاثِ سنواتٍ مبادرةً لتكوين مجلسٍ إسلاميٍّ أعلى بهدف “توحيد كافة الاتحادات الإسلامية تحت مظلته، ويتحدث بِاسْمِنا أمام الدولة”.
ولفت إلى أنه بالرغم من ترحيب كافة الأطراف به في بداية الأمر، فإنه “ما زالت هناك بعض الخلافات حوله من بعض الأطراف”، وفقًا للدكتور إسماعيل.

وأشار إلى أنه يوجد في بولندا ثلاثةُ مساجد مبنية بالمنارة والقبة، اثنان منها أثرية بُنِيا خلال القرنين الماضيين، بينما الثالث بُني في أواسط الثمانينيات، وتم افتتاحه بشكل رسميٍّ عام 1990 بمدينة “غدانسك” شمال بولندا، كما يوجد مصلًّى صغيرٌ في ضواحي العاصمة “وراسو” بعيدًا عن مركز المدينة، وهو ما دفع كلًّا من الجمعية الإسلامية للتأهيل والثقافة، والرابطة الإسلامية في بولندا، للبدء قبل خمس سنوات في مشروع بناء مسجد ومركز إسلامي جديد بالقرب من مركز العاصمة، وتم إنجاز نحو 45% من المشروع حتى الآن”.

أربع مراحل

وحول بداية العلاقات الإسلامية العربية البولندية، أكَّد د. إسماعيل أنها: “تعود للقرن الثاني عشر الميلادي، وفقَ ما ورد في بعض المؤلفات التاريخية، إضافةً لبعض الآثار من العملات الإسلامية وغيرها”، مشيرًا إلى أنها كانت عَبْرَ بعض التجار العرب.

إلا أنه أوضح أن وجود المسلمين على الأراضي البولندية يمتد لنحو 6 قرونٍ، ومرَّ بأربع مراحل زمنية، مشيرًا إلى أن: “المسلمين التتار هم أول مجموعة وفدت إلى بولندا في القرن الثالث عشر، واستمر توافدهم حتى القرن الثامن عشر الميلادي، وقد سكنوا مناطق في كل من: بولندا وليتوانيا، التي كانت آنذاك ضمن المملكة البولندية.
وحاليًّا يقدر عددهم بنحو ثلاثةِ آلافٍ، ويسكنون مناطق: بياوستوك، وارسو، جدانسك، البلونج في شمال شرق بولندا.

ثم في مرحلة ثانية بدأت “تتوافد موجات من المهاجرين المسلمين متعددة الأصول والأعراق للعمل أو التجارة، ابتداءً من القرن 18 وحتى أوائل القرن 20، وقد تمركزت بشكل رئيس في “وارسو” العاصمة”.

وأوضح أن أصول تلك المجموعات تركزت بشكل أساس من القوقاز وأذربيجان، وانضم إليهم لاحقًا بعض العائلات المسلمة المهاجرة من تركيا وإيران وبعض العائلات العربية، ويقدر عدد تلك المجموعات المسلمة حاليًّا بنحو 10 آلاف.

بينما المرحلة الثالثة من الحضور لبولندا بدأت في النصف الثاني من القرن الماضي ولأسباب مختلفة: كالدراسة في الجامعات البولندية، أو للتجارة وإقامة المشاريع الاقتصادية، بالإضافة إلى الأفواج السياحية، والهيئات الدبلوماسية بموظفيها وعائلاتهم، وكانت خليطًا من أجناس عربية وغيرها.

يضاف إلى هؤلاء “هجرات اللاجئين من المناطق المنكوبة، من دول البلقان والشيشان والصومال وأفغانستان، وغيرها من الدول التي تعيش حالة من عدم الاستقرار السياسي والأمني”.
ولفت د. إسماعيل إلى أن: “إقامة هؤلاء اللاجئين تعد مؤقتة، نظرًا لأن غالبيتهم لم تحسم قانونيًّا بعد”. مشيرًا إلى أن: “عددهم يصل لنحو 10 آلاف نسمة، ويقيمون بضواحي المدن الكبرى”.

بينما المرحلة الرابعة تكونت خلالها مجموعة جديدة من أهل البلاد أنفسهم تتمثل في دخول أعداد منهم في الإسلام، خلال القرن العشرين والحادي والعشرين، وتتراوح أعدادهم ما بين 3-5 آلاف نسمة، وأضاف مؤكدًا أنه: “نستطيع القول أن القرن العاشر الميلادي كان بداية للقاءٍ تعارفيٍّ، والقرن الثالث عشر كان بداية توافد المسلمين إلى بولندا والإقامة فيها”.

وتاريخيًّا كانت علاقة الدولة العثمانية بالمملكة البولندية في مراحل مختلفة جيدة؛ حيث كانت ترى الأخيرة أن مصدر الخطر الرئيس يأتي من الشرق من قِبَلِ الدب الروسي الطامع في التوسُّع داخل الأراضي البولندية، أو من قبل الحملات الصليبية التي زحفت عليها من الغرب.

ويبلغ عدد سكان بولندا نحو 40 مليونًا، يشكل البولنديون الغالبيةَ الساحقةَ منهم نحو 97%، ويدين نحو 90% بالكاثوليكية، على خلاف الشعوب الأخرى في شرق أوروبا، والتي تدين بالمذهب الأرثوذكسي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إسلام أون لاين ـ 2010 ـ هاني صلاح