مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

أرمينيا.. عندما كانت يريفان مدينة إسلامية

بقلم الباحث في شؤون مسلمي أوروبا وآسيا الدكتور أمين القاسم

مسلمون حول العالم ـ متابعات

يقدّم الباحث في شؤون مسلمي أوروبا وآسيا الدكتور أمين القاسم قراءة تاريخية موثّقة في إحدى الصفحات المنسية من تاريخ القوقاز، مسلطًا الضوء على مدينة يريفان حين كانت مركزًا إسلاميًا فاعلًا لقرون طويلة. تأتي هذه الدراسة في سياق مشروع بحثي أوسع ينقّب في المصادر والمكتبات الرقمية لإعادة بناء ذاكرة الشعوب المسلمة في أوروبا وآسيا، وتقديمها برؤية علمية تُبرز التحولات السياسية والديموغرافية التي أعادت تشكيل واقع المنطقة حتى يومنا هذا.

الجذور الأولى للحضور الإسلامي

دخل المسلمون الأراضي التي تشكّل اليوم دولة أرمينيا في القرن السابع الميلادي، ضمن موجات الفتوحات الإسلامية التي امتدت إلى أطراف القوقاز. ومع تعاقب العصور، شهدت المنطقة حضورًا إسلاميًا مستمرًا، تعزّز لاحقًا مع التحولات الكبرى في ميزان القوى الإقليمي.

من السلاجقة إلى المغول

بعد بسط النفوذ البيزنطي على أجزاء من المنطقة، دخلت أرمينيا مرحلة جديدة مع السلاجقة عقب معركة ملاذكرد عام 1071م، ثم خضعت لاحقًا للحكم المغولي. وخلال هذه الفترات، ظل الوجود الإسلامي عنصرًا أساسيًا في البنية السكانية والإدارية.

الأغلبية السكانية المسلمة حتى القرن الرابع عشر

حتى منتصف القرن الرابع عشر الميلادي، شكّل المسلمون أغلبية سكان الولاية التي تضم أراضي أرمينيا الحالية، في دلالة واضحة على عمق الامتداد الإسلامي في المنطقة قبل التحولات اللاحقة.

ولاية إيروان وصراع الصفويين والعثمانيين

في عام 1502م خضعت يريفان ومحيطها للحكم الصفوي تحت مسمى ولاية إيروان، ثم تناوبت السيطرة عليها بين الصفويين والعثمانيين خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر. وعرفت المدينة في العهد الصفوي نشاطًا إداريًا واقتصاديًا ملحوظًا، شمل إنشاء دار لسكّ العملات ومدّ الجسور وبناء المدن.

خانية يريفان: الكيان السياسي الإسلامي

في القرن الثامن عشر الميلادي تأسست خانية يريفان في عهد السلالة الأفشارية، وامتدت على مناطق من أرمينيا وأذربيجان وأقصى شرق تركيا اليوم، ثم استمرت في العهد القاجاري حتى عام 1828م. وشهدت الخانية ازدهارًا عمرانيًا وثقافيًا، تجلّى في انتشار المساجد والمدارس والحمامات والخانات والأسواق.

الواقع الديموغرافي قبيل الاحتلال الروسي

بحسب المعطيات التاريخية، كان يعيش في خانية يريفان عام 1826 نحو 90 ألف مسلم من الأتراك الأوغوز والكرد والفرس. وفي الأول من أكتوبر 1827م استولى الجيش الروسي على المدينة، لتنتهي بذلك الخانية ويبدأ فصل جديد من التحولات الجذرية.

تفكيك البنية الإسلامية وتراجع النسبة السكانية

أظهرت الإحصاءات الروسية أن مقاطعة يريفان كانت تضم عام 1869 نحو 60 مسجدًا. غير أن سياسات التوطين اللاحقة غيّرت التركيبة السكانية، لتتراجع نسبة المسلمين إلى 27% عام 1897، قبل أن تكتمل هذه العملية بعد الحرب العالمية الثانية، فتتشكل جمهورية يغلب عليها الطابع الأرمني بنسبة تقارب 98%.

المساجد بين الأمس واليوم

في مطلع القرن العشرين كان في العاصمة ثمانية مساجد، لم يبقَ منها اليوم سوى مسجد واحد هو المسجد الأزرق، المعروف أيضًا بمسجد يريفان الكبير، الذي بُني بين عامي 1764 و1768 بأمر من حسين علي خان القاجاري على أنقاض مسجد دمّره زلزال 1679م، وكان مسجد الجمعة الرئيس في المدينة.

المسلمون في أرمينيا اليوم

يقدَّر عدد المسلمين في أرمينيا المعاصرة بنحو 12 ألف نسمة من قوميات الكرد والفرس والأذريين، من أصل قرابة ثلاثة ملايين نسمة، في مشهد يعكس حجم التحول الديموغرافي الذي شهدته البلاد خلال القرنين الأخيرين.

تكشف هذه القراءة التاريخية أن يريفان لم تكن مجرد مدينة عابرة في تاريخ القوقاز، بل شكّلت لقرون مركزًا إسلاميًا حيًا، قبل أن تعصف بها التحولات السياسية والصراعات الإقليمية. وإعادة إحياء هذه الذاكرة تمثل خطوة أساسية لفهم تاريخ المنطقة بعيون أكثر توازنًا، ولإدراك عمق الحضور الإسلامي الذي شكّل جزءًا أصيلًا من نسيجها الحضاري.

ـ ملاحظة: يمكن مطالعة ألبوم الصور مع تفاصيل كل صورة على صفحة الكاتب: ( اضغط هنا ). 

OLYMPUS DIGITAL CAMERA

التخطي إلى شريط الأدوات