مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
مع بداية العام الجديد، وفي مشهد يعكس تحوّلًا نوعيًا في إدارة الشأن الديني الإسلامي، يبرز المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا بوصفه نموذجًا لمؤسسة دينية مركزية تعمل بعقلية مؤسسية مسؤولة، وتقود حركة متواصلة ومتسارعة، قائمة على المتابعة المباشرة، والتنسيق المنضبط، والتفاعل الحقيقي مع قضايا المجتمع المسلم، في مرحلة تُعد من أكثر المراحل انفتاحًا وشرعية وحيوية في تاريخ المسلمين في البلاد.
ولا تبدو هذه الحركة مجرد نشاط إداري اعتيادي، بل تعكس نهجًا متقدمًا في إدارة العمل الديني، يربط الدور المؤسسي بالتنمية، ويضع المجتمع في قلب القرار، ويؤسس لشراكة واعية مع مؤسسات الدولة، ضمن إطار يحترم طبيعة النظام العلماني للدولة الإثيوبية، ويُفعّل في الوقت نفسه الحقوق والحريات الدينية على أرض الواقع.
إدارة ميدانية نشطة وانتقال من المكتب إلى الواقع
يعتمد المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا نهجًا ميدانيًا واضحًا، يتجسد في الزيارات المتواصلة للأقاليم، والاجتماعات المباشرة، والنزول إلى مواقع المشروعات التعليمية والوقفية والخدمية، دون الاكتفاء بالتقارير المكتبية. ويؤكد هذا النهج انتقال المؤسسة من إدارة تقليدية إلى فاعل مؤسسي ديناميكي، يتعامل مع الوقت بوصفه عنصرًا حاسمًا في التنمية والاستقرار.
ولا تقتصر هذه المتابعة على الرصد، بل تمتد إلى التوجيه واتخاذ القرار وحل الإشكالات في الميدان، بما يعكس إدارة عملية قادرة على الاستجابة السريعة، وتحديد الأولويات، وتحويل التحديات إلى فرص بناء.
تنسيق مؤسسي منضبط مع الدولة والسلطات المحلية
أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة هو مستوى التنسيق المؤسسي المتقدم بين المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية والجهات الحكومية، على المستويات الاتحادية والإقليمية والمحلية. ويقوم هذا التنسيق على شراكة واضحة في خدمة المجتمع، واحترام متبادل للصلاحيات، وإدراك مشترك لأهمية الاستقرار الديني والاجتماعي بوصفه ركيزة من ركائز السلم العام.
وتُظهر اللقاءات الرسمية مع رؤساء الأقاليم، والإدارات المحلية، والسلطات التنفيذية، أن المجلس بات طرفًا مؤسسيًا فاعلًا في المعادلة الوطنية، يُسهم في بلورة الحلول، ويشارك في معالجة القضايا المرتبطة بالمساجد، والأوقاف، والتعليم الديني، والخدمات المجتمعية، ضمن إطار قانوني منضبط.
المجتمع في قلب القرار والاستماع بوصفه مدخلًا للحلول
يضع المجلس المجتمع المسلم في موقع الشريك لا المتلقي، عبر لقاءات منتظمة مع العلماء، والدعاة، وشيوخ الأحياء، ومجالس المساجد، في تأكيد عملي على أن القرار الرشيد يبدأ من الاستماع، وأن الشرعية المجتمعية تُبنى بالحضور والإنصات لا بالقرارات الفوقية.
وقد أسهم هذا النهج في تعزيز الثقة بين المؤسسة والمجتمع، وتحويل المطالب إلى برامج عمل، والملاحظات إلى قرارات تنفيذية، بما أتاح تدخلًا سريعًا لمعالجة القضايا، ومنع تراكم الإشكالات، وتحقيق استجابة ملموسة لاحتياجات الناس.
نماذج تطبيقية تعكس الإدارة المتقدمة
من متابعة مشاريع المساجد والمؤسسات التعليمية ومراكز تحفيظ القرآن الكريم في الأقاليم، إلى توقيع اتفاقيات تعاون دولية لبناء قدرات الأئمة والدعاة، وصولًا إلى المتابعة الميدانية لمشروعات الجامعات الإسلامية قيد الإنشاء، تتجسد ملامح الإدارة الحديثة في صورة قيادة حاضرة، لا تنتظر التقارير، بل تصنع القرار من أرض الواقع، وتستثمر في الإنسان بوصفه محور النهضة.
خاتمة دلالية
إن ما يعيشه مسلمو إثيوبيا اليوم يتجاوز كونه مرحلة تحسّن إداري، ليُشكّل عصرًا ذهبيًا جديدًا تتقاطع فيه الحرية مع الشرعية، والمؤسسية مع التنمية، والدين مع الدولة. مرحلة غير مسبوقة في تاريخ الإسلام في إثيوبيا، يتقدم فيها المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية كرافعة تنظيمية ومجتمعية، تقود نهضة متسارعة، وتؤسس لمسار مستدام يعيد للمجتمع المسلم مكانته، ويمنحه الثقة في الحاضر والمستقبل.
إثيوبيا.. دولة متعددة القوميات والأديان
إثيوبيا دولة متعددة القوميات والأديان، تقع في القرن الإفريقي، وتُعد من أقدم الدول ذات الامتداد الحضاري في إفريقيا، وتشهد في السنوات الأخيرة تحولات سياسية ومؤسسية واسعة، شملت إصلاحات وانتخابات عززت مسار الشرعية والمشاركة العامة.
مسلمي إثيوبيا.. تاريخي عريق يعود إلى الهجرة الأولى
يشكّل المسلمون نسبة كبيرة من سكان إثيوبيا، تترواح ما بين 35 – 50% من تعداد السكان، ولهم وجود تاريخي عريق يعود إلى الهجرة الأولى، ويمثلون مكوّنًا أصيلًا في النسيج الوطني، مع تنوع مذهبي وثقافي وجغرافي واسع.
المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية
المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا كيان قانوني أُنشئ بموجب الإعلان رقم 1207 لسنة 2020، ويمثل المصالح الدينية والتنموية للمجتمع المسلم على المستوى الاتحادي، وله فروع ومكاتب تمثيلية في جميع الأقاليم والولايات الإقليمية، ويضطلع بدور محوري في تنظيم الشأن الديني، وإدارة الأوقاف، والتنسيق مع مؤسسات الدولة، وخدمة المجتمع المسلم.











