مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
تكشف التقارير الأحدث المنشورة على موقع مسلمون حول العالم عن مسار متصاعد يتقدّم فيه الحراك المؤسسي للمجتمعات المسلمة داخل أوروبا وآسيا، بعيدًا عن الصدام أو العشوائية، وقائمًا على الشراكة، والتنظيم، وبناء الثقة المتبادلة مع المحيط العام. ورغم تنوّع السياقات القانونية والثقافية، فإن القاسم المشترك بين هذه التجارب يتمثل في وعي متزايد بأهمية العمل المنظم بوصفه الطريق الأكثر استدامة للحضور والتأثير. من سويسرا والنمسا وإيطاليا غربًا، إلى تايلاند شرقًا، مرورًا بالجبل الأسود والجاليات الألبانية في أوروبا الغربية، تتقدّم نماذج تعبّر عن انتقال المجتمعات المسلمة من إدارة الشأن الداخلي إلى الانخراط المسؤول في الفضاء العام.
سويسرا.. الشراكة المؤسسية مع المدن بوصفها إطارًا للاستقرار
يعكس الاجتماع السنوي الذي جمع ممثلي المساجد مع مسؤولي وممثلي مؤسسات مدينة سانت غالن توجهًا واضحًا نحو ترسيخ الشراكة المؤسسية بين المجتمع المسلم والسلطات المحلية. اللقاء يبرز تطور قنوات التواصل من التنسيق الظرفي إلى الحوار المنتظم، بما يعزّز الثقة المتبادلة ويدعم اندماجًا قائمًا على الاحترام المتبادل. وتشير هذه التجربة إلى وعي متقدم بدور المساجد بوصفها مؤسسات مجتمعية، لا فضاءات تعبدية فحسب، قادرة على الإسهام في الاستقرار الاجتماعي وصياغة حلول مشتركة داخل المدينة.
الجبل الأسود.. العمل النسوي ينتقل إلى قلب المؤسسة الدينية
في الجبل الأسود، تعكس الندوة النسوية المتخصصة حول النشاط النسوي في الدعوة الإسلامية انتقال حضور المرأة من المبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم داخل هياكل المشيخة الإسلامية. الحدث يؤكد توجّهًا رسميًا نحو تطوير العمل النسوي بوصفه جزءًا لا يتجزأ من المنظومة الدينية. وتبرز أهمية هذه الخطوة في كونها تعزّز دور المرأة كشريك في صناعة الوعي الديني والاجتماعي، ضمن إطار منضبط يوازن بين الخصوصية الدينية ومتطلبات الواقع.
تايلاند.. الاستثمار في التعليم العالي بوصفه رهان المستقبل
يمثّل إطلاق الدورة السادسة من منح شيخ الإسلام في تايلاند، التي تشمل مئات المنح الجامعية، مؤشرًا واضحًا على انتقال المجتمع المسلم إلى مرحلة الاستثمار المنهجي في التعليم العالي. المبادرة تعكس رؤية استراتيجية تربط التكوين الأكاديمي بمتطلبات سوق العمل وبناء النخب المؤهلة. وتؤكد هذه التجربة أن تمكين الشباب علميًا بات ركيزة أساسية في تعزيز الحضور المؤسسي للمجتمع المسلم داخل الدولة.
النمسا.. التعايش بوصفه مشروعًا مجتمعيًا مشتركًا
يعكس افتتاح أسبوع الإسلام في مدينة سالزبورغ ضمن فعاليات «شهر التنوع» مقاربة متقدمة للتعايش، تقوم على الانفتاح والحوار والمشاركة في الفضاء العام. الحدث يقدّم الإسلام بوصفه جزءًا من النسيج الثقافي للمدينة، لا عنصرًا هامشيًا أو معزولًا. وتبرز هذه الفعالية كيف يمكن للعمل الديني المنظم أن يسهم في بناء سردية مشتركة تعزّز التفاهم المجتمعي.
إيطاليا.. الانتقال من التأسيس إلى ترسيخ المشروع الأكاديمي
في إيطاليا، يعكس تخريج الدفعة الأولى من معهد بيان للدراسات الإسلامية والإنسانية انتقال المشروع من مرحلة البناء إلى مرحلة الترسخ الأكاديمي. الحدث يؤكد أهمية التعليم المنظم في إنتاج معرفة دينية وإنسانية قادرة على التفاعل مع السياق الأوروبي. وتدل هذه التجربة على نضج في التفكير المؤسسي، حيث يُبنى التعليم بوصفه مشروعًا طويل الأمد لا مبادرة ظرفية.
الجاليات الألبانية.. بناء المساجد كجزء من الاستقرار المجتمعي
يعكس الحراك المتنامي للجاليات الألبانية المسلمة في غرب أوروبا في مجال بناء المساجد وتطويرها وعيًا متقدمًا بأهمية المؤسسة الدينية المستقرة. هذا الحراك، المنسق مع مشيخات غرب البلقان، يتّسم بالهدوء والتنظيم، ويهدف إلى ترسيخ حضور ديني مستدام. وتبرز هذه التجربة كيف يمكن للجاليات أن تبني مؤسساتها الدينية ضمن الإطار القانوني للدول المضيفة، بما يعزّز الاستقرار ويحدّ من الهشاشة المؤسسية.
قراءة ختامية.. نضج مؤسسي يعيد تعريف الحضور الإسلامي
تؤكد هذه النماذج الست أن المجتمعات المسلمة في أوروبا وآسيا تشهد مرحلة نضج مؤسسي متدرّج، ينتقل فيها العمل الإسلامي من إدارة الشأن الداخلي إلى المشاركة الفاعلة في الفضاء العام. ورغم اختلاف السياقات، فإن القاسم المشترك يبقى واحدًا: تنظيم هادئ، شراكات ذكية، واستثمار طويل الأمد في الإنسان والمؤسسة.
ـ المصدر: مسلمون حول العالم





