مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

الأمة اليوم.. المشيخات الإسلامية في غرب البلقان تصوغ حضورًا دينيًا راقيًا يجمع العلم والإنسان والحوار

من المرجعية العلمية إلى الفعل الإنساني المنفتح تتقدّم المشيخات الإسلامية والأئمة في قلب المجتمع

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في فضاء غرب البلقان، حيث تتقاطع الذاكرة الدينية مع التنوّع الثقافي والتجربة الأوروبية الحديثة، تتبلور اليوم ملامح نموذج ديني هادئ وعميق، تقوده المشيخات الإسلامية بوصفها المرجعية الرسمية للمجتمع المسلم، وتُفعّله نخبة من الأئمة الذين تجاوز دورهم حدود المنبر إلى ميادين العلم، والخدمة الإنسانية، والحوار المجتمعي المفتوح.

تكشف التقارير الأحدث المنشورة على موقع مسلمون حول العالم أن العمل الديني في دول غرب البلقان يشهد مرحلة نضج لافتة، لم تعد فيها المؤسسة الدينية منشغلة بإدارة الشعائر فقط، بل باتت حاضرة بوصفها فاعلًا ثقافيًا وإنسانيًا، يسهم في الاستقرار الاجتماعي، ويحسن مخاطبة الواقع، ويعيد تقديم الدين كقيمة جامعة لا عنصر انقسام.

المشيخة الإسلامية.. من إدارة الشأن إلى قيادة المعنى

تؤدي المشيخات الإسلامية في غرب البلقان دورًا محوريًا في صياغة هذا التحوّل، من خلال إدارة دينية واعية تعطي الأولوية للعلم، وتنظيم الخطاب، وربط الدين بقضايا الإنسان اليومية. هذا الدور لا يقوم على ردود الأفعال، بل على تخطيط هادئ، وتراكم معرفي، ورؤية ترى في المؤسسة الدينية عقلًا منظمًا للمجتمع المسلم، لا مجرد إطار إداري.

ويبرز في هذا السياق حرص المشيخات على تأهيل الأئمة علميًا وفكريًا، ومنحهم أدوات التواصل مع المجتمع بمختلف مكوّناته، بما يجعلهم حَمَلة رسالة دينية وثقافية في آن واحد، وقادرين على تمثيل الإسلام داخل الفضاء العام بثقة واتزان.

كوسوفا.. التكافل الإنساني بلغة الكرامة

في كوسوفا، يتجلّى هذا الدور من خلال مبادرات تكافلية تقودها مؤسسات تابعة للمشيخة الإسلامية، تقوم على فهم عميق لمعنى العمل الخيري بوصفه استثمارًا في الإنسان. تمكين الأمهات المعيلات عبر برامج مهنية إنتاجية يعكس رؤية ترى في الكرامة الاقتصادية أساسًا للاستقرار الاجتماعي، وتحوّل التكافل من فعل إحساني عابر إلى مشروع تنموي هادئ.

هنا، لا يكون الإمام مجرد واعظ، بل شريكًا في صياغة المبادرة، ومرافقًا اجتماعيًا يعيد ربط القيم الدينية بحاجات الناس اليومية، في خطاب عملي صامت، لكنه بالغ الأثر.

سلوفينيا.. الإمام جسرا للحوار والتعايش

في سلوفينيا، يبرز دور الأئمة في مقدمة مشهد الحوار الديني، حيث تتحوّل المناسبات الإنسانية العالمية إلى منصّات ثقافية للتواصل مع الآخر. الإفطار بين الأديان ليس فعالية بروتوكولية، بل ممارسة واعية لفكرة التعايش، يقودها خطاب ديني هادئ يرى في الاختلاف مدخلًا للتفاهم لا سببًا للتنافر.

وتكشف هذه التجربة عن إمام مثقّف، مدرك لدوره الوطني، يتقن لغة المجتمع، ويُحسن تمثيل الإسلام بوصفه عنصرًا أخلاقيًا وإنسانيًا في الفضاء العام، لا خطابًا مغلقًا على ذاته.

ألبانيا.. الأئمة صُنّاع وعي لا ناقلو خطب

في شمال غرب ألبانيا، حيث للعلماء والأئمة مكانة تاريخية، يتجسّد الدور العلمي للمشيخة الإسلامية من خلال مؤتمرات دورية تُعيد الاعتبار للوعي الديني المنظّم. اختيار عناوين تعالج قضايا الوعي لا الوعظ، والفهم لا التلقين، يعكس انتقالًا نوعيًا في وظيفة الإمام من ناقل خطاب إلى صانع معنى.

هذا المسار يؤسس لعمل ديني يواكب تحوّلات المجتمع، ويضع الإمام في موقع المثقف الديني القادر على قراءة الواقع، وربط النص بالحياة، والقيمة بالسلوك.

قراءة ختامية.. دين يُبنى بالعلم ويُترجم بالإنسان

تؤكد تجربة المشيخات الإسلامية في غرب البلقان أن الدين، حين يُدار بعقلية ثقافية وإنسانية، يتحوّل إلى قوة استقرار وبناء وتواصل. فالمشيخة هنا ليست سلطة رمزية، بل مؤسسة وعي، والإمام ليس صوتًا منفردًا، بل جسرًا بين القيم والواقع.

إنه نموذج ديني راقٍ، يتقدّم بهدوء، ويثبت أن الحضور الإسلامي الأكثر رسوخًا هو ذاك الذي يُبنى بالعلم، ويُترجم بخدمة الإنسان، ويُقدَّم بلغة الحوار والتعايش، في فضاء أوروبي متعدّد يبحث عن المعنى بقدر ما يبحث عن الاستقرار.

ـ المصدر: مسلمون حول العالم
التخطي إلى شريط الأدوات