مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
تكشف قراءة آخر 12 تقريرًا منشورًا ضمن سلسلة «الأمة اليوم» على موقع «مسلمون حول العالم» عن مرحلة نوعية من التحول في واقع المجتمعات المسلمة، تتسم بالانتقال من مرحلة الحفاظ على الهوية إلى مرحلة توسيع الحضور المؤسسي الفاعل، مدفوعًا بشكل رئيسي ببرامج التعليم القرآني، وتنظيم الفعاليات الرمضانية الكبرى، وتعزيز دور المؤسسات الدينية في المجالين المجتمعي والتربوي.
ويظهر بوضوح أن شهر رمضان المبارك أصبح محورًا عالميًا لإطلاق المبادرات التي تجمع بين التربية الدينية، وبناء الأجيال، وتعزيز الاندماج الاجتماعي، في سياق يعكس نموًا مؤسسيًا منظمًا ومتسارعًا عبر قارات متعددة.
أولًا: التعليم القرآني.. المحرك الأساسي لإعادة تشكيل الوعي الإسلامي عالميًا
يبرز التعليم القرآني كالمحور الأكثر حضورًا وتأثيرًا في التقارير، حيث يمثل تخريج 70 ألف حافظ وحافظة في العاصمة الرواندية كيغالي نموذجًا واضحًا لحجم الاستثمار العالمي في بناء الأجيال المرتبطة بالقرآن الكريم، وهو مؤشر على توسع البرامج التعليمية المنظمة، خاصة في القارة الإفريقية التي أصبحت إحدى أهم ساحات النمو التعليمي الإسلامي.
ويتكامل هذا الاتجاه مع مبادرات مماثلة في أوروبا، مثل احتفال أكاديمية «الحفاظ الصغار» في بريشتينا بمشاركة أكثر من 200 طفل، والبرامج الرمضانية في مدينة إلباسان الألبانية، ما يعكس وجود منظومة متكاملة تستهدف تنشئة جيل جديد مرتبط بالقرآن منذ الطفولة، وهو ما يؤكد أن التعليم القرآني لم يعد نشاطًا محدودًا، بل أصبح مشروعًا استراتيجيًا طويل المدى.
ويمتد هذا المسار أيضًا إلى أمريكا اللاتينية، حيث تشهد البرازيل تنظيم المجالس الدعوية الرمضانية لتفسير القرآن، في مؤشر واضح على انتقال العمل التعليمي الإسلامي إلى مناطق كانت حتى وقت قريب خارج نطاق النشاط المؤسسي المنظم.
ثانيًا: رمضان.. موسم عالمي لإعادة تفعيل الهوية وتعزيز الحضور المجتمعي للمسلمين
تكشف التقارير أن شهر رمضان أصبح منصة مركزية لإعادة تفعيل الهوية الإسلامية وتعزيز الحضور المجتمعي للمؤسسات الدينية، من خلال تنظيم فعاليات واسعة النطاق تستهدف مختلف الفئات، خاصة الأطفال والأسر.
ويظهر ذلك بوضوح في احتفالية «مرحبًا برمضان» في جامع ساراتوف بروسيا بمشاركة مئات الأطفال وعائلاتهم، ومبادرة «القطار الرمضاني» في مدينة ماغلاي بالبوسنة والهرسك بمشاركة نحو 700 طفل، إضافة إلى الفعاليات التعليمية والدعوية في ألبانيا وكوسوفا.
وتشير هذه الأنشطة إلى تحول رمضان من مجرد مناسبة دينية إلى إطار مؤسسي شامل لإعادة بناء العلاقة بين المؤسسات الإسلامية والمجتمع، خاصة الأجيال الجديدة، بما يعزز استمرارية الهوية الإسلامية في البيئات متعددة الثقافات.
ثالثًا: تنامي الدور المؤسسي للمشيخات والمراكز الإسلامية في المجال العام
تظهر التقارير بوضوح تعاظم دور المؤسسات الإسلامية الرسمية في إدارة الشأن الديني والمجتمعي، حيث نظّمت المشيخة الإسلامية في جمهورية بلغاريا مأدبة إفطار رسمية جمعت نحو 200 شخصية بارزة، في خطوة تعكس الحضور المؤسسي المتزايد للمؤسسة الإسلامية داخل المجال العام.
كما يبرز هذا الدور في تنظيم الدورات التدريبية للأئمة في إقليم بانغسامورو بالفلبين، والتي تهدف إلى تطوير الخطاب الديني في مرحلة السلام، ما يعكس انتقال المؤسسات الإسلامية من الدور التقليدي إلى دور استراتيجي في إدارة التحولات المجتمعية.
ويمثل الكشف عن المخطوطة القرآنية النادرة في المكتبة الوطنية الألبانية نموذجًا آخر للحضور المؤسسي الإسلامي في المجال الثقافي، من خلال حماية التراث الإسلامي وربطه بالهوية الوطنية.
رابعًا: البعد الإنساني والتحديات.. حضور متوازن بين البناء والصمود
إلى جانب مظاهر النمو، تعكس التقارير استمرار التحديات التي تواجه بعض المجتمعات المسلمة، كما يظهر في حالة مسلمي الروهينجا في إقليم أراكان بميانمار، حيث تصاعدت المخاوف بعد إعلان التجنيد الإجباري للفتيان والفتيات، وهو ما يبرز استمرار معاناة بعض المجتمعات المسلمة في ظل ظروف سياسية وأمنية معقدة.
وفي المقابل، تظهر مبادرات الدعم الإنساني، مثل لقاء دعم الأيتام في بلغاريا، كدليل على تطور دور المؤسسات الإسلامية في توفير الرعاية الاجتماعية والنفسية، وليس فقط الخدمات الدينية.
خامسًا: البلقان.. مركز محوري للنمو المؤسسي الإسلامي في أوروبا
تحتل دول البلقان موقعًا بارزًا في التقارير، خاصة ألبانيا وكوسوفا والبوسنة والهرسك وبلغاريا، ما يعكس تحول هذه المنطقة إلى أحد أهم مراكز النشاط الإسلامي المؤسسي في أوروبا.
ويعود ذلك إلى وجود مؤسسات دينية تاريخية مستقرة، مثل المشيخات الإسلامية، إضافة إلى الدعم المجتمعي القوي، ما يسمح بتنظيم برامج تعليمية ودعوية واسعة النطاق تستهدف مختلف الفئات.
ويؤكد هذا الحضور أن منطقة البلقان لم تعد فقط حافظة للتراث الإسلامي، بل أصبحت مركزًا نشطًا لإنتاج المبادرات التعليمية والدعوية التي تؤثر في المشهد الإسلامي الأوروبي.
خاتمة تحليلية
تؤكد هذه التقارير مجتمعة أن المجتمعات المسلمة تشهد مرحلة انتقالية مهمة، تتميز بتعزيز التعليم القرآني، وتوسيع الحضور المؤسسي، واستثمار المناسبات الدينية، خاصة شهر رمضان، كمنصات لإعادة بناء الهوية وتعزيز الاستقرار المجتمعي. ويكشف هذا التحول عن نضج متزايد في العمل الإسلامي المؤسسي عالميًا، وانتقاله من مرحلة الحفاظ على الوجود إلى مرحلة التأثير الفاعل في تشكيل المستقبل الديني والثقافي للمسلمين في مختلف أنحاء العالم.
ـ المصدر: موقع مسلمون حول العالم