مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

الأمة اليوم.. من حفظ الذاكرة إلى بناء المستقبل: كيف ترسّخ المؤسسات الإسلامية حضورها عبر التعليم والتنمية والسلام

سبعة نماذج من آسيا وإفريقيا وأوروبا تكشف انتقال العمل الإسلامي من التكيّف مع الواقع إلى الإسهام الفاعل في إعادة صياغته

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

تكشف التقارير الحديثة الواردة من مناطق متعددة حول العالم عن مرحلة متقدمة من التحول في أداء المؤسسات الإسلامية، حيث لم يعد دورها مقتصرًا على الحفاظ على الشعائر أو تلبية الاحتياجات الآنية، بل بات يمتد ليشمل بناء منظومات مستدامة في التعليم، والتنمية، وحفظ الذاكرة، وتعزيز السلام المجتمعي.

هذا التحول يعكس انتقالًا واضحًا من إدارة الشأن الديني في حدوده التقليدية إلى ممارسة دور مؤسسي شامل يسهم في تشكيل استقرار المجتمعات التي يعيش فيها المسلمون.

ومن شرق آسيا إلى القرن الإفريقي، مرورًا بجنوب شرق آسيا وأوروبا وروسيا الاتحادية، تتشكل صورة متكاملة لمؤسسات دينية تعمل وفق رؤية بعيدة المدى، تضع الإنسان في مركز اهتمامها، وتسعى إلى بناء بيئة مستقرة تحفظ الهوية وتدعم الاندماج الإيجابي داخل الأطر الوطنية المختلفة.

تايوان.. التخطيط المؤسسي لضمان الاستقرار المستقبلي

في العاصمة تايبيه، يعكس التبرع الذي قدمته جمعية تايوان الإسلامية بقيمة 1.35 مليون دولار تايواني جديد لصالح «صندوق المقبرة الإسلامية» نموذجًا متقدمًا للتخطيط المؤسسي طويل الأمد. المبادرة، التي أعلنت عنها مؤسسة المسجد الكبير في تايبيه، تستهدف تأمين احتياجات المجتمع المسلم المستقبلية ضمن إطار منظم ومستدام، بما يعزز الاستقرار الديني والاجتماعي للمسلمين في الجزيرة، ويؤكد أن العمل المؤسسي أصبح أداة لضمان استمرارية الخدمات الأساسية للمجتمع المسلم.

البوسنة والهرسك.. الاستثمار في التعليم بوصفه أساس الاستقرار

في مدينة توزلا، الواقعة شمال شرق البلاد، يواصل مجلس المشيخة الإسلامية تنفيذ مبادرته التعليمية التي بدأت عام 2021 لدعم مكتبات المدارس بالكتب المنهجية. وقد نجح المشروع حتى الآن في تزويد 18 مدرسة بنحو ثلاثة آلاف كتاب، في خطوة تعكس إدراكًا مؤسسيًا عميقًا لأهمية التعليم في بناء الوعي وتعزيز الهوية لدى الأجيال الجديدة، وترسيخ الاستقرار الثقافي والديني في المجتمع.

الفلبين.. التعليم الإسلامي شريك في بناء السلام الوطني

في جنوب الفلبين، يشهد التعليم الإسلامي تحولًا نوعيًا، حيث أصبح عنصرًا معترفًا به ضمن المنظومة المؤسسية للدولة، وشريكًا فعليًا في دعم الاستقرار وتعزيز مسارات السلام. هذا الاعتراف يعكس انتقال التعليم الإسلامي من نطاقه المحلي المحدود إلى موقع الشريك الوطني في التنمية، بما يسهم في بناء مجتمع أكثر توازنًا واستقرارًا.

تتارستان.. تعزيز الحضور المعرفي للتمويل الإسلامي

في مدينة قازان، عاصمة جمهورية تتارستان الواقعة وسط روسيا الاتحادية، شهدت المكتبة الوطنية تدشين أول قسم متخصص في التمويل الإسلامي، عبر إهداء نحو تسعين كتابًا علميًا. هذه الخطوة تعكس تطورًا مهمًا في إدماج المعرفة الإسلامية ضمن المؤسسات الأكاديمية والوطنية، وتؤكد أن التمويل الإسلامي بات جزءًا من الحضور العلمي والمؤسسي المعاصر.

إثيوبيا.. القيادات الدينية شريك في ترسيخ الاستقرار الوطني

في مدينة هوسانا، الواقعة جنوب البلاد، احتضن المؤتمر الوطني السادس للمؤسسات الدينية للسلام لقاءً واسعًا جمع قيادات دينية من مختلف أنحاء إثيوبيا، في إطار تعزيز دور المؤسسات الدينية في دعم الاستقرار والتعايش والوحدة الوطنية. ويعكس هذا المؤتمر المكانة المتنامية للمؤسسات الدينية بوصفها عنصرًا فاعلًا في دعم السلم المجتمعي.

البوسنة.. الحفاظ على الذاكرة بوصفه جزءًا من المسؤولية المؤسسية

في العاصمة سراييفو، شهد المركز التذكاري تنظيم برنامج لإحياء ذكرى ضحايا الجرائم التي استهدفت المسلمين خلال حرب البوسنة، في خطوة تؤكد التزام المؤسسات الإسلامية بالحفاظ على الذاكرة التاريخية. هذه المبادرات لا تقتصر على التوثيق، بل تسهم في تعزيز الوعي التاريخي وترسيخ الهوية الجماعية.

كوسوفا.. التوثيق البصري لحماية التراث الديني

وفي مدينة ميتروفيتسا، شمال كوسوفا، افتُتح معرض يوثق تدمير المساجد خلال حروب التسعينيات، عبر مجموعة من الصور التي توثق حجم الدمار الذي طال المؤسسات الدينية. يهدف المعرض إلى حفظ الذاكرة التاريخية وتعريف الأجيال الجديدة بحجم التحديات التي واجهتها المجتمعات المسلمة، في إطار تعزيز الوعي وحماية التراث.

قراءة ختامية.. المؤسسات الإسلامية بين حفظ الهوية وبناء المستقبل

تؤكد هذه النماذج المتعددة أن المؤسسات الإسلامية دخلت مرحلة جديدة من النضج المؤسسي، لم تعد تقتصر فيها على إدارة الشأن الديني، بل أصبحت شريكًا في بناء الاستقرار، وتعزيز التعليم، وحفظ الذاكرة، ودعم السلام المجتمعي. ورغم تنوع السياقات الجغرافية والثقافية، فإن القاسم المشترك بينها يتمثل في رؤية واضحة تستثمر في الإنسان، وتبني مؤسسات قادرة على الاستمرار، وتسهم في تشكيل مستقبل أكثر استقرارًا للمجتمعات المسلمة حول العالم.

ـ المصدر: مسلمون حول العالم

التخطي إلى شريط الأدوات