من قلب العيد إلى عمق المجتمع.. حين تتحول القيم الدينية إلى ممارسة تحفظ الكرامة
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في مشهد إنساني بالغ العمق يعكس تطور العمل التطوعي في البوسنة والهرسك، تبرز في سراييفو تجربة نوعية تقودها «شبكة الشباب» التابعة للمشيخة الإسلامية، تقدم نموذجًا مختلفًا تمامًا عن النمط التقليدي للعطاء، حيث لا يُقاس العمل بعدد الهدايا، بل بمدى فهمها للإنسان الذي تُقدَّم له، خاصة في سياق يأتي بعد شهر رمضان وعيد الفطر، حين تتحول القيم الدينية إلى سلوك اجتماعي حيّ يتجسد في تفاصيل الحياة اليومية.
العطاء المخصص.. حين يصبح لكل إنسان هديته التي صُنعت له
يقوم هذا النموذج على فكرة دقيقة وعميقة في آن واحد، حيث لا تُجمع التبرعات لشراء هدايا موحدة تُوزع على الجميع، بل يتحول كل متطوع إلى مسؤول مباشر عن شخص بعينه، يتعرّف على احتياجاته، ويفكر فيه، ويُعدّ له هديته بنفسه، وفق ظروفه وحالته، ما يجعل كل هدية تحمل معنى خاصًا، وتعكس علاقة إنسانية حقيقية، فليست القيمة في الشيء ذاته، بل في أنه صُنع من أجل شخص محدد، يعرف المتطوع تفاصيله ويضعه في قلب اهتمامه.
من تقديم المساعدة إلى بناء علاقة إنسانية تحفظ الكرامة
هذا التحول النوعي ينقل العمل التطوعي من مجرد فعل خيري إلى مساحة تواصل إنساني عميق، حيث يصبح اللقاء بين المتطوع والمستفيد لحظة قائمة على القرب والاحترام، خاصة مع فئات تحتاج إلى حساسية عالية في التعامل مثل ذوي الإعاقات الذهنية أو حالات طيف التوحد، وهو ما يظهر في طبيعة الأجواء الهادئة والتفاعل الفردي الذي يراعي خصوصية كل شخص، ويمنحه شعورًا بأنه مُقدَّر لذاته، لا مجرد رقم ضمن قائمة، لتتحول الهدية إلى وسيلة تعزز الكرامة والانتماء بدل أن تكون مجرد مساعدة عابرة.
حضور المؤسسة الدينية.. امتداد عملي للقيم بعد رمضان
يعكس هذا النموذج حضورًا فاعلًا للمشيخة الإسلامية في سراييفو داخل المجتمع، حيث لا يقتصر دورها على التوجيه الديني، بل يمتد إلى دعم المبادرات الميدانية التي تُترجم القيم إلى واقع، من خلال تمكين «شبكة الشباب» واحتضان أفكارها، بما يؤكد أن العمل الديني هنا ليس معزولًا، بل متصل مباشرة بحياة الناس، ويؤدي دورًا محوريًا في تعزيز التكافل الاجتماعي وتحويل المناسبات الدينية إلى طاقة إنسانية مستمرة.
نموذج إنساني متقدم قابل للتوسع والبناء عليه
ما تقدمه «شبكة الشباب» يتجاوز كونه نشاطًا موسميًا، ليطرح رؤية متكاملة يمكن تطبيقها في مجتمعات عديدة، تقوم على التخصيص بدل التعميم، وعلى الفهم بدل الافتراض، وعلى العلاقة بدل الإجراء، وهو ما يمنح العمل التطوعي قيمة نوعية ويجعله أكثر تأثيرًا واستدامة، حيث يتضح أن الإبداع الحقيقي لا يرتبط بحجم الإمكانيات، بل بطريقة التفكير، وبالقدرة على رؤية الإنسان كفرد له احتياجاته وخصوصيته.
وفي قراءة عامة، تؤكد هذه التجربة أن أعظم ما في العطاء ليس كثرته، بل عمقه، وأن الهدية التي تُصنع بعناية لشخص واحد قد تكون أكثر أثرًا من عشرات الهدايا المتشابهة، لأنها تحمل معنى الاهتمام الحقيقي، وتعيد تعريف العمل التطوعي بوصفه علاقة إنسانية قبل أن يكون فعلًا خيريًا.
ـ المصدر: مجلس المشيخة الإسلامية في سراييفو








