مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في مسار يتسم بالهدوء والتنظيم والاستمرارية، شهدت الجاليات الألبانية المسلمة في دول غرب أوروبا خلال السنوات الأخيرة حراكًا متناميًا في مجال بناء المساجد وتطويرها، بما يعكس وعيًا متقدمًا بأهمية تأسيس مؤسسات دينية مستقرة تؤدي أدوارها التعبدية والتربوية والاجتماعية ضمن إطار منظم، بعيدًا عن الطابع الارتجالي أو الموسمي.
وفي عدد من المدن الأوروبية، من سويسرا والنمسا إلى ألمانيا وإيطاليا، برزت مبادرات ناجحة قادتها مؤسسات الجاليات الألبانية المسلمة بالتعاون مع إدارات المساجد المحلية، وبالتنسيق الهادئ مع المشيخات الإسلامية في أوطانها الأصلية بغرب البلقان، ولا سيما في كوسوفا وألبانيا ومقدونيا الشمالية. وتمكنت هذه المبادرات من جمع تبرعات كبيرة خلال فترات زمنية قصيرة، ضمن رؤية واضحة تهدف إلى ترسيخ الحضور الإسلامي وحفظ الهوية الدينية للأجيال القادمة.
وعي الجاليات وتسريع وتيرة الإنجاز
تتميّز التجربة الألبانية في أوروبا بانخراط الجاليات في جميع مراحل المشاريع، بدءًا من التخطيط وشراء الأراضي، مرورًا بتنظيم الحملات المالية، وصولًا إلى متابعة التنفيذ والإدارة. هذا الانخراط الواسع حوّل بناء المسجد إلى مشروع جماعي يعكس تماسك الجالية وثقتها بمؤسساتها، وأسهم في تسريع وتيرة الإنجاز وترسيخ ثقافة العمل المشترك.
كما لعب انتشار الأئمة والمؤسسات الدينية الألبانية المنظمة في دول مثل ألمانيا وسويسرا دورًا مهمًا في توحيد الخطاب الديني، وتعزيز المصداقية، ورفع مستوى الثقة لدى أبناء الجاليات، وهو ما انعكس مباشرة على حجم المشاركة والدعم، وعلى استدامة هذه المشاريع.
دور المشيخات الإسلامية في غرب البلقان
إلى جانب الدور المركزي لمؤسسات الجاليات الألبانية المسلمة في أوروبا، برز دعم واضح من المشيخات الإسلامية في دول غرب البلقان، التي حرصت على مواكبة هذه المبادرات من خلال الحضور المؤسسي والتوجيه المعنوي، وربط الجاليات بالمرجعيات الدينية في أوطانها الأم.
وجاء هذا الدعم في إطار شراكة متوازنة بعيدة عن التدخل الإداري المباشر، حيث أدّت المشيخات دور المرجعية الدينية والتنظيمية التي تمنح الثقة، وتُسهم في ضبط الخطاب، وتعزيز الطابع المؤسسي للمشاريع، بما ينسجم مع متطلبات المجتمعات الأوروبية وقوانينها.
المسجد كحلقة وصل بين الوطن والمهجر
في هذا السياق، لم يعد المسجد لدى الجاليات الألبانية مجرد مكان للعبادة، بل تحوّل إلى مساحة جامعة تحفظ الهوية الدينية والثقافية، وتربط بين المرجعية الدينية في الوطن والواقع الاجتماعي في المهجر. وهو ما يفسّر حرص المشيخات الإسلامية في غرب البلقان في كل من كوسوفا ومقدونيا الشمالية وألبانيا على دعم هذه المبادرات بوصفها امتدادًا طبيعيًا لمسؤوليتها الدينية تجاه أبنائها في الخارج.
كما أسهم هذا التواصل في تبادل الخبرات التنظيمية، وتعزيز ثقافة العمل الجماعي، والابتعاد عن الارتجال والانقسام، وهي عوامل أساسية في نجاح مشاريع بناء المساجد واستدامتها على المدى الطويل.
ثلاثة نماذج من دعم مشاريع المساجد الألبانية في المهجر الأوروبي خلال يناير 2026
مع مطلع عام 2026، برزت خلال شهر ينايرالجاري مؤشرات واضحة على تصاعد الحراك المؤسسي داخل الجاليات الألبانية المسلمة في عدد من الدول الأوروبية، تمثلت في مبادرات منظمة لدعم مشاريع بناء وتوسعة المساجد، بالتنسيق مع المرجعيات الدينية في أوطانها بغرب البلقان.
ويعكس هذا النشاط المبكر، الذي يسبق حلول شهر رمضان، تحول العمل الخيري والديني من استجابات موسمية إلى مسار منظم ومستدام، يؤكد نضج التجربة الإسلامية الألبانية في المهجر، وقدرتها على توظيف التماسك المجتمعي في ترسيخ حضور ديني مستقر يخدم الأجيال القادمة ويحفظ الهوية ضمن السياق الأوروبي.
إيطاليا.. تضامن مؤسسي عابر للحدود لدعم مشروع بناء مسجد مدينة بارما
في خطوة تعبّر عن اتساع نطاق التضامن داخل الجاليات الألبانية المسلمة في أوروبا، تستعد مدينة بارما شمال إيطاليا لاستضافة برنامج خيري ديني لدعم مشروع بناء مسجد المدينة، بمشاركة فاعلة من المشيخة الإسلامية في ألبانيا من مقرها في العاصمة تيرانا، التي وجّهت نداءً رسميًا عبر قنواتها المعتمدة لحشد الدعم لهذا المشروع.
ويأتي هذا التحرّك ضمن مسار تنسيقي متنامٍ بين المرجعيات الدينية في الوطن والجاليات في المهجر، بما يعكس إدراكًا مشتركًا لأهمية بناء المساجد بوصفها ركيزة للاستقرار الديني والاجتماعي، وحاضنة للهوية الإسلامية للألبان في السياق الأوروبي.
سويسرا.. زيورخ تتحول إلى منصة وحدة مؤسسية للجاليات الألبانية المسلمة
وفي مشهد يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم والتكامل، تحولت مدينة زيورخ السويسرية إلى نقطة التقاء جامعة لقيادات المشيخات الإسلامية والمؤسسات الدينية الألبانية من غرب البلقان والمهجر، خلال تظاهرة خيرية كبرى نجحت في جمع 870 ألف فرنك سويسري لدعم مشروع توسعة المسجد الألباني في المدينة.
وتجاوزت هذه الفعالية بعدها المالي، لتؤكد حضورًا مؤسسيًا ناضجًا، وقدرة واضحة على تحويل الانتماء الديني المشترك إلى عمل جماعي منظم، يعزّز التماسك الداخلي، ويكرّس دور المساجد الألبانية كجسور تواصل بين الأوطان والشتات.
ألمانيا.. حراك جماهيري منظّم لدعم مسجد الجالية الألبانية في أوسنابروك
وفي السياق ذاته، نظّم مسجد الجالية الألبانية في مدينة أوسنابروك، شمال غرب ألمانيا، مهرجانًا جماهيريًا خُصص لدعم مشروع بناء المسجد الجديد، بمشاركة واسعة من المؤسسات الدينية الألبانية في أوروبا وغرب البلقان، إلى جانب الأئمة وأبناء الجالية.
وأسفرت الفعالية عن جمع أكثر من 424 ألف يورو خلال ليلة واحدة، في مؤشر واضح على تماسك الجالية، وقدرتها على تحويل مشاريع المساجد إلى مبادرات جماعية منظمة، تسهم في حفظ الهوية الدينية وتعزيز الاستقرار المؤسسي للمجتمع المسلم في المهجر.
خاتمة
إن تسارع بناء المساجد في أوساط الجاليات الألبانية المسلمة في أوروبا يعكس تفاعلًا متوازنًا بين وعي الجاليات في المهجر ودعم المرجعيات الدينية في الوطن، في نموذج يقوم على الشراكة والتنظيم والعمل المتدرج الهادئ.
وهو مسار يدل على نضج متزايد في التجربة الإسلامية الألبانية، ويؤسس لحضور ديني مستقر في أوروبا، قادر على خدمة الأجيال الجديدة، وحفظ الهوية، وتعزيز التعايش، ضمن إطار مؤسسي راسخ ومتزن.
ـ المصادر.. اضغط: ( هـنـا ) و ( هـنـا ) و( هـنـا ) و( هـنـا ) و( هـنـا ).





