مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

السنغال.. من اليُتم والفقر إلى قيادة علماء إفريقيا في مسيرة صنعتها الدموع والصبر والإيمان

ثمانية أشهر من السفر صنعت عالِمًا وقائدًا لمشاريع النهضة العلمية الإسلامية على مستوى القارة الإفريقية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

قصةٌ تُكتَب بالدموع؛ دموعُ الحزن على قسوة البدايات، ودموعُ الشكر على عظمة ما صنعه الصبر والإيمان. هي ليست مجرد سيرة نجاح، بل رحلة إنسانٍ خرج من اليُتم والفقر ووحشة الفقد، ليصنع من الألم نورًا، ومن المعاناة رسالةً، ومن الدموع طريقًا إلى العلم والقيادة.

دموعُ حزنٍ على طفلٍ فقد والده قبل أن يراه، ثم فقد أمه وهو في مقتبل العمر، وعاش سنواته الأولى بين الحقول والكتاتيب وضوء الحطب. ودموعُ شكرٍ على رجلٍ حمل القرآن في قلبه، وقطع ثمانية أشهر في السفر طلبًا للعلم، حتى أصبح منارةً تهتدي بها أجيالٌ في إفريقيا.

إنها قصةٌ تُذكّرنا بأن بعض الآلام لا تكسر الإنسان، بل تُعيد تشكيله ليصبح أكبر من جراحه، وأوسع من ظروفه، وأقرب إلى رسالته.

رحلة الكفاح الاستثنائية

ففي واحدة من أكثر القصص الإنسانية والإلهامية تأثيرًا، استعرض الأستاذ الدكتور محمد أحمد لوح، رئيس اتحاد علماء إفريقيا، محطات رحلته الاستثنائية التي بدأت من اليُتم والفقر في قرى السنغال، وانتهت بقيادة مؤسسات علمية ودعوية كبرى على مستوى القارة الإفريقية.

وكشف الدكتور لوح، خلال بودكاست «قصة حياة»، عن تفاصيل مسيرته التي جمعت بين الصبر على المحن، وطلب العلم، وبناء المؤسسات، مؤكدًا أن التحديات لم تكن عائقًا أمام تحقيق الرسالة، بل كانت دافعًا لصناعة مشروع علمي ممتد أثره في إفريقيا.

بداية قاسية.. يتم مبكر وحفظ للقرآن وسط العمل الشاق

وُلد الدكتور محمد أحمد لوح عام 1955 في السنغال، وفقد والده قبل ولادته بشهر واحد، ثم عاش طفولة صعبة بين القرى مع والدته، قبل أن يُلحق في سن السابعة بكتّاب لتحفيظ القرآن الكريم.

وقضى تسع سنوات كاملة في حفظ كتاب الله، ضمن بيئة تعليمية تقليدية تجمع بين الدراسة والعمل في المزارع ورعاية الأغنام، حيث كان الطلاب يعتمدون على العمل لتأمين قوتهم السنوي.

ومن أبرز ما ميّز هذه المرحلة أنه لم يكتفِ بالحفظ الشفهي، بل كان يكتب يوميًا جزءًا كاملًا من القرآن عن ظهر قلب، ثم يعرضه على شيخه، حتى أتم كتابة المصحف كاملًا بيده، في تجربة تربوية عميقة أسهمت في ترسيخ الحفظ وبناء الشخصية العلمية.

مرحلة مفصلية بعد فقد الأم

أوضح الدكتور لوح أن وفاة والدته جاءت بعد أشهر قليلة من وفاة شيخه الأول، وهو في الخامسة عشرة من عمره، ما شكّل منعطفًا حاسمًا في حياته.

ورغم قسوة الفقد، أصر على مواصلة حفظ القرآن وطلب العلم، وانتقل إلى مدينة طوبى، حيث واصل مسيرته العلمية حتى حصل على إجازات علمية في العلوم الشرعية واللغة العربية، قبل أن ينجح بتفوق في امتحان الشهادة الثانوية الذي نظمه اتحاد الجمعيات الإسلامية في السنغال.

ثمانية أشهر إلى المدينة المنورة

من أكثر المحطات تأثيرًا في القصة، رحلة السفر إلى المملكة العربية السعودية، والتي استغرقت ثمانية أشهر كاملة.

وأوضح أن ضيق ذات اليد وعدم توفر المال الكافي أجبره ورفيقيه على التنقل تدريجيًا عبر عدة دول إفريقية، مرورًا بمالي وساحل العاج وغانا وبنين ونيجيريا، ثم إلى مصر، قبل الوصول إلى المدينة المنورة.

وتوقف خلال الرحلة شهرين في القاهرة، حيث لقي دعمًا إنسانيًا كبيرًا من أهل مصر، الذين وفروا له ورفيقيه السكن والطعام والمساعدة المالية، في مشهد وصفه بأنه أحيا فيهم روح الأخوة الإسلامية.

ومن أبرز المواقف التي غيّرت مسار حياته، أنه كتب قصيدة شعرية قدّمها لمدير الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، فأُعجب بها المدير، وكتب على أوراقه عبارة استثنائية: «يُقبل هذا الطالب بلا قيد ولا شرط».

تفوق علمي ومسيرة أكاديمية رائدة

بعد قبوله في الجامعة الإسلامية، واصل الدكتور لوح مسيرته الأكاديمية بتفوق لافت، حيث حصل على الثانوية ثم البكالوريوس والماجستير والدكتوراه، مع مراتب الشرف والتوصية بطباعة الرسائل العلمية.

وأكد أن هذه المرحلة كانت بداية التحول من طالب علم إلى صاحب مشروع دعوي وتعليمي مؤسسي يخدم المجتمع المسلم في السنغال وإفريقيا.

بناء المؤسسات.. من دار الاستقامة إلى الكلية الإفريقية

في إطار العمل المؤسسي، أسس عام 1990 «دار الاستقامة للتربية والتنمية»، التي بدأت بمشروع صغير لتحفيظ القرآن وتعليم العلوم الشرعية، قبل أن تتحول إلى مؤسسة تعليمية رائدة.

كما أسس عام 2001 «الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية»، التي أصبحت اليوم من أبرز مؤسسات التعليم العالي الإسلامي في غرب إفريقيا، وتضم نحو ألف طالب، مع طلاب من عدة دول مجاورة.

وكشف عن مشروع أكبر يتمثل في «الجامعة الإفريقية المعاصرة»، التي حصلت بالفعل على الترخيص الرسمي وأرض مخصصة من الحكومة السنغالية، ومن المخطط أن تستوعب أكثر من عشرة آلاف طالب وطالبة في خمس كليات متخصصة، تشمل الشريعة، واللغة العربية، والتربية، والإدارة، والحاسوب والتكنولوجيا.

قيادة علمية على مستوى القارة

تحدث الدكتور لوح عن تأسيس اتحاد علماء إفريقيا عام 2011، موضحًا أنه يضم علماء من 46 دولة إفريقية جنوب الصحراء، ويبلغ عدد أعضائه قرابة 800 عالم.

ويهدف الاتحاد إلى توحيد كلمة العلماء، وتقريب وجهات النظر، وتنسيق الفتوى والعمل العلمي والدعوي في القارة، إضافة إلى تقديم المشورة في القضايا الدينية والعلمية الحساسة.

رسائل ملهمة للشباب والأيتام

في ختام اللقاء، وجّه الدكتور لوح رسالة مؤثرة إلى الشباب، دعاهم فيها إلى الصدق مع الله والاجتهاد وحسن استثمار الوقت.

كما خص الأيتام برسالة أمل، مؤكدًا أن اليُتم ليس عائقًا أمام النجاح، بل قد يكون منطلقًا لصناعة شخصيات عظيمة إذا وجدت الرعاية والاهتمام.

وشدد على أن الاستثمار في تعليم الأيتام ورعايتهم من أعظم أبواب الخير، مستشهدًا بسيرته الشخصية وبسيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي نشأ يتيمًا وأصبح رحمة للعالمين.

ـ المصدر: بودكاست قصة حياة / د. حياة الله عتيد

التخطي إلى شريط الأدوات