مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

الصين.. كتاب يوثق علاقة الأزهر بمسلمي الصين عبر البعثات التعليمية

بقلم الدكتور مجدي سعيد، كاتب صحفي مقيم في لندن

مسلمون حول العالم – متابعات

يواصل الدكتور مجدي سعيد، الكاتب الصحفي المقيم في لندن، سلسلته “نقاط مضيئة”، حيث يكشف من خلالها النقاب عن شخصيات وتجارب رائدة، ويُلقي الضوء على نماذج معرفية مهمة لا تزال بعيدة عن الاهتمام الكافي في عالمنا العربي والإسلامي. وفي هذه الحلقة، يتناول تجربة علمية مميزة توثق جانبًا مهمًا من تاريخ العلاقة بين الأزهر ومسلمي الصين.

أسامة منصور.. وعلاقة المركز بالأطراف في حكاية البعثات الصينية للأزهر

بقلم الدكتور مجدي سعيد، كاتب صحفي مقيم في لندن

في أواخر شهر سبتمبر من عام 2025، صدر للمؤرخ الدكتور أسامة منصور كتاب فريد في بابه بعنوان “من الأزهر إلى القصر”، يؤرخ للبعثات الصينية إلى الأزهر في ثلاثينيات القرن العشرين. ويُعد هذا الكتاب الثاني الذي يخرجه الدكتور أسامة من مخزون مخطوطاته الثري، والذي يضم خلاصة دراساته الأكاديمية في مرحلتي الماجستير والدكتوراه ما بين عامي 2005 و2012، إلى جانب زياراته العلمية للصين منذ عام 2009، ثم فترات عمله أستاذًا زائرًا في عدد من الجامعات الصينية. وقد سبقه كتاب بعنوان “تاريخ الإسلام في بلاد الصين”، صدر عن دار تراث الوشم في السعودية عام 2020.

مسيرة علمية من الشغف إلى التخصص

وقبيل صدور كتاب الدكتور أسامة، كنت قد انتهيت من إصدار كتابي الإلكتروني المعنون بـ”من حكايات السائرين في أرض الله”، والذي يضم في فصله الثالث القصة الكاملة للشغف الذي قاد الدكتور أسامة منصور للتخصص في تاريخ الإسلام والمسلمين في الصين منذ مرحلة الماجستير، بعد تخرجه في قسم التاريخ بكلية الآداب جامعة الزقازيق عام 1999. ورغم صعوبة هذا المجال آنذاك لقلة مصادره، فقد استطاع بإصراره ومثابرته أن ينجز دراسته ويحصل على درجة الماجستير عام 2005، قبل أن يتجه إلى دراسة تاريخ التعليم الإسلامي في الصين في مرحلة الدكتوراه، وهو الموضوع الذي ازداد تعلقه به خلال دراسته، ودفعه إلى السفر إلى الصين عام 2009 لاستكمال مادته العلمية، حتى نال الدكتوراه عام 2012 بعد تجاوز العديد من التحديات.

نتاج تجربة ميدانية في الصين

ولم يتوقف شغفه العلمي عند هذا الحد، بل واصل نشاطه البحثي خلال عمله في جامعات صينية، حيث عمل في جامعة نينغشيا بين عامي 2012 و2015، ثم في جامعات القوميات في نينغشيا بين عامي 2017 و2020. وخلال تلك الفترة، جاب مناطق مختلفة من الصين، وأعد عددًا من المخطوطات العلمية، ليأتي كتابه “من الأزهر إلى القصر” ضمن ثمرة هذه التجربة العلمية الميدانية. وقد صدر الكتاب في 254 صفحة، بالتعاون بين دار مشكاة ودار منتدى الأدب الحر في مصر.

ويضم الكتاب سبعة فصول إلى جانب المقدمة والخاتمة، تناول فيها العلاقات بين مسلمي الصين ومصر قبل القرن العشرين، وأوضاع التعليم الإسلامي في الصين مطلع القرن العشرين، وكذلك أوضاع الأزهر الشريف في تلك الفترة، ثم ركّز على البعثات الصينية إلى الأزهر وحياة طلابها في مصر، وسيرهم قبل وبعد البعثة، إضافة إلى استعراض شخصيات ومؤسسات كان لها دور محوري في تلك المسيرة.

دلالات فكرية وتحديات مؤسسية

ومن خلال قراءة الكتاب، يمكن الوقوف على عدد من الملاحظات والتأملات المهمة:

يتميّز الكتاب بغزارة مادته العلمية وحداثة معلوماته، حيث بذل المؤلف جهدًا كبيرًا في جمع مصادره من مراجع عربية وصينية، بما في ذلك مصادر باللغة الصينية، ما يمنحه قيمة علمية خاصة.

وعلى الرغم من هذه الغزارة، فإن الكتاب كان بحاجة إلى قدر من التحرير، إذ كاد صوت الباحث يختفي أحيانًا وسط كثافة المعلومات، مع وجود بعض التكرار واضطراب في السرد، خاصة في الفصل الثالث المتعلق بالبعثات، غير أن ذلك لا ينتقص من القيمة العلمية للعمل.

ويكشف الكتاب عن دلالة مهمة تتعلق بعلاقة المركز بالأطراف في العالم الإسلامي، حيث يبرز مدى حاجة المجتمعات المسلمة غير العربية إلى دور أكثر فاعلية من المؤسسات العلمية في العالم العربي، وفي مقدمتها الأزهر الشريف.

كما أن هذا الاحتياج لا يزال قائمًا، خصوصًا في مجال تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها، وهو المجال الذي لم يقم فيه الأزهر بالدور المطلوب عالميًا، رغم اتساع رقعة العالم الإسلامي من شرق آسيا إلى الأمريكتين.

وتبرز كذلك أهمية دعم التعليم الإسلامي، سواء الجامعي أو ما قبله، في الدول التي تعاني من ضعف في هذا المجال، إلى جانب تعزيز دور البعثات الأزهرية، خاصة من خريجي كليات اللغات والترجمة، وتطوير خبراتهم من خلال الانفتاح على تجارب تعليمية وبحثية مختلفة.

ومن القضايا المهمة التي يثيرها الكتاب أيضًا ضرورة توسيع نطاق اللغات التي تُدرّس في الأزهر، بما يشمل لغات الشعوب الإسلامية المختلفة، في ظل غياب بعض هذه اللغات عن مؤسساته التعليمية.

كما يكشف عن فجوة واضحة في الدراسات الأزهرية المتعلقة بتاريخ علاقات الأزهر بشعوب العالم الإسلامي، سواء من خلال توثيق تجارب الطلاب الوافدين أو بعثات علماء الأزهر إلى الخارج، وهي فجوة تحتاج إلى جهود مؤسسية لسدها.

ومن اللافت أن المصادر الصينية تناولت هذه البعثات بتفصيل، في مقابل غياب شبه تام للدراسات العربية في هذا المجال، ما يستدعي تحرك مؤسسات مثل المنظمة العالمية لخريجي الأزهر ومكتبة الأزهر الشريف لتوثيق هذا التاريخ.

وأخيرًا، فإن غياب الدور المؤسسي للأزهر في تعليم العربية عالميًا فتح المجال لجهات متعددة لتقديم مناهج مختلفة، وهو ما يستدعي التفكير في إنشاء إطار عالمي موحد لتعليم اللغة العربية، على غرار التجارب الدولية الناجحة، بما يواكب مكانة اللغة وأهميتها.

ـ المصدر: الكاتب الصحفي مجدي سعيد

التخطي إلى شريط الأدوات