مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في خطوة تُعد تحولًا نوعيًا في مسار العمل الإسلامي المؤسسي، أُعلن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا عن تأسيس مجلس شباب المسلمين في العاصمة أديس أبابا، بوصفه امتدادًا مباشرًا لمسار متدرّج بدأ بمشاركة الشباب في انتخابات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا خلال العام الماضي، ثم بناء إطار شبابي مركزي على مستوى البلاد ثم محلي على مستوى الأقاليم والمدن، يعكس توجهًا مؤسسيًا جديدًا لإشراك الشباب في تحمّل المسؤولية.
سياق التأسيس: من الانتخابات إلى البناء المؤسسي الشامل
وقد مثل إدماج الشباب في انتخابات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا في أغسطس 2025م سابقة لافتة في تاريخ المؤسسة، إذ انتقل الشباب من موقع المتلقّي إلى موقع الشريك في العملية الانتخابية وصناعة التمثيل، وهو ما أفرز واقعًا تنظيميًا جديدًا قاد إلى تأسيس المجلس المركزي لشباب المسلمين في إثيوبيا، باعتباره منصة جامعة لتنظيم الطاقات الشبابية وتوجيهها ضمن الإطار المؤسسي الرسمي.
ومن هذا السياق المركزي، جاء تأسيس مجلس شباب المسلمين في أديس أبابا كخطوة عملية لترجمة الرؤية إلى مستوى محلي في العاصمة، بما يعزز الارتباط بين الشباب والمؤسسات الدينية، ويضمن حضورهم الفاعل في قضايا المجتمع والدولة.
رؤية رسمية: مسؤولية دينية ووطنية
وفي كلمة خلال مراسم التأسيس، أكد رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا فضيلة الدكتور الشيخ الحاج إبراهيم طوفة أن إشراك الشباب في العمل المؤسسي يعكس مسؤولية دينية ووطنية، ويهدف إلى إعداد جيل واعٍ بدينه، ومنخرط إيجابيًا في خدمة وطنه، مشيرًا إلى أن التجربة الشبابية في الأقاليم أظهرت قدرة واضحة على تحمّل الأمانة والعمل المنظم.
وأوضح أن تأسيس المجالس الشبابية في مختلف أنحاء البلاد يأتي ضمن رؤية طويلة المدى لتجديد العمل الإسلامي وضمان استدامته، عبر تمكين الشباب من مواقع الفعل والمبادرة.
محطة تاريخية في مسار صناعة قيادات شابة
من جانبه، وصف رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في أديس أبابا الشيخ سلطان حاج أمان إيبا يوم التأسيس بأنه محطة تاريخية في مسار صناعة قيادات شابة قادرة على الإسهام في التنمية الوطنية، مؤكدًا أن المؤسسات الإسلامية تعمل على تحديث هياكلها وخدماتها بما يواكب متطلبات العصر.
كما أكدت عمدة مدينة أديس أبابا السيدة أدانِتش أبيبي دعم إدارة المدينة لمبادرات الشباب المنظّمة، معتبرة أن التزامهم بالقيم الدينية والعمل المؤسسي يعكس استعدادهم للمشاركة الإيجابية في تنمية العاصمة والدولة.
ثمرة نضال طويل للمجتمع المسلم من أجل حقوقه التنظيمية
بدوره، شدد رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إقليم أوروميا الشيخ غالي إيبا على أن تأسيس مجالس الشباب هو ثمرة نضال طويل للمجتمع المسلم من أجل حقوقه التنظيمية، فيما أوضح رئيس مجلس شباب المسلمين في إثيوبيا الأستاذ حيدر خضر أن المجلس المركزي أكمل عامه الأول، ويعمل على رفع الوعي الديني وتعزيز المواطنة الإيجابية لدى الشباب، بالتعاون مع مختلف مكونات المجتمع.
خلاصة المشهد
ويُنظر إلى تأسيس مجلس شباب المسلمين في أديس أبابا بوصفه حلقة أساسية في مسار مؤسسي متكامل، بدأ بالمشاركة الشبابية في الانتخابات، وتكرّس بتأسيس المجلس المركزي، ثم تُوّج بإنشاء المجالس المحلية، في إطار توجه واضح لإشراك الشباب في المسؤولية، وتجديد العمل الإسلامي، وتعزيز الشراكة مع الدولة، بما يخدم الاستقرار والتنمية ويعكس حضورًا إيجابيًا للمجتمع المسلم في إثيوبيا.
المسلمون في إثيوبيا
وبحسب دراسة نشرتها مجلة قراءات إفريقية على موقعها الإلكتروني في 2 نوفمبر 2025، يُشكّل المسلمون في إثيوبيا ثاني أكبر جماعة دينية بعد المسيحية، بنسبة تتجاوز 35% من إجمالي السكان وفق بعض التقديرات، بينما تشير تقديرات غير رسمية إلى أن نسبتهم الفعلية قد تكون أعلى من ذلك بكثير.
وتتركز الكثافة السكانية للمجتمع المسلم بصورة واضحة في أقاليم عفر والصومال، حيث يُشكّلون أغلبية سكانية، إلى جانب حضور واسع ومؤثر في إقليم أوروميا وجامبيلا، مع وجود أقلية معتبرة في إقليمي أمهرة وتيجراي، بما يعكس الامتداد الجغرافي والتاريخي العميق للمجتمع المسلم داخل النسيج الوطني الإثيوبي.
المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا (EIASC)
ويعد المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا (EIASC) الهيئة الدينية المركزية التي تمثّل المجتمع المسلم في البلاد. تأسس عام 1975م عقب الثورة الإثيوبية، ونال اعترافًا قانونيًا أوليًا عام 2012م بعد عقود من التهميش، قبل أن يُنظَّم وضعه بوصفه كيانًا قانونيًا اتحاديًا مكتمل الصلاحيات بموجب الإعلان رقم 1207 لسنة 2020، ليمثّل المصالح الدينية والتنموية للمجتمع المسلم على المستوى الاتحادي، مع وجود فروع ومكاتب تمثيلية في جميع الأقاليم والولايات الإقليمية في البلاد.
انتخابات أغسطس 2025م محطة مفصلية غير مسبوقة في تاريخ مسلمي إثيوبيا
وقد شهدت إثيوبيا في أغسطس 2025م محطة مفصلية غير مسبوقة في تاريخ المجتمع المسلم، مع تنظيم أول انتخابات عامة لاختيار ممثلي المسلمين في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا. ووفقًا للدراسة ذاتها، شارك في هذه العملية أكثر من 13 مليون مسلم إثيوبي، على مدى ثلاثة أيام متتالية، شملت جميع أقاليم البلاد، حيث جرى اعتماد ما يزيد على 49 ألف مسجد بوصفها مراكز اقتراع.
وأسفرت الانتخابات عن اختيار 19 من كبار العلماء والقادة الدينيين، إلى جانب 120 عضوًا يمثلون مختلف الأقاليم والولايات الإقليمية، في خطوة عكست انتقالًا نوعيًا من مرحلة التهميش التاريخي إلى التمثيل المؤسسي الحقيقي للمجتمع المسلم.
وأكد الشيخ إبراهيم توفا، رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا، أن هذه الانتخابات تمثل تحولًا تاريخيًا في مسار المسلمين الإثيوبيين، وتجسيدًا عمليًا لحقهم في اختيار قيادتهم الدينية بصورة شفافة، بعد عقود من التحديات المرتبطة بإثبات الحقوق الدينية والهوية داخل الإطار الوطني العام.







