مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في مشهد يعكس تعقيدات العلاقة بين الدولة والأقليات الدينية، تعود قضية «مسجد تشينار» في مدينة إسكجه، الواقعة شمال شرق اليونان ضمن منطقة تراقيا الغربية، لتسلّط الضوء على صراع أعمق يتجاوز حدود نزاع قانوني، ليصل إلى سؤال جوهري: من يملك حق إدارة الشؤون الدينية للمسلمين، الدولة أم المجتمع نفسه؟
تفاصيل القضية ومسارها القضائي
في هذا السياق، نظرت محكمة إسكجه اليوم 27 مارس 2026 قضية «مسجد تشينار»، وسط حضور واسع وإجراءات أمنية مشددة، قبل أن تقرر تأجيلها إلى 5 يونيو المقبل لاستكمال دراسة الملف. وقد شهد محيط المحكمة تجمعًا كبيرًا من أبناء الأقلية المسلمة، إلى جانب شخصيات دينية وسياسية، من بينهم مفتي إسكجه فضيلة الشيخ مصطفى ترامبا، ونواب عن الأقلية، وممثلون عن مؤسساتها، إضافة إلى محامين قدموا دعمًا للقضية.
كما وجّه المتهمون في القضية رسالة واضحة قبيل الجلسة، أكدوا فيها أن ما يجري لا يتعلق بأشخاص بعينهم، بل يرتبط بحق المجتمع المسلم في اختيار قياداته الدينية وإدارة مؤسساته، في إشارة مباشرة إلى جوهر الخلاف القائم.
جذور الصراع.. المفتي بين التعيين والانتخاب
تعود جذور الأزمة إلى خلاف طويل بين الدولة اليونانية والأقلية المسلمة في تراقيا الغربية حول آلية اختيار المفتي. ففي حين تعتمد الدولة نظام التعيين، ترى الأقلية أن المفتي يجب أن يُنتخب من داخل المجتمع باعتباره مرجعية دينية، لا وظيفة إدارية.
وقد أدى هذا التباين إلى وجود ازدواجية في المرجعيات الدينية، حيث يتمسك جزء كبير من المجتمع بالمفتين المنتخبين، مقابل اعتراف الدولة بالمفتين المعينين، ما خلق حالة من التوتر المستمر في إدارة المساجد والمؤسسات الدينية.
«مسجد تشينار».. من حادثة محلية إلى رمز عام
في هذا الإطار، لم تعد قضية «مسجد تشينار» مجرد نزاع حول إدارة مسجد، بل تحولت إلى رمز للصراع الأوسع حول الاستقلال الديني. فالأحداث المرتبطة بالمسجد تعكس رفض جزء من المجتمع لما يعتبره تدخلًا في شؤونه الدينية، وتمسكه بحقه في إدارة مؤسساته وفق إرادته.
ولهذا، أكد مفتي إسكجه مصطفى ترامبا أن «المحاكمة لا تطال أربعة أشخاص فقط، بل تمس وجود الأقلية وحقوقها الأساسية»، في تعبير يعكس حجم الحساسية التي تحيط بالقضية.
البعد الدولي للملف
تستند الأقلية المسلمة في مطالبها إلى اتفاقيات دولية، أبرزها اتفاقية لوزان لعام 1923، التي تكفل لها حقوقًا دينية وإدارية، بما في ذلك إدارة شؤونها الخاصة. وترى أن أي مساس بهذه الحقوق يمثل خرقًا للالتزامات الدولية.
في المقابل، تؤكد الدولة حقها في تنظيم الشأن الديني ضمن إطارها القانوني، ما يضع القضية في تقاطع معقد بين السيادة الوطنية والالتزامات الدولية.
مرحلة حساسة واحتمالات مفتوحة
يأتي هذا التصعيد في وقت حساس، حيث تخشى الأوساط المجتمعية من أن تؤدي مثل هذه القضايا إلى تعميق الفجوة بين الدولة والأقلية، خاصة في ظل الخلفيات التاريخية التي لا تزال تلقي بظلالها على الواقع الحالي.
ومن هنا، تتجه الأنظار إلى جلسة 5 يونيو المقبلة، التي يُتوقع أن تشهد حضورًا واسعًا، في ظل دعوات للتكاتف والدفاع عن الحقوق في إطار القانون.
خاتمة
تكشف قضية «مسجد تشينار» عن أن الصراع لا يدور حول مكان أو أشخاص، بل حول مبدأ أساسي يتعلق بالهوية والحق في إدارة الشأن الديني. وبينما تستمر المعركة في أروقة القضاء، يبقى السؤال الأكبر مفتوحًا: هل يمكن الوصول إلى صيغة توازن بين سلطة الدولة وخصوصية المجتمع، بما يحفظ الحقوق ويعزز الاستقرار؟
ـ المصدر: مفتيّة إسكجه

