مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في مشهدٍ يعكس عمق التاريخ وقوة الهوية، تكشف جبال رودوب جنوب بلغاريا عن واحدة من أبرز القصص الإنسانية في أوروبا، حيث تعيش مجتمعات مسلمة حافظت على دينها وتقاليدها رغم قرون من التحولات السياسية والضغوط الاجتماعية، لتقدم نموذجًا حيًا لاستمرارية الإسلام في قلب القارة الأوروبية.
توثيق إعلامي.. فيلم يعيد اكتشاف قصة منسية
يسلط فيلم وثائقي بعنوان The Forgotten Muslim Fairytale of the European Mountains الضوء على هذه المجتمعات من خلال رحلة بصرية داخل جبال رودوب، حيث يوثق حياة المسلمين وتقاليدهم وصمودهم. وقد أنتجته قناة Village Earth على منصة يوتيوب، مقدمًا صورة مختلفة عن المسلمين في أوروبا بعيدًا عن الصور النمطية السائدة.
جبال رودوب.. العزلة الجغرافية التي حفظت الهوية
تقع جبال رودوب في جنوب بلغاريا قرب الحدود مع اليونان، وتُعد من أكثر المناطق الجبلية وعورة وكثافة غابية، ما جعل القرى المنتشرة فيها شبه معزولة عن المراكز الحضرية. هذه العزلة لعبت دورًا محوريًا في الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية للسكان.
وتظهر المظاهر الإسلامية بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يُرفع الأذان، وتُقام الصلوات جماعة، ويتلقى الأطفال تعليمهم الديني في كتاتيب المساجد، ضمن بيئة بسيطة ومستقرة تعكس التمسك بالقيم الإسلامية.
المسلمون في بلغاريا.. أرقام وتركيبة سكانية
يشكّل المسلمون في بلغاريا ما بين 10 إلى 13 في المئة من إجمالي السكان، ويتوزعون بين الأتراك البلغار، والبوماك من أصول سلافية، إضافة إلى الغجر المسلمين.
ويمثل البوماك حالة فريدة تجمع بين الانتماء العرقي البلغاري والهوية الإسلامية، حيث اعتنقوا الإسلام خلال فترة الحكم العثماني التي امتدت لنحو خمسة قرون، ولا تزال آثارها الثقافية والدينية حاضرة حتى اليوم.
ريبنوفو.. تراث إسلامي يتحول إلى هوية متوارثة
تقع قرية ريبنوفو في جنوب غرب بلغاريا، ويبلغ عدد سكانها نحو 2500 نسمة، وتضم مسجدين، وتُعد من أبرز القرى التي حافظت على تقاليدها الإسلامية.
وتشتهر بطقوس زفاف فريدة تُقام في فصل الشتاء، حيث تُزيَّن العروس بطريقة تقليدية خاصة، وتُعقد مراسم الزواج وفق أحكام الشريعة الإسلامية. وقد عادت هذه التقاليد إلى الظهور بعد أن كانت محظورة خلال الحقبة الشيوعية، وأصبحت اليوم جزءًا من التراث الثقافي غير المادي في البلاد.
ساتوفجا.. التعليم الديني وحضور الإسلام في الحياة اليومية
تقع قرية ساتوفجا على بُعد نحو 205 كيلومترات جنوب العاصمة صوفيا، ويبلغ عدد سكانها حوالي 2100 نسمة، وتضم مسجدًا كبيرًا يؤدي دورًا دينيًا وتعليميًا محوريًا.
ويتعلم السكان قراءة القرآن واللغة العربية، وتُقام المناسبات الدينية بشكل جماعي، فيما يظهر الالتزام الديني في أنماط اللباس والعادات اليومية، ما يعكس ترابط المجتمع حول القيم الإسلامية.
الجذور التاريخية.. من العثمانيين إلى مرحلة القمع
دخل الإسلام إلى بلغاريا في القرن الرابع عشر مع التوسع العثماني، وأصبح جزءًا من البنية الثقافية والاجتماعية للمنطقة لمدة تقارب 500 عام.
لكن بعد استقلال بلغاريا عام 1878، واجه المسلمون مرحلة من التضييق شملت تدمير بعض المساجد وتهجير أعداد كبيرة، إلى جانب سياسات هدفت إلى طمس الهوية الإسلامية.
وخلال الحقبة الشيوعية، وصلت هذه السياسات إلى ذروتها، حيث مُنعت الممارسات الدينية، وأُغلقت المساجد، وفُرض تغيير الأسماء الإسلامية، في محاولة لفرض هوية بديلة على المجتمع المسلم.
ما بعد الشيوعية.. استعادة الحرية الدينية
مع سقوط النظام الشيوعي، استعاد المسلمون في بلغاريا حريتهم الدينية تدريجيًا، حيث أُعيد فتح المساجد، واستؤنف التعليم الديني، وبدأت المؤسسات الإسلامية في استعادة دورها داخل المجتمع.
تحديات الحاضر.. بين القانون والواقع
رغم أن بلغاريا عضو في الاتحاد الأوروبي الذي يضمن حرية الدين، فإن الواقع يشير إلى استمرار بعض التحديات، مثل الصور النمطية في الإعلام، وصعوبات تتعلق بالمظاهر الدينية، إضافة إلى نقاشات مستمرة حول التعليم الديني واللغة العربية.
خاتمة: هوية ثابتة في قلب أوروبا
تعكس قصة المسلمين في جبال بلغاريا حقيقة أن الهوية الدينية يمكن أن تصمد أمام التحولات والضغوط، وأن الإسلام في أوروبا ليس مجرد حضور محدود، بل امتداد تاريخي وثقافي عميق.
وفي تلك القرى الجبلية، يظل الأذان يُرفع، والقرآن يُتلى، والتقاليد تُحفظ، في مشهد يؤكد أن الإيمان قد يُحاصر لكنه لا يندثر.
ـ المصدر: قناة Village Earth على يوتيوب