مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
مع حلول شهر رمضان من كل عام، تتجدد في بلغاريا واحدة من أهم المبادرات الدينية والتعليمية التي تعكس وعي المجتمع بأهمية بناء الإنسان قبل العمران، إذ تتصدر الحملة الوطنية لدعم التعليم الإسلامي المشهد باعتبارها الركيزة الأساسية لاستمرار برامج تعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية في مساجد البلاد.
أولوية استراتيجية في رؤية دار الإفتاء
تؤكد دار الإفتاء العامة في بلغاريا أن التعليم الإسلامي، وفي مقدمته دورات القرآن الكريم في كتاتيب المساجد، يمثل أولوية قصوى في خطتها السنوية، إدراكًا لأثره العميق في ترسيخ الهوية الدينية وتعزيز القيم الأخلاقية لدى النشء. ومن هنا تأتي أهمية الحملة الرمضانية بوصفها المصدر الداعم الرئيس لهذه الجهود، حيث تُوجَّه التبرعات مباشرة إلى تمويل البرامج التعليمية وإعداد المناهج وتأهيل الكوادر.
الكتاتيب.. مدارس الإيمان والعلم
تُعد كتاتيب المساجد في مختلف مدن وبلدات بلغاريا الحاضنة الأولى لتعليم الأطفال أساسيات الإسلام، إذ يتلقى الصغار مبادئ العقيدة والعبادات والسلوك الإسلامي، إلى جانب تعلم أحكام تلاوة القرآن الكريم وحفظ ما يتيسر لهم من آياته. ويضطلع بالتدريس أئمة المساجد، ومعلمو ومعلمات الدين الإسلامي، إضافة إلى الشيخات المتخصصات في تعليم الفتيات، في منظومة تعليمية متكاملة تراعي خصوصية المجتمع واحتياجاته.
مرحلتان تعليميتان على مدار العام
تُنظم دورات القرآن الكريم على مرحلتين أساسيتين:
المرحلة الشتوية: تمتد 18 أسبوعًا، وتُعقد خلال عطلات نهاية الأسبوع، بما يتيح للطلبة الجمع بين الدراسة النظامية والتعليم الديني.
المرحلة الصيفية المكثفة: تستمر شهرين خلال العطلة الصيفية، وتُعد المرحلة الأهم والأوسع مشاركة، حيث تتكثف فيها الحصص التعليمية والأنشطة التربوية، وتختتم بمسابقات تصفية تبدأ على مستوى كل مسجد، ثم المدينة والمقاطعة، وصولًا إلى التصفيات النهائية على مستوى جميع مناطق بلغاريا.
أكثر من 10 آلاف مشارك في الدورات الصيفية
تشهد الدورات الصيفية مشاركة واسعة تتجاوز 10,000 طفل وطفلة سنويًا، في مشهد يعكس ثقة الأسر بهذه البرامج ووعيها بأهمية تحصين أبنائها بالعلم الشرعي الصحيح. وتمثل هذه الأعداد مؤشرًا واضحًا على الحضور القوي للتعليم الإسلامي في الحياة المجتمعية لمسلمي بلغاريا.
رمضان.. موسم دعم واستدامة
في هذا السياق، تبرز الحملة الرمضانية كرافعة مالية وتنظيمية تضمن استمرار هذه الدورات وتطويرها، إذ يُخصص جانب كبير من تبرعاتها لدعم كتاتيب المساجد، وطباعة المواد التعليمية، وتوفير المستلزمات اللوجستية، وتأهيل المعلمين والمعلمات.
وهكذا يتحول شهر رمضان من موسم للعبادة فحسب إلى محطة استراتيجية لترسيخ العلم وبناء الأجيال، في رسالة واضحة مفادها أن الاستثمار في تعليم القرآن الكريم هو استثمار في مستقبل المجتمع بأسره، وضمانة لاستمرار هويته وقيمه في بلغاريا.