فجوة تمويلية حادة وتقليص المساعدات ينذر بانهيار منظومة الدعم داخل المخيمات
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في تطور يعكس خطورة المرحلة التي تمر بها واحدة من أكبر أزمات اللجوء في العالم، يواجه أكثر من مليون من مسلمي الروهينجا في مخيمات كوكس بازار، الواقعة جنوب شرق بنغلاديش على الحدود مع ميانمار (بورما سابقًا)، تحديًا متصاعدًا يتمثل في تراجع الاهتمام الدولي وانخفاض التمويل الإنساني، ما يهدد بشكل مباشر استمرارية الخدمات الأساسية التي يعتمدون عليها يوميًا للبقاء.
أزمة ممتدة تتآكل مع الوقت
تؤكد المعطيات أن الأزمة، التي بدأت مع موجات النزوح الكبرى عام 2017 من إقليم أراكان (راخين) غرب ميانمار، لم تعد تحظى بالزخم الدولي ذاته، حيث تراجع الحضور الإعلامي والسياسي تدريجيًا، وهو ما انعكس مباشرة على حجم التمويل المخصص لها. ويُعرف هذا التحول بمصطلح “إرهاق المانحين”، وهو نمط يتكرر في الأزمات طويلة الأمد مع انتقال الاهتمام العالمي إلى أزمات أخرى.
فجوة تمويلية تهدد الاستجابة الإنسانية
تعتمد الاستجابة في كوكس بازار على خطة مشتركة تضم حكومة بنغلاديش ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وتغطي مجالات الغذاء والصحة والتعليم والمياه والمأوى. إلا أن هذه الخطة تعاني من نقص حاد في التمويل؛ إذ لم تحصل في عام 2025 إلا على نحو 35% من الاحتياجات بحلول منتصف العام، وارتفعت إلى حوالي 46% فقط بنهايته، ما يعني بقاء أكثر من نصف التمويل المطلوب دون تغطية.
هذا العجز المالي يفرض على الجهات الإنسانية اتخاذ قرارات صعبة، أبرزها تقليص البرامج أو إيقاف بعضها، وهو ما ينعكس مباشرة على حياة اللاجئين داخل المخيمات.
تقليص الغذاء والخدمات الأساسية
من أبرز آثار تراجع التمويل تقليص المساعدات الغذائية، إلى جانب تهديد خدمات حيوية مثل التعليم والرعاية الصحية والبنية التحتية للمياه والصرف الصحي. ويؤكد التقرير أن هذه التخفيضات لم تعد مجرد احتمالات، بل بدأت بالفعل في التأثير على الحياة اليومية داخل المخيمات.
اقتصاد البقاء تحت الضغط
لم تعد الأزمة مجرد قضية إنسانية، بل تحولت إلى ما يشبه “اقتصاد البقاء”، حيث تعتمد حياة اللاجئين بشكل شبه كامل على المساعدات الدولية. ومع تراجع التمويل، يصبح هذا النظام هشًا ومعرضًا للانهيار، ما يهدد الاستقرار داخل المخيمات ويؤثر أيضًا على المجتمعات المضيفة في بنغلاديش.
تراجع الاهتمام العالمي ومنافسة الأزمات
يرتبط انخفاض التمويل أيضًا بتزايد المنافسة بين الأزمات العالمية على الموارد المحدودة، إضافة إلى تراجع التغطية الإعلامية، وهو عامل رئيسي في تحفيز الدعم الدولي. ومع غياب الزخم، تتحول الأزمة تدريجيًا إلى “وضع اعتيادي” في نظر المجتمع الدولي، رغم استمرار معاناة اللاجئين.
عبء متزايد على بنغلاديش
تتحمل بنغلاديش عبئًا كبيرًا في استضافة هذا العدد الضخم من اللاجئين في منطقة كوكس بازار، التي تُعد من أفقر مناطق البلاد، في ظل محدودية الموارد الاقتصادية. ومع استمرار الأزمة دون حل سياسي في ميانمار، يصبح استمرار الدعم الدولي ضرورة حتمية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الإنساني والاجتماعي.
مخاطر مستقبلية مقلقة
يحذر التقرير من أن استمرار تراجع التمويل قد يؤدي إلى تداعيات خطيرة، تشمل تفاقم الفقر داخل المخيمات، وارتفاع معدلات الجريمة، وزيادة التوتر مع المجتمعات المحلية، فضلًا عن تهديد الاستقرار الإقليمي على المدى البعيد.
خاتمة تحليلية
تكشف أزمة مسلمي الروهينجا اليوم عن اختبار حقيقي لالتزام المجتمع الدولي بالقضايا الإنسانية طويلة الأمد، حيث لا يكفي التدخل في لحظة الذروة، بل يتطلب الأمر استمرارية في الدعم. ومع تراجع التمويل، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يترك العالم أكثر من مليون إنسان يواجهون مصيرهم في صمت؟