مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

ترينيداد وتوباغو.. مجتمع مسلم راسخ في قلب الكاريبي يعكس تاريخًا من الهجرة والتعايش

حضور إسلامي يمتد لقرون عبر المساجد والمؤسسات والمناسبات الرسمية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في أقصى جنوب البحر الكاريبي، تبرز جمهورية ترينيداد وتوباغو بوصفها واحدة من أبرز الدول التي تحتضن حضورًا إسلاميًا فاعلًا ومؤثرًا، رغم أن صورتها العالمية لا ترتبط عادة بالإسلام. ويكشف هذا البلد متعدد الثقافات عن مجتمع مسلم متجذر تاريخيًا، نجح في الحفاظ على هويته الدينية وترسيخ حضوره المؤسسي، في نموذج يعكس التعايش الديني والتنوع الحضاري في المنطقة.

ترينيداد وتوباغو.. دولة كاريبية متعددة الثقافات

تقع جمهورية ترينيداد وتوباغو في أقصى جنوب البحر الكاريبي، قبالة الساحل الشمالي الشرقي لفنزويلا في قارة أمريكا الجنوبية، وتتكون من جزيرتين رئيسيتين هما ترينيداد وتوباغو. وتعد العاصمة بورت أوف سبين، الواقعة في شمال غرب جزيرة ترينيداد، المركز السياسي والإداري والاقتصادي للدولة، وتشكل محور إدارة مؤسساتها الرسمية والحياة العامة فيها.

ويبلغ عدد سكان البلاد نحو 1.4 مليون نسمة، في مجتمع يتميز بتنوعه العرقي والديني نتيجة موجات الهجرة التاريخية من إفريقيا وشبه القارة الهندية والشرق الأوسط، ما أسهم في بناء نسيج اجتماعي متعدد الثقافات. وتعتمد البلاد نظامًا جمهوريًا ديمقراطيًا برلمانيًا منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1962، قبل أن تعلن قيام الجمهورية رسميًا عام 1976، فيما تُعد اللغة الإنجليزية اللغة الرسمية للدولة.

وتستند البلاد اقتصاديًا بشكل رئيسي إلى قطاعي النفط والغاز الطبيعي، ما يجعلها من أبرز الاقتصادات في منطقة الكاريبي، إلى جانب دور مهم لقطاعات الصناعة والسياحة. ويشكل الإسلام ثالث أكبر ديانة في البلاد، مع حضور ديني ومؤسسي يعكس عمق الجذور الإسلامية واستمرار دور المسلمين في الحياة الدينية والاجتماعية.

جذور تاريخية ممتدة منذ القرن الثامن عشر

يرجع وجود الإسلام في ترينيداد وتوباغو إلى موجات تاريخية متعاقبة، كان أبرزها وصول مسلمين من غرب إفريقيا خلال أواخر القرن الثامن عشر ضمن حقبة الاستعمار الأوروبي وتجارة الرقيق عبر الأطلسي، حيث حافظ هؤلاء على عقيدتهم وأسهموا في إدخال الإسلام إلى الجزيرة.

وفي منتصف القرن التاسع عشر، وصلت موجة أخرى من المسلمين القادمين من شبه القارة الهندية ضمن نظام العمالة التعاقدية للعمل في مزارع قصب السكر والكاكاو، وأسهموا في ترسيخ البنية الدينية من خلال بناء المساجد وتأسيس المؤسسات التعليمية الإسلامية.

كما تشير روايات تاريخية محلية إلى احتمال وجود تأثيرات إسلامية أقدم بين السكان الأصليين، ما يعكس عمق الامتداد التاريخي للإسلام في البلاد قبل تشكل الدولة الحديثة.

حضور ديني ومؤسسي فاعل

يمثل المسلمون نسبة معتبرة من سكان البلاد، ما يجعلهم من أبرز التجمعات الإسلامية في منطقة الكاريبي. وتنتشر المساجد في مختلف المدن، ومن أبرزها مسجد نور الإسلام في منطقة سان خوان، إضافة إلى المسجد الجامع في العاصمة بورت أوف سبين، الذي تأسس عام 1942 ويعد من أقدم وأهم المراكز الإسلامية في البلاد.

وتؤدي المساجد دورًا يتجاوز إقامة الشعائر، حيث تشكل مراكز للتعليم الديني والعمل الاجتماعي، خاصة خلال شهر رمضان، حيث تُنظم موائد الإفطار الجماعية وتُقام الأنشطة الدينية، بما يعزز روح التضامن والتماسك داخل المجتمع المسلم.

بيئة تحترم الهوية الإسلامية

يعيش المسلمون في ترينيداد وتوباغو في بيئة تتسم بالاحترام والتسامح، تتيح لهم ممارسة شعائرهم الدينية بحرية وطمأنينة. ويعكس اعتماد عيد الفطر عطلة رسمية في البلاد اعترافًا رسميًا بمكانة الإسلام، كما يتوفر الطعام الحلال على نطاق واسع، ما يسهم في تسهيل التزام المسلمين بتعاليم دينهم.

ويعزز هذا الواقع الشعور بالانتماء والاستقرار، ويؤكد نجاح المسلمين في الاندماج الإيجابي مع الحفاظ على هويتهم الدينية.

نموذج عالمي للتعايش الإسلامي

تقدم ترينيداد وتوباغو نموذجًا مميزًا للحضور الإسلامي في البيئات متعددة الثقافات، حيث نجح المسلمون في بناء مؤسساتهم الدينية والحفاظ على هويتهم، مع المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.

ويؤكد هذا الواقع أن الإسلام يمتد حضوره إلى مختلف أنحاء العالم، وأن المجتمعات المسلمة قادرة على الحفاظ على هويتها وتعزيز دورها الحضاري، حتى في أبعد مناطق البحر الكاريبي، في صورة تعكس عالمية الإسلام وقدرته على التعايش مع مختلف الثقافات.

ـ المصدر: قناة Philippe Nesser على يوتيوب
التخطي إلى شريط الأدوات