مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في مشهد يعكس نضجًا مؤسسيًا في إدارة الشأن الديني، يتجلى رمضان تشاد هذا العام بوصفه تجربة واعية لتوحيد الخطاب وتعزيز الاستقرار المجتمعي. ومن العاصمة نجامينا، الواقعة في غرب البلاد على ضفاف نهر شاري، رسم المجلس الوطني للشؤون الإسلامية بجمهورية تشاد إطارًا منضبطًا لمسار المنبر والإعلام خلال الشهر الفضيل، بما يعزز وحدة الصف في مجتمع ذي أغلبية مسلمة.
اللقاء التوجيهي الموسع الذي جمع قيادات ورموز العمل الإسلامي من مختلف الهيئات الدعوية لم يكن مناسبة بروتوكولية، بل محطة تنظيمية لتحديد أولويات الخطاب في موسم تتضاعف فيه كثافة الرسائل وتأثيرها في المجتمع.
رمضان تشاد.. الكلمة أمانة والمسؤولية مضاعفة
أكد رئيس المجلس الوطني للشؤون الإسلامية بجمهورية تشاد فضيلة الشيخ الدكتور عبدالدائم عبدالله عثمان أن “المنبر أمانة والكلمة مسؤولية”، مشددًا على أن الدعوة ليست مجالًا لإحياء الخصومات أو بث الكراهية، بل وسيلة لبناء الإنسان وترسيخ الأخلاق.
وفي هذا السياق، حدد المجلس ثلاثة مرتكزات رئيسية للخطاب خلال رمضان:
الابتعاد التام عن خطاب الكراهية وكل ما يغذي الانقسام.
تجنب المسائل الخلافية التي لا يترتب عليها عمل حفاظًا على وحدة الصف.
تقديم فقه الأولويات عبر خطاب يعزز الإيمان والأخلاق ويقوي التماسك المجتمعي.
هذه المحددات تعكس إدراكًا بأن رمضان ليس مجرد موسم وعظي، بل مرحلة يتشكل فيها المزاج العام، وتُعاد فيها صياغة الأولويات الدينية والاجتماعية.
الإعلام الديني في صلب المعادلة
لم يقتصر ضبط الخطاب على المنابر التقليدية، بل شمل وسائل الإعلام الديني من إذاعات وقنوات ومنصات رقمية. فقد شدد المجلس على ضرورة تحري المسؤولية في نشر المحتوى، وعدم إتاحة المجال لمن يفتقر إلى التأهيل العلمي، مؤكدًا أن الإعلام الديني شريك أساسي في صناعة الوعي العام.
ويعكس هذا التوجه فهمًا عميقًا لطبيعة العصر الرقمي، حيث تتجاوز الكلمة حدود المسجد لتصل إلى جمهور أوسع، ما يضاعف أثرها إيجابًا أو سلبًا.
ترسيخ المرجعية ومنع تضارب التصريحات
في خطوة تنظيمية واضحة، أكد المجلس منع إصدار أي تصريحات أو بيانات ذات طابع ديني خارج إطاره القانوني، في مسعى لضمان اتساق الرسائل وتفادي تضارب الآراء في موسم تزداد فيه حساسية الخطاب الديني.
وتُقرأ هذه الخطوة باعتبارها سعيًا لترسيخ مرجعية موحدة تمنح المشهد الديني وضوحًا وانضباطًا، وتعزز الثقة بين المؤسسة الدينية والجمهور.
رمضان مدرسة أخلاق وبناء
الرسالة الأبرز التي حملها اللقاء تمثلت في توصيف رمضان بأنه “مدرسة أخلاق لا ساحة صراع، وشهر بناء الإنسان لا هدم الأوطان”. وهي رؤية تضع الشهر الفضيل في إطار مشروع إصلاح مجتمعي يعزز الاعتدال ويكرس قيم التضامن.
كما أشار المجلس إلى متابعة القيادة العليا في البلاد للشأن الديني، بما يعكس تكاملًا بين البعد الديني والوطني في الحفاظ على الاستقرار.
قراءة ختامية
رمضان تشاد هذا العام يتجاوز البعد الشعائري إلى كونه نموذجًا لإدارة واعية للخطاب الديني في مجتمع ذي أغلبية مسلمة. إنه مسار يسعى إلى تحويل الشهر الفضيل إلى مساحة جامعة تضبط الكلمة، وتوحد المرجعية، وتعزز السلم المجتمعي.
وفي زمن تتسارع فيه الرسائل وتتعدد المنابر، تبدو التجربة التشادية محاولة جادة لجعل رمضان محطة بناء حقيقية، حيث تتحول الكلمة من احتمال خلاف إلى جسر وحدة.



