مؤسس منظومة المدارس العربية والإسلامية في جامبيا.. أكثر من 2000 مدرسة تحت مظلة واحدة
مسلمون حول العالم ـ متابعات
بقلم الدكتور مجدي سعيد
يمتلئ تاريخ الأمة الإسلامية بشخصيات عملت في صمت بعيدًا عن الأضواء، وأسهمت في بناء جسور العلم والدعوة في مناطق نائية من العالم، دون أن تنال ما تستحقه من التوثيق أو الاهتمام الإعلامي. ومن بين هذه الشخصيات الشيخ عمر حسين خريس الذي أمضى ما يقرب من نصف قرن في خدمة التعليم العربي والإسلامي في دولة جامبيا الواقعة في غرب أفريقيا.

وُلد الشيخ عمر خريس عام 1951 في مخيم المغازي شمال شرق قطاع غزة، لعائلة فلسطينية هُجرت من قرية قسطينة الواقعة على السهل الساحلي بين غزة والرملة بعد احتلالها عام 1948. نشأ في المخيم، قبل أن يسافر لاحقًا إلى المملكة العربية السعودية لمواصلة دراسته، حيث التحق بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، وتخرج فيها عام 1976.
وفي تلك الفترة كانت الجامعة الإسلامية توفد خريجيها إلى عدد من البلدان للعمل في الدعوة والتعليم، وبتشجيع من الشيخ عبد العزيز بن باز كان نصيب الشيخ عمر خريس أن يُبتعث إلى جامبيا في غرب أفريقيا.
كانت جامبيا قد حصلت على استقلالها من بريطانيا عام 1965، وكانت عند وصول الشيخ خريس تحت حكم الرئيس داودا جاوارا. وكانت اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية السائدة، ورغم أن غالبية السكان يدينون بالإسلام، فإن التعليم الديني والعربي كان محدودًا ويحتاج إلى من ينهض به.

بدأ الشيخ عمر خريس عمله في تعليم الدين واللغة العربية وتحفيظ القرآن الكريم من تحت الأشجار، حيث كان يجتمع حوله الأطفال والكبار لتعلم القرآن واللغة العربية. وبعد عامين فقط استطاع تأسيس مدرسة صغيرة، ومع مرور السنوات توسعت هذه المبادرة لتصبح شبكة من المدارس.
ومع توسع النشاط التعليمي، أسس الشيخ عمر خريس عام 1996 «الأمانة العامة للمدارس العربية والإسلامية»، لتكون المظلة المنظمة لهذا النوع من المدارس في جامبيا. وتتولى هذه المؤسسة منح تراخيص إنشاء المدارس، ووضع الأطر التنظيمية والمناهج التعليمية، وتشرف اليوم على ما يقارب 2000 مدرسة في أنحاء البلاد.
كما أسهم الشيخ خريس وتلامذته في تأسيس عشرات المساجد، وكان لنشاطه الدعوي دور في إسلام الآلاف من السكان، وتخرج على يديه طلاب أصبحوا لاحقًا شخصيات مؤثرة في مختلف مجالات الحياة داخل جامبيا.
وتقديرًا لدوره الكبير في نشر التعليم وخدمة المجتمع، منحه الرئيس الجامبي الثاني يحيى جامع الجنسية الجامبية، وقال له حينها: «أنت جامبي أكثر منا»، كما منحته الدولة تسهيلات واسعة للحصول على الأراضي اللازمة لبناء المدارس والمؤسسات التعليمية.
ورغم هذا الأثر الكبير، ظل اسم الشيخ عمر خريس بعيدًا عن الضوء الإعلامي العربي طوال عقود. وفي صباح الخميس 19 فبراير 2026 الموافق الأول من رمضان 1447هـ، توفي الشيخ في العاصمة الجامبية بانجول، حيث شيّع جثمانه في اليوم نفسه من مسجد «لاتري كوندا جامان».
وتأتي هذه القصة ضمن سلسلة «نقاط مضيئة» التي يكتبها الدكتور مجدي سعيد، وهي سلسلة تسعى إلى إبراز نماذج إنسانية ملهمة من أبناء الأمة الإسلامية الذين عملوا في صمت بعيدًا عن الأضواء، وتركوا أثرًا عميقًا في مجتمعاتهم، خاصة في مناطق بعيدة من العالم الإسلامي. وتهدف السلسلة إلى توثيق تجارب هؤلاء الرواد الذين أفنوا أعمارهم في خدمة التعليم والدعوة وبناء المؤسسات، إيمانًا بأن حفظ هذه التجارب يمثل جزءًا من الذاكرة الحضارية للأمة، وأن قصصهم قادرة على إلهام الأجيال الجديدة وتسليط الضوء على الأدوار التي قام بها المسلمون في مختلف أنحاء العالم.