مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

جامع البازار في جيروكاسترا.. أهم معلم إسلامي أثري في جنوب ألبانيا

يعد جامع البازار الأثري في جيروكاسترا شاهدًا حيًا على التراث الإسلامي في المدينة الحجرية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في قلب مدينة جيروكاسترا التاريخية جنوب جمهورية ألبانيا، يقف جامع البازار شاهدًا معماريًا نادرًا على حضور الإسلام في هذه المدينة العثمانية العريقة، حيث يلتقي التاريخ بالدين والعمارة في أحد أبرز معالم التراث الثقافي في البلاد. ويكتسب المسجد أهميته من موقعه في مقدمة السوق القديم، ومن كونه المسجد الوحيد في المدينة الذي نجا من موجة التدمير التي طالت دور العبادة خلال الحقبة الشيوعية، ليبقى اليوم معلمًا دينيًا وتاريخيًا يقصده المصلون والسياح على حد سواء.

المسجد داخل المنطقة التاريخية في مقدمة السوق القديم

يقع جامع البازار في مدينة جيروكاسترا الواقعة في جنوب ألبانيا، داخل المنطقة التاريخية المعروفة بالسوق القديم، وتحديدًا في موقع يُعرف محليًا باسم «رأس السوق»، وهو المدخل المرتفع للسوق التقليدي الذي شكّل عبر قرون مركز الحياة التجارية في المدينة.

وقد بُني المسجد في الجانب الغربي من السوق فوق أرض منحدرة، وهو ما يتوافق مع الطابع العمراني للمدينة التي تنتشر مبانيها الحجرية على سفوح الجبال. ويتميز المسجد بانسجام معماري واضح مع محيطه من متاجر السوق العثماني، حيث تتكامل كتلته المعمارية مع المباني المجاورة في مشهد حضري متماسك يعكس تخطيط المدينة التاريخي.

أحد أبرز المساجد التي شُيّدت في جيروكاسترا خلال القرن الثامن عشر

تشير الكتابة التأسيسية الموجودة فوق مدخل المسجد إلى أن بناءه يعود إلى عام 1754–1755م (1168هـ)، وهو ما يجعله أحد أبرز المساجد التي شُيّدت في جيروكاسترا خلال القرن الثامن عشر.

لكن الرحالة والمؤرخ العثماني الشهير أوليا جلبي كان قد أشار إلى هذا المسجد عند زيارته جيروكاسترا عام 1672، حيث ذكره باسم «جامع مِمّي بك»، وهو الاسم التاريخي الذي ظل معروفًا به في المصادر القديمة؛ وهو ما يفتح الباب للتدقيق في التواريخ مرة أخرى.

ويتخذ المسجد شكلًا معماريًا مميزًا يقوم على قاعة صلاة مربعة تبلغ أبعادها الداخلية نحو 8.85 × 8.95 مترًا، تعلوها قبة ترتكز على مثلثات انتقالية في الزوايا. وقد روعي في تصميمه ألا يكون مرتفعًا بصورة كبيرة، حفاظًا على الانسجام مع المباني المحيطة في السوق التاريخي وتقليل الأحمال على البنية التحتية للمبنى.

ويتكوّن المسجد من قاعة الصلاة والرواق والمئذنة، إضافة إلى البنية السفلية التي تحتوي على ممرات معقودة بالأقبية الحجرية. وتؤدي درجات حجرية مزدوجة إلى قاعة الصلاة، بينما يتوزع الضوء داخل القاعة عبر نوافذ متعددة في الجدران ورقبة القبة.

أما المئذنة فترتكز على قاعدة حجرية متعددة الأضلاع، ويعلوها بدن المئذنة الذي ينتهي بشرفة المؤذن. وقد بُني المسجد باستخدام أحجار كلسية مشذبة باللونين الأبيض والرمادي، بما ينسجم مع عمارة السوق التقليدي المحيط به.

المسجد الوحيد الذي صمد أمام الحقبة الشيوعية

تعرضت المساجد في ألبانيا خلال الحكم الشيوعي لحملة إغلاق واسعة عام 1967 عندما أعلنت الدولة حظر النشاط الديني. وفي تلك الفترة أُغلق جامع البازار وأُخرج من وظيفته الدينية، حيث استُخدم لاحقًا كمخزن ومكان لتدريب الأكروبات.

ورغم موجة تدمير المساجد في البلاد آنذاك، بقي هذا المسجد قائمًا، ليصبح المسجد الوحيد في جيروكاسترا الذي نجا من الهدم خلال تلك المرحلة.

وفي عام 1973 أُدرج المسجد ضمن قائمة المعالم الثقافية في ألبانيا تقديرًا لقيمته التاريخية والمعمارية، قبل أن يُعاد فتحه مجددًا للعبادة عام 1991 بعد سقوط النظام الشيوعي في البلاد.

عودة المسجد إلى الواجهة الثقافية والسياحية

بعد عقود من الإهمال، بدأت عام 2018 أعمال ترميم شاملة لجامع البازار بتمويل من الوكالة التركية للتعاون والتنسيق (تيكا)، بهدف الحفاظ على المبنى التاريخي وإبراز قيمته المعمارية.

وقد أعادت هذه الأعمال للمسجد جماله المعماري، ليصبح اليوم أحد أبرز المعالم التي يقصدها الزوار في جيروكاسترا، خصوصًا أنه يقع داخل المنطقة المتحفية للمدينة التي تجذب آلاف السياح سنويًا.

ويؤكد باحثون في العمارة الإسلامية في البلقان أن جامع البازار يُعدّ أهم مبنى إسلامي في جنوب ألبانيا، كما يمثل نموذجًا لعمل الحرفيين المحليين الذين واصلوا تقاليد العمارة العثمانية في المنطقة.

جيروكاسترا.. مدينة حجرية على قائمة التراث العالمي

تقع مدينة جيروكاسترا في جنوب ألبانيا قرب الحدود مع اليونان، وتُعد واحدة من أبرز المدن التاريخية في منطقة البلقان. وتتميز المدينة بعمارتها الحجرية العثمانية الفريدة، ما أكسبها لقب «المدينة الحجرية».

وقد أُدرجت جيروكاسترا ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) نظرًا لقيمتها المعمارية والتاريخية، حيث تمثل نموذجًا محفوظًا للمدن العثمانية في البلقان.

المسلمون في ألبانيا

يُشكّل المسلمون الأغلبية السكانية في ألبانيا، وتُعد المشيخة الإسلامية في ألبانيا المؤسسة الدينية الرسمية المشرفة على المساجد والمؤسسات الدينية الإسلامية في البلاد.

ورغم التحديات التي شهدتها الحياة الدينية خلال الحقبة الشيوعية، شهدت ألبانيا منذ تسعينيات القرن الماضي عودة تدريجية للحياة الدينية، وإعادة افتتاح العديد من المساجد التاريخية وترميمها، ومن بينها جامع البازار في جيروكاسترا الذي يمثل اليوم أحد أبرز رموز التراث الإسلامي في جنوب البلاد.

ـ المصدر: وكالة الأنباء الألبانية
ـ المصدر: المشيخة الإسلامية في ألبانيا
ـ المصدر: مفتيّة جيروكاسترا

التخطي إلى شريط الأدوات