مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

حوارات الأقليات المسلمة… تجربة صحفية تفاعلية على فيسبوك لتوثيق واقع المسلمين في زمن التحولات

إعادة تقديم الحوارات في صيغة مقالات وفصول كتابية بهدف توثيق سبع سنوات من واقع المسلمين في العالم (2010–2017)

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

لم تولد فكرة «حوارات الأقليات المسلمة» في فراغ، ولم تكن استجابة عابرة لظرف مؤقت، بل جاءت ثمرة مسار مهني طويل في متابعة شؤون المجتمعات المسلمة خارج العالم الإسلامي، ومحاولة جادة للبحث عن صيغ جديدة تضمن استمرار العمل الصحفي، حتى في أصعب لحظات التحول المهني والمؤسسي.

ففي عام 2010، ومع توقف التحديث الإلكتروني لموقع إسلام أون لاين إثر الأزمة التي تعرضت لها الشبكة، وجد عدد من الصحفيين أنفسهم خارج الأطر المؤسسية التقليدية، لكن دون أن يتوقف السؤال الأهم:

كيف يمكن مواصلة الدور الإعلامي في تغطية قضايا المسلمين حول العالم، بعيدًا عن الصمت أو الانتظار؟

من هنا، نشأت فكرة استثمار وسائل الإعلام الاجتماعي، وعلى رأسها منصة فيسبوك، بوصفها فضاءً مفتوحًا ومتاحة للجميع، لتحويلها من مجرد أداة تواصل اجتماعي إلى مساحة حوار صحفي جاد، يربط بين جمهور الإنترنت من جهة، ورموز وفاعلي الأقليات المسلمة من جهة أخرى.

من الفكرة إلى التجربة

قامت فكرة الحوارات على إجراء لقاءات أسبوعية مفتوحة، تُطرح فيها أسئلة تأسيسية تعرّف بالدولة محل الحوار، وبواقع المجتمع المسلم فيها، وبضيف الحوار من موقعه في تلك اللحظة الزمنية، ثم يُفتح باب الأسئلة دون قيود أمام المهتمين من مختلف أنحاء العالم.

لم تكن هذه الحوارات تقليدية في بنيتها، بل جاءت تفاعلية ومتعددة الأطراف، تمتد على مدار أسبوع كامل، يطرح خلالها المشاركون أسئلتهم في الوقت الذي يناسبهم، ويجيب الضيف بالوتيرة نفسها، دون ضغط زمني أو سقف موضوعي، وهو ما أتاح نقاشات أكثر عمقًا وصدقًا، بعيدًا عن الصيغة الجامدة للحوارات الصحفية المغلقة.

وساعد على نجاح هذه التجربة توفر شبكة واسعة من المصادر والنشطاء ورموز المجتمعات المسلمة، تكوّنت على مدى سنوات من العمل الصحفي المتخصص في هذا المجال منذ عام 2004، وشملت مناطق تمتد من شرق آسيا إلى أمريكا اللاتينية، ومن أوروبا إلى أستراليا.

تفاعل، ثم توقف، ثم استئناف

انطلقت الحوارات على فيسبوك عام 2010، ثم توقفت بعد فترة وجيزة مع بدء تشغيل موقع أون إسلام الذي خلف إسلام أون لاين في مصر. ومع تغير مواقع العمل والانتقال بين مؤسسات إعلامية مختلفة، عادت الحوارات للظهور مجددًا، تُنشر أولًا على فيسبوك، ثم تُعاد صياغتها ونشرها كاملة على المواقع الإلكترونية التي كنت أعمل معها في تلك المراحل.

وهكذا، استمرت الحوارات على منصات مختلفة، منها جريدة الأمة الإلكترونية عام 2014، ثم موقع مرصد الأقليات المسلمة مطلع عام 2015، حيث أُجريت عدة حوارات متتالية في فترة زمنية قصيرة.

ومع بداية فبراير 2015، اتُخذ قرار العودة إلى الجذور الأولى للفكرة، والحفاظ على استقلالها الكامل بوصفها مبادرة ذاتية تطوعية، لا ترتبط بموقع واحد، وتُفتح أمام الزملاء الصحفيين للمشاركة بأسئلتهم ونشر مخرجاتها في أكثر من منصة في الوقت نفسه، بما يوسّع دائرة الوصول ويُعزز التعريف بقضايا الأقليات المسلمة حول العالم.

من الحوار إلى الوثيقة

مع تراكم هذه الحوارات، برزت الحاجة إلى حفظها وتنظيمها، فتم إطلاق مدونة خاصة لتجميع الحوارات السابقة، إلى جانب صفحة مخصصة على فيسبوك لتنسيق المشاركة والتفاعل. ولم تعد الحوارات مجرد نقاشات عابرة، بل تحولت مع الوقت إلى مادة توثيقية غنية، تعكس رؤية فاعلين على الأرض، وتسجل ملامح المشهد في لحظته الزمنية، دون إسقاطات لاحقة أو إعادة كتابة بأثر رجعي.

وقد تواصلت هذه التجربة بكثافة في بعض الفترات، وتوقفت في فترات أخرى، حتى عام 2017، قبل أن تتوقف تمامًا، لتبقى مادتها محفوظة كشهادات حيّة على واقع المجتمعات المسلمة في تلك السنوات.

لماذا هذا الكتاب؟

يأتي هذا الكتاب اليوم بوصفه محاولة واعية لإعادة تقديم تلك الحوارات في صيغة كتابية متماسكة، تحترم زمن كل حوار وسياقه، وتتعامل معه باعتباره وثيقة تاريخية تعكس لحظة محددة من تطور المجتمعات المسلمة حول العالم.

لا يسعى هذا الكتاب إلى تقديم قراءة لاحقة أو تصحيح المسارات، بل يلتزم بما قيل كما قيل، مع إعادة صياغة تحريرية وتنظيم منطقي، يسهّل على القارئ الاطلاع والفهم، ويحفظ القيمة المعرفية للمحتوى.

والأمل أن تكون هذه الصفحات خطوة أولى في مشروع أوسع، يُعيد الاعتبار للحوارات الصحفية بوصفها أداة للتوثيق والفهم، ويتيح لاحقًا تطويرها في صيغ أخرى، سواء عبر سلاسل كتب، أو برامج إعلامية تفاعلية، تسمح بمشاركة أوسع للجمهور.

في النهاية، تبقى هذه الحوارات جهدًا بشريًا، سعى بصدق إلى نقل الصورة كما رآها أصحابها، في زمنها ومكانها، والله من وراء القصد.

التخطي إلى شريط الأدوات