مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

روسيا.. ماذا تعرف عن رحلة ابن فضلان إلى نهر الفولجا قبل 1100 عام؟

بمناسبة احتفال التتار المسلمون في روسيا بالذكرى الـ(1100) عام على اعتناقهم الإسلام رسميُا من قبل دولتهم البلغار في منطقة حوض الفولجا

مسلمون حول العالم ـ متابعات

يحتفل التتار المسلمون في روسيا بالذكرى الـ(1100) عام على اعتناقهم الإسلام واعتماد الإسلام كدين رسمي من قبل دولة البلغار التي تقع في منطقة حوض الفولجا (قلب روسيا حاليًا).. وبهذه المناسبة نعيد نشر مقالة هامة للعلامة الجغرافي الأستاذ الدكتور عاطف معتمد كان قدر نشرها على صفحته الخاصة على فيسبوك في عام 2015م.

ورقة عن ابن فضلان ورحلته إلى نهر الفولعا

بقلم/ د. عاطف معتمد ـ 7 مارس، 2015م ـ

في الطريق إلى نهر الفولجا وقازان لا يمكن إلا أن تبدأ باسترجاع ما علمنا إياه أستاذنا الرائع عبد العال الشامي عن فن الرحلة الجغرافي. عبد العال الشامي نموذج لعالم الجغرافيا الذي يعيش بعيدا عن الأضواء وصراع النفوس والنفوذ. بعد ان تخرجت على يديه وتعلمت منه كتبت في سنوات لاحقة ورقة عن ابن فضلان ورحلته إلى نهر الفولعا جاء فيها:

في عام 921 ميلادية (309هـ) خرجت من بغداد -عاصمة النور آنذاك- بعثة دينية سياسية بتكليف من الخليفة العباسي “المقتدر بالله” إلى قلب القارة الآسيوية فى مكان عُرف وقتها باسم “أرض الصقالبة”؛ تلبية لطلب ملك بلغار نهر الفولغا للتعريف بالدين الإسلامي، كان أعضاء البعثة ما بين فقيه ورجل دولة ومؤرخ، وفي مقدمتهم كان الموسوعي أحمد بن فضلان.

انتقلت رحلة الدعوة إلى الإسلام في روسيا عبر فضاءات جغرافية متباينة: من العراق إلى إيران، فأواسط آسيا، فبلاد بلغار الفولجا أو أرض الصقالبة، إلى الأراضي الروسية، فأراضي مملكة الخزر. هناك من يضيف إلى ذلك حلقة بين الأراضي الروسية ومملكة الخزر، وصل فيها ابن فضلان إلى شبه جزيرة أسكندنافيا على مشارف القطب الشمالي.

من فارس إلى أواسط آسيا

في مستهل الرحلة يعفينا ابن فضلان من التفاصيل؛ فلا يسطر في فارس سوى خط سير الرحلة؛ فيعرفنا في عدة سطور بالمدن الإيرانية التي مر عليها طريقه لتدخل الرحلة إقليم ما بين نهري جيحون وسيحون، ولم يسجل ابن فضلان في هذه البيئة الشاسعة سوى بعض ملاحظات عابرة؛ وهو ما قد يرجع إلى معرفة هذا الطريق ومعالمه من قبل رحالة سابقين، أو ادخار الكتابة بالتفصيل لحين الوصول إلى المقصد الحقيقي للرحلة؛ وهو أرض البلغار وروسيا.

وفي منطقة الانتقال بين خوارزم والترك في أواسط آسيا تصبح الصدقة للسائل والعابر هي السماح بالجلوس إلى النار اتقاء للبرد الشديد، فيرصد ابن فضلان ثقافة الملبس؛ فلا تبدو من الرجل بسبب كثافة ملابسه سوى عينيه، وناقش بشكل أولي فكرة التكيف المناخي.

وفي المسير يبدأ ابن فضلان في مواجهة أول أسئلة البيئة الوثنية حينما يسأله رجل: “قل لربك ما الذي يريده منا لكي يرفع عنا هذا البرد؟ فيجيبه ابن فضلان: يريدكم أن تقولوا: لا إله إلا الله، فيجيب الرجل: لو علمنا أن ذلك سيجدي لقلناها”، ولا يعلق ابن فضلان على هذا الحوار المقتضب بشيء! ويسأله بعضهم: “ألربنا امرأة؟”، فيستعظم ابن فضلان الأمر، ويستغفر الله ويعظمه، ويردد التركي خلفه الاستغفار والتعظيم. وينتقل ابن فضلان إلى رصد العادات الزواجية في أرض الترك وما يرتبط بها من تقاليد، وكذلك المراسم الجنائزية والوراثية غير المتشابهة مع المبادئ الإسلامية، فضلا عن سيادة السحر.

وبالتوغل نحو الشمال والاقتراب من أراضي البلغار يلاقي ابن فضلان أقوامًا تتعدد لديهم الآلهة، وعنهم يقول: “ورأينا أقوامًا تعبد الحيات، وأقوامًا يعبدون السمك، ومنهم من يزعم أن له اثني عشر ربًّا: للشتاء رب وللصيف رب وللمطر رب… إلخ. والرب الذي في السماء أكبرهم، إلا أنه يجتمع مع هؤلاء باتفاق ويرضي كل واحد منهم.. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا”.

لدى بلغار الفولجا

ويصل ابن فضلان إلى البلغار ويستقبلهم ملكهم بترحاب، ويقول في ذلك: “فلما صرنا منه (ملك البلغار) على بعد فرسخين تلقانا هو بنفسه؛ فلما رآنا نزل فخر ساجدًا شكرًا لله جل وعز، وكان في كمه دراهم فنثرها علينا، ونصب لنا قبابًا فنزلناها. وقرأت عليهم كتاب أمير المؤمنين، والترجمان يترجم حرفًا حرفًا، فلما انتهيت كبروا جميعًا تكبيرة ارتجت لها الأرض”. ويحتفي ملك الصقالبة بالبعثة العباسية في فنون مختلفة من الطعام ومراسم الاحتفال بالوفد المهيب.

وسمّى ملك الصقالبة نفسه باسم “جعفر” تيمنًا باسم أمير المؤمنين الخليفة العباسي، وغيّر اسم أبيه إلى “عبد الله”؛ فصار يُنادى على المنبر “جعفر بن عبد الله، أمير البلغار”، بدلاً من “ألموش بن يلطوار”.

وبعد ثلاثة أيام وقعت أزمة بين وفد ابن فضلان وأمير البلغار، حينما قرأ الأخير نص الرسالة الآتية من أمير المؤمنين إليه، وفيها حديث عن أربعة آلاف دينار أرسلت له لبناء مسجد وقلعة حصينة. وشرح ابن فضلان للملك الغاضب أن عمال خوارزم أعاقوا تحصيل الأموال وسيقع بهم العقاب، ولم يكن أمامهم إلا إكمال الرحلة لبلوغ الهدف الأسمى، غير أن سوءا من الفهم قد وقع، ودام لعدة أيام بين أمير البلغار وابن فضلان.

ويفسر لنا المؤرخ الروسي رافيل بخارييف في كتابه القيّم “الإسلام فى روسيا.. الفصول الأربعة” أن الغضب الذي وقع لملك البلغار ليس طمعًا في المال؛ إذ إن مملكة البلغار كانت في رغد من العيش، كما أن الأربعة آلاف درهم ليست مطمعًا لملك بمكانة يلطوار، وإنما كان المقصود هو التبرك بهذه الأموال.

ويستند بخارييف في ذلك إلى نص رسالة ابن فضلان نفسه التي جاء فيها قول ملك البلغار لابن فضلان: “تعلم أن الخليفة أطال الله بقاءه لو بعث إلي جيشًا أكان يقدر عليّ؟ قلت: لا، قال : فأمير خراسان؟ قلت: لا، قال: أليس لبعد المسافة وما بيننا من قبائل الكفار؟ قلت: بلى، قال: فوالله إني لبمكاني البعيد الذي تراني فيه أخاف أن يبلغه عني شيء يكرهه فيدعو عليّ فأهلك بمكاني وهو في مملكته”!

ومن النقاط المهمة في محطة ابن فضلان في أرض البلغار هي أن الإسلام كان معروفًا لديهم من مصادر فارسية وتركية. وكما يشير رافيل بخارييف أنه عند وقوع الخلاف على الأموال التي لم يجلبها ابن فضلان كان ملك البلغار ينادي ابن فضلان تهكمًا بـ”أبو بكر الصديق”؛ فهمًا منه أن معنى الصديق يعني “الصدق”؛ وهو ما كان مداعبة ثقيلة لابن فضلان (الذي لم يأتِ بأموال الخليفة)، ولكنه يؤكد على أن أحوال صحابة الرسول –صلى الله عليه وسلم- وسيرتهم كانت معروفة للبلغار قبل قدوم بعثة ابن فضلان.

في روسيا

استحوذت مشاهدات ابن فضلان للشعب الروسي على الضفة الغربية لنهر الفولجا على أكبر اهتمام من المستشرقين والباحثين الأوربيين. وكان اهتمام عديد من الكتاب الأسكندنافيين بالرحلة لدعم نظرية الأصل الأسكندنافي للجنس الروسي، ومساندة فكرة أن القبائل الروسية التي شكلت نواة الدولة الروسية في العصور الوسطى هي من شبه جزيرة أسكندنافيا ومن أصول لقبائل الفيكينج، وإن كان هناك خلاف تفصيلي في استبيان إلى أي فرع من فروع الفيكينج ينتمي الروس.. هل لفيكينج الدانمارك أم للنرويج أم للسويد؟ وقد صاغ هؤلاء الباحثون الأدلة على أصل الروس الأسكندنافي بناء على مشاهدات ابن فضلان مثل:

1- بناء البيوت الخشبية وعبادة الأصنام الخشبية، وهو تقليد يميز قبائل الفيكينج عمن سواها.

2- ما ذكره ابن فضلان من ولع التجار الروس بالدنانير والدراهم الفضية العربية؛ وهو ما دعمته الأبحاث الأركيولوجية التي وجدت شيوعًا بالغًا للعملات العربية في شرق إسكندنافيا ومنطقة بحر البلطيق.

3- ما سجلته مشاهد ابن فضلان للمراسم الجنائزية الروسية، وبصفة خاصة حرق الجثث في مراكب؛ وهو التقليد المتبع لدى الأسكندنافيين منذ القرن السادس الميلادي. وكذلك اتخاذ البشر قربانًا للآلهة عند موت أحد كبار القوم، فتحرق جاريته معه، وهو مستوى راقٍ من مستويات التضحية للآلهة لدى الفيكينج.

وفي المقابل يفند كثير من الباحثين الروس هذه الاحتمالات تحت فكرة تداخل العادات والتقاليد الدينية والاختلاط الفكري؛ بسبب حركة التجارة بين الثقافات المختلفة وقت رحلة ابن فضلان ما بين ثقافة بلغارية وخزرية وسلافية.

كما تغيب المشاهد الحركية عن محتوى السرد؛ فتختفي مفردات مثل “ركبنا، وسرنا، وقابلنا” في مقابل مفردات تقريرية مبهمة المصدر مثل “وعندهم، وهم يفعلون… إلخ”. فلا يتبين هل يرصد ابن فضلان ما يشاهد أم يعيد كتابة قصص سمعها من مصدر آخر؟

كما تتداخل السمات الأنثروبولوجية بين السلافيين والأسكندنافيين؛ فيختلط الأمر على القارئ عمن يتحدث ابن فضلان، وبالأحرى أين هو المكان الذي يسجل منه مشاهداته؟ هل على نهر الفولجا في قلب روسيا الحالية أم على بحيرة لادوجا على حدود أسكندنافيا؟ وستظل مشاهدته الأنثروبولوجية للشعب الروسي محل إعادة قراءة وتفسير لفترة قادمة من الزمن.

أما الجزء المتبقي من رسالة ابن فضلان عن مشاهداته في مملكة الخزر فلا يزيد عن نحو 5% من إجمالي ما دوّنه في رسالته عن شعوب رحلته. ولا تشتمل هذه النسبة إلا على ذكر ملك الخزر دون شعبه، ملقيًا الضوء على اسمه، وكنيته، وملبسه، وطرائق تنزهه، وجواريه وهيئتهن، وكذلك المراسم الجنائزية لموته.

وهنا أيضًا لا نتبين ما إذا كان ابن فضلان ما زال واقفا على نهر الفولجا في أرض البلغار يعيد كتابة ما روي له من معلومات لمصادر ثانوية وليست أصيلة أم أنه توغل في أرض الخزر ويكتب من مشاهداته؟

ـ المصدر: صفحة د.عاطف محمد على الفيسبوك ـ بتاريخ: 7 مارس، 2015

 

التخطي إلى شريط الأدوات