مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في قلب العاصمة بريشتينا، حيث تتقاطع التحولات الأوروبية مع جذور الهوية الإسلامية في غرب البلقان، تبرز أكاديمية «الحفاظ الصغار» بوصفها تجربة قرآنية متكاملة تقودها رؤية نسائية واعية تحت إشراف المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا. لم تعد الأكاديمية مجرد مركز لتحفيظ الأطفال، بل تحولت إلى واحة قرآنية وارفة الظلال، تصنع المعنى قبل الأرقام، وتغرس في نفوس الناشئة حب القرآن علمًا وسلوكًا وأخلاقًا.
ومن مشروع صغير بدأ بثلاثة طلاب، نمت الشجرة لتثمر مئات القصص المضيئة، مؤكدة أن الاستثمار في الطفولة هو الطريق الأمتن لبناء جيل واثق من هويته، معتز بقيمه، وقادر على حمل رسالته في قلب أوروبا بثبات وأمل.
ويتجدد المشهد القرآني عامًا بعد عام، إذ رسخت الأكاديمية حضورها مشروعًا تربويًا رائدًا، وجعلت من استقبال شهر رمضان محطة سنوية تؤكد عمق رسالتها واتساع أثرها في المجتمع.
من حلم صغير إلى ألف قصة نجاح
البداية كانت بثلاثة طلاب فقط، لكن وضوح الرؤية وصدق الرسالة حوّلا المبادرة خلال سبع سنوات إلى واحة قرآنية احتضنت أكثر من 1000 طفل وطفلة، من مرحلة الروضة حتى المرحلة الثانوية.
برامج الأكاديمية تنطلق من تعليم الحروف العربية مدخلًا مباشرًا لقراءة القرآن، ثم تحسين التلاوة وضبط أحكام التجويد، وصولًا إلى الحفظ والمراجعة المنهجية، في مسار متدرج يراعي الخصائص العمرية ويعزز الثقة بالنفس.
وفي المدرسة الصيفية لعام 2024 وحدها، انتظم 220 طفلًا حضورياً، إضافة إلى مئات الأطفال من أبناء الجالية الألبانية في أوروبا عبر التعليم الإلكتروني، ما جعل الأكاديمية جسرًا بين الوطن والمهجر، وحارسًا للغة والهوية إلى جانب القرآن.
قيادة نسائية صنعت الفرق
تقف خلف هذه التجربة القرآنية الرائدة الشقيقتان الحافظتان رينيتا نيتاي وفاطمة نيتاي، خريجتا كلية الدراسات الإسلامية في العاصمة بريشتينا، واللتان بدأتا رحلتهما مع القرآن الكريم في سن السابعة، قبل أن تتحول تلك الرحلة المبكرة إلى مشروع حياة متكامل لخدمة الأجيال الناشئة في جمهورية كوسوفا.
نشأتا على مائدة القرآن حفظًا وفهمًا، ثم واصلتا مسيرتهما الأكاديمية بحصولهما على ليسانس الدراسات الإسلامية في كوسوفا، في مسار جمع بين التأصيل العلمي والتجربة العملية. ولم يتوقف عطاؤهما عند ذلك، بل تُوّجت مسيرتهما العلمية بحصولهما على الإجازة بالسند المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأزهر الشريف في جمهورية مصر العربية، وهو أعلى توثيق علمي في نقل القرآن الكريم وتعليمه.
هذا التتويج العلمي لم يكن إنجازًا شخصيًا فحسب، بل شكّل ركيزة علمية عززت مكانة أكاديمية «الحفاظ الصغار» ومنحتها عمقًا معرفيًا ورسالة ثقة تتجاوز حدود كوسوفا، مؤكدة أن القيادة النسائية الواعية قادرة على صناعة أثر تربوي راسخ في قلب غرب البلقان.
رمضان.. مشهد الأمل المتجدد
تحوّل استقبال شهر رمضان إلى تقليد سنوي يعكس روح الأكاديمية. ففي مسجد «علاء الدين» الأثري، أحد أبرز معالم بريشتينا، اجتمع أكثر من 250 طفلًا العام الماضي، وأكثر من 200 طفل هذا العام، في احتفالات تربوية مزجت بين التلاوة والبرامج التفاعلية وتوزيع الهدايا.
الرسالة كانت واضحة: المسجد الذي يمتلئ بالأطفال يحمل مستقبلًا مشرقًا. لم تكن هذه المشاهد احتفالات عابرة، بل محطات لبناء علاقة وجدانية عميقة بين الطفل والمسجد والقرآن.
ثقافة التحفيز.. سر الاستمرارية
من أبرز مميزات الأكاديمية أنها تحتفي بكل إنجاز، مهما كان مرحليًا. فقد شهد جامع «علاء الدين» احتفالية خاصة لتكريم 50 طفلًا أتموا حفظ جزء عمّ، مع توزيع شهادات وهدايا في أجواء عززت الاعتزاز بالإنجاز.
هذا النهج جعل من كل خطوة في مسار الحفظ قصة نجاح قائمة بذاتها، ورسّخ ثقافة تقدير الجهد وتشجيع الاستمرار، وهو ما يفسر الاستدامة اللافتة للمشروع واتساع أثره.
إشراف مؤسسي يعزز الثقة
تعمل الأكاديمية تحت إشراف المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا، ما يمنحها غطاءً مؤسسيًا مستقرًا ودعمًا مستمرًا يعزز جودة برامجها ويكرّس ثقة المجتمع بها. هذا التكامل بين المبادرة الفردية والإطار المؤسسي حوّل «الحفاظ الصغار» إلى نموذج تعليمي رائد في البلاد.
تعليم بروح الفن والقيم
لا يقتصر دور الأكاديمية على الحفظ، بل تمزج بين القرآن والفن والتربية القيمية. يتعلم الأطفال بر الوالدين، والانضباط، وحب الوطن، ويعبرون عن معاني القرآن بالرسم والأنشطة الإبداعية، في بيئة تجعل من التعلم تجربة ممتعة ومؤثرة في آنٍ واحد.
واحة قرآن في بيئة أوروبية
في سياق أوروبي متعدد الثقافات، تمثل الأكاديمية نموذجًا متوازنًا يجمع بين الأصالة والانفتاح، ويؤكد أن ترسيخ الهوية لا يتعارض مع الاندماج الإيجابي. من بريشتينا، تمتد الرسالة إلى عموم غرب البلقان بأن الاستثمار في الطفولة القرآنية هو الطريق الأمتن لبناء مجتمع واثق من ذاته ومستقبله.
خلاصة التجربة
أكاديمية «الحفاظ الصغار» ليست مجرد مركز لتحفيظ القرآن، بل مشروع حضاري متكامل: رؤية واضحة، قيادة نسائية ملهمة، إشراف مؤسسي داعم، منهج علمي راسخ، بيئة تربوية جاذبة، وثقافة تحفيز مستمرة.
ومن واحة صغيرة في قلب العاصمة، يتأكد أن جيلًا يحمل القرآن في قلبه، ويتربى على قيمه، قادر على أن يصوغ مستقبل كوسوفا بثبات وأمل ونور.










