مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

ماليزيا.. رحيل محمد نقيب العطاس رائد أسلمة المعرفة وأحد أبرز فلاسفة العالم الإسلامي

بقلم الدكتور مجدي سعيد، كاتب صحفي مصري مقيم في لندن

مسلمون حول العالم – متابعات 

محمد نقيب العطاس.. الفيلسوف والمتصوف ورائد أسلمة المعرفة

بقلم  د.مجدي سعيد، كاتب صحفي مقيم في لندن

في لحظة تحمل دلالات كبيرة على مستوى الفكر الإسلامي المعاصر، فقدت ماليزيا والعالم الإسلامي أحد أبرز العقول الفلسفية، برحيل المفكر والعالم الدكتور محمد نقيب العطاس، في 8 مارس 2026م، الموافق 18 رمضان 1447هـ، عن عمر ناهز 94 عامًا، بعد مسيرة علمية استثنائية أسهمت في إعادة تشكيل مفاهيم المعرفة والتعليم في السياق الإسلامي الحديث.

وتأتي هذه الحلقة ضمن سلسلة “نقاط مضيئة” التي يواصل تقديمها الدكتور مجدي سعيد، الكاتب الصحفي المصري المقيم في لندن، والتي ترصد شخصيات مؤثرة وتجارب رائدة، في محاولة لسد فجوة معرفية لدى القارئ العربي تجاه رموز فكرية عالمية لم تنل نصيبها من التعريف والاهتمام.

بداية التعرف.. من نعي مؤثر إلى اكتشاف مشروع فكري

تكمن أهمية هذه الشخصية في أن التعرف عليها بدأ من نعيٍ مؤثر نشره يوسف إسلام، أحد أبرز الوجوه البريطانية المسلمة، أشار فيه إلى أن إسهامات العطاس في “أسلمة المعرفة” كانت مصدر إلهام مباشر لتأسيس مدرسة إسلامية عام 1983، وأن أوراقه في المؤتمر العالمي الأول للتعليم الإسلامي في مكة عام 1977 شكّلت أساسًا لبناء مناهج تعليمية حديثة. هذا المدخل الإنساني يعكس حجم التأثير العميق الذي تركه العطاس في الأفراد والمؤسسات على حد سواء.

الجذور والنشأة.. امتداد حضاري بين حضرموت وجنوب شرق آسيا

وُلد العطاس عام 1931 في مدينة بوجور بجزيرة جاوة الإندونيسية، خلال فترة الاحتلال الهولندي، لأسرة حضرمية عريقة تعود إلى السادة الباعلويين، الذين استقروا في جنوب شرق آسيا منذ قرون. هذا الامتداد الجغرافي والثقافي شكّل جزءًا من وعيه المبكر، وأسهم في تكوين رؤيته الجامعة بين التراث الإسلامي والواقع المعاصر.

التحول المفصلي.. من المسار العسكري إلى الفلسفة والتصوف

بعد إنهائه تعليمه الثانوي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، التحق بالفوج الماليزي كضابط متدرب، وتلقى تدريبًا عسكريًا في بريطانيا، شمل إيتون هول في تشيستر والأكاديمية العسكرية الملكية في ساندهيرست بين عامي 1952 و1955. غير أن هذا المسار لم يكن سوى مرحلة عابرة، إذ سرعان ما انصرف إلى شغفه الحقيقي بالفلسفة والتصوف، فاستقال من الخدمة العسكرية ليلتحق بجامعة ملايا، في خطوة شكلت نقطة تحول حاسمة في مسيرته.

التكوين الأكاديمي.. رحلة علمية بين كندا وبريطانيا

واصل العطاس مسيرته العلمية بحصوله على درجة الماجستير في الفلسفة الإسلامية من جامعة ماكجيل في كندا عام 1962، قبل أن ينال الدكتوراه من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن عام 1965، عن أطروحته حول حياة وأعمال المتصوف الملايوي حمزة فنسوري. وقد أسهم هذا العمل في إحياء الاهتمام بالتراث الصوفي الملايوي وربطه بالإطار الفكري الإسلامي العام.

الإسهام المؤسسي.. ترسيخ الهوية الثقافية واللغوية في ماليزيا

عقب عودته إلى ماليزيا، شغل العطاس مناصب أكاديمية بارزة، من بينها رئاسة قسم أدب الملايو وعمادة كلية الآداب في جامعة الملايا ثم في الجامعة الوطنية الماليزية. وأسهم في تعزيز مكانة اللغة الملايوية وترسيخها لغة وطنية، كما أدار معهد اللغة والأدب والثقافة الملايوية، ما جعله أحد أبرز المساهمين في صياغة الهوية الثقافية الحديثة لماليزيا.

المشروع الفلسفي.. نقد الحداثة وبناء رؤية إسلامية للمعرفة

يتمثل جوهر إسهام العطاس في مشروعه الفكري الذي قام على نقد جذري للعلم الحديث في صيغته المادية الاختزالية. ففي كتابه “الإسلام والعلمانية” (1978)، قدّم تحليلًا عميقًا لفكرة علمنة المعرفة، محذرًا من آثارها في فصل العلم عن القيم والغايات. وفي المقابل، طرح مفهوم “الميتافيزيقا الإسلامية” بوصفه إطارًا معرفيًا يعيد ربط العلم بالحقيقة الوجودية والأخلاقية.

كما قدّم عبر مؤلفاته الأخرى، مثل “مقدمة في ميتافيزيقا الإسلام” و”الإسلام وفلسفة العلوم”، رؤية متكاملة تعيد تعريف طبيعة المعرفة ووظيفتها في الإسلام، في مواجهة النماذج الفكرية الغربية السائدة.

شهادات التقدير.. اعتراف رسمي وعالمي بمكانته الفكرية

في نعيه، وصف رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم العطاس بأنه “أحد أعظم عقول عصرنا”، مشيرًا إلى أنه لم يكن مجرد فيلسوف، بل مفكرًا أعاد طرح الأسئلة الكبرى حول غاية المعرفة. ويعكس هذا التقدير الرسمي حجم التأثير الذي تركه العطاس على مستوى الدولة والفكر العام في ماليزيا والعالم الإسلامي.

تجسيد الفكرة.. من التنظير إلى بناء مؤسسات معرفية

لم يتوقف مشروع العطاس عند حدود الكتابة والتنظير، بل امتد إلى العمل المؤسسي، حيث أسس “المعهد العالمي للفكر والحضارة الإسلامية” عام 1987، ليكون منصة تطبيقية لأفكاره في “أسلمة المعرفة”. وقد ركزت فلسفته التعليمية على بناء الإنسان المتكامل، من خلال توازن العقل والجسد والروح، بما ينعكس على المجتمع والبيئة.

خاتمة تحليلية

يمثل رحيل محمد نقيب العطاس خسارة فكرية كبيرة، لكنه في الوقت ذاته يفتح بابًا لإعادة اكتشاف مشروع معرفي متكامل لا يزال في حاجة إلى مزيد من الدراسة والترجمة إلى العربية. وبينما تتسارع تحولات العالم، تبدو أفكاره حول العلاقة بين العلم والقيم أكثر راهنية من أي وقت مضى، ما يجعل استحضار إرثه ضرورة فكرية لا مجرد استذكار تاريخي.

ـ المصدر: الكاتب الصحفي مجدي سعيد

التخطي إلى شريط الأدوات