مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
لم يعد اليوم العالمي للحجاب في أوكرانيا مناسبة رمزية ليوم واحد، بل تحوّل عمليًا إلى حراك ثقافي نسائي ممتد على مدار أسبوع كامل، توزّعت فعالياته بين مدن أوكرانية مختلفة، واتخذ من الحوار والتفاهم المجتمعي مدخلًا أساسيًا لتقديم الحجاب بوصفه خيارًا دينيًا واعيًا وهوية ثقافية ذات امتدادات إنسانية مشتركة.
مسار وطني متعدد المحطات
تُظهر المتابعة الميدانية للأنشطة أن الفعاليات لم تُنظَّم في إطار حدث مركزي واحد، بل جاءت على شكل محطات مستقلة ومتتابعة، لكل منها زمانها ومكانها، لكنها التقت في الرسالة والمضمون. وقد شاركت أقسام المرأة في المراكز الثقافية الإسلامية في مدن عدة بتنظيم لقاءات تعريفية وحوارية، إلى جانب مبادرات نسائية تعمل على مستوى وطني، في مقدمتها مبادرة مريم، ما أضفى على المناسبة طابعًا شاملًا يتجاوز المحلية الضيقة.
من المراكز الإسلامية إلى الفضاء العام
اللافت في هذا الحراك اتساع نطاق الشراكات، إذ لم تقتصر الأنشطة على المراكز الثقافية الإسلامية، بل امتدت إلى مؤسسات ثقافية عامة مثل المكتبات الحكومية ومراكز الثقافات القومية، ما عكس قبولًا مؤسسيًا للخطاب الحواري، ورغبة في إدراج موضوع الحجاب ضمن النقاش الثقافي العام. هذا الانتقال من الفضاء الديني إلى الفضاء المدني أسهم في كسر الحواجز النفسية، وفتح قنوات تواصل مباشر مع جمهور غير مسلم في بيئة ثقافية محايدة.
مساحة حوار ثقافي مفتوحة في مكتبة زابوروجيا
ففي إطار إحياء اليوم العالمي للحجاب في جنوب شرق أوكرانيا، نظّم مركز الثقافات القومية في مكتبة مدينة زابوروجيا الإقليمية لقاءً ثقافيًا استضاف ممثلات المنظمة النسائية المسلمة صفية، خُصّص لتعريف الجمهور بدلالات الحجاب ومعانيه الدينية والثقافية.
وقد قدّمت المشاركات شرحًا مباشرًا حول أسباب ارتداء الحجاب، مع تسليط الضوء على أوجه التشابه بين أغطية الرأس النسائية التقليدية في التراث الأوكراني ونظيراتها في ثقافات أخرى، بما يضع الحجاب في سياقه الإنساني المشترك. وتضمّن اللقاء عرضًا عمليًا لطرق ارتداء الحجاب وأنواعه المختلفة، مع إبراز تجربة نساء أوكرانيات في ارتدائه، ما أتاح للحضور فهمًا أقرب وأعمق، وأسهم في تعزيز التقارب والتفاهم المتبادل داخل المجتمع في زابوروجيا.
الحجاب مدخل للتفاهم في سياقه التاريخي والإنساني الأوسع
ركزت اللقاءات على تقديم الحجاب بعيدًا عن الصور النمطية السائدة، باعتباره اختيارًا شخصيًا نابعًا من القناعة والهوية، وليس رمزًا للفرض أو الإقصاء. كما برز الربط بين الحجاب الإسلامي وأغطية الرأس النسائية في التراث الأوكراني وثقافات أخرى، بما يضع الحجاب في سياقه التاريخي والإنساني الأوسع، ويُظهره ممارسة ثقافية عرفتها مجتمعات متعددة عبر الحضارات. وأسهمت العروض العملية والحلقات الحوارية في تقريب الصورة إلى الواقع اليومي للحضور، وتحويل النقاش من أحكام مسبقة إلى معرفة مباشرة.
قراءة ختامية.. مناسبة تتحول لمسار مجتمعي حقيقي
تكشف هذه الفعاليات المتواصلة أن اليوم العالمي للحجاب في أوكرانيا بات إطارًا لحوار ثقافي ممتد، تُعيد من خلاله النساء المسلمات تعريف حضورهن في المجتمع بوصفه حضورًا فاعلًا ومشاركًا في بناء التفاهم المشترك. ومع اتساع الجغرافيا وتعدد الجهات الشريكة، يتكرّس هذا الأسبوع بوصفه نموذجًا لكيف يمكن لمناسبة رمزية أن تتحول إلى مسار مجتمعي حقيقي يعزز قيم الاحترام والتعايش في مجتمع متعدد الثقافات.







