مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
تمهيد: صربيا في سياقها السياسي والاجتماعي
تقع جمهورية صربيا في قلب منطقة البلقان بجنوب شرق أوروبا، وشكّلت عبر تاريخها الحديث جزءًا من الكيان اليوغوسلافي السابق، قبل أن تدخل مرحلة جديدة عقب تفكك يوغوسلافيا في تسعينيات القرن العشرين.
شهدت البلاد خلال تلك المرحلة حروبًا دامية وصراعات قومية تركت آثارًا عميقة على البنية السياسية والاجتماعية، ولا سيما على الأقليات القومية والدينية، وفي مقدمتها المجتمع المسلم.
مع مطلع الألفية الجديدة، بدأت صربيا مرحلة انتقالية حاولت خلالها إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة جديدة تتجه نحو الديمقراطية وتسعى للاندماج في الاتحاد الأوروبي، غير أن إرث الصراع ظل حاضرًا في العلاقة بين الدولة والأقليات، وفي كيفية التعامل مع حقوقهم السياسية والدينية والثقافية.
في هذا السياق الزمني، أُجري هذا الحوار عام 2010، بوصفه شهادة توثيقية تعكس صورة المجتمع المسلم في صربيا آنذاك، وتقدّم قراءة من الداخل لواقعه وتحدياته ومكامن قوته.
تقديم الحوار
يأتي هذا الحوار ضمن الحوارات الأولى التي أُجريت في بدايات تجربة «حوارات فيسبوك»، ويكتسب أهميته من كونه يوثّق مرحلة قريبة زمنيًا، سبقت العديد من التحولات اللاحقة في المنطقة.
ولا يسعى الحوار إلى استشراف المستقبل، بقدر ما يلتزم بتسجيل الواقع كما كان يُرى ويُعاش في تلك اللحظة التاريخية.
يتحدث في هذا الحوار الدكتور خير الدين باليتش، من موقعه الأكاديمي والمؤسسي في ذلك الوقت، مقدّمًا رؤية شاملة عن أوضاع المسلمين في صربيا، وخريطة وجودهم، وعلاقتهم بالدولة، وتجربتهم خلال الحروب، ودور مؤسساتهم التعليمية والدعوية في الحفاظ على الهوية.
تعريف بالضيف
الدكتور خير الدين باليتش، مدرس بكلية الدراسات الإسلامية في مدينة نوفي بازار، عاصمة إقليم السنجق جنوب جمهورية صربيا، وكان يتولى في تلك الفترة مسؤولية الإعلام في المشيخة الإسلامية في صربيا.
يُعد من الأصوات الأكاديمية المتابعة عن قرب لواقع المجتمع المسلم في بلاده، ومن الشخصيات التي جمعت بين العمل المؤسسي والرؤية التحليلية للشأن الإسلامي في منطقة البلقان.
الخريطة السكانية والعرقية للمسلمين في صربيا
يوضح الدكتور خير الدين باليتش أن عدد المسلمين في صربيا لا يخضع لإحصاء دقيق، حيث تتراوح التقديرات بين خمسمائة وسبعمائة ألف نسمة، أي ما بين خمسة إلى ثمانية في المائة من إجمالي عدد السكان، الذين يقدَّر عددهم بنحو ثمانية ملايين نسمة آنذاك.
وينحدر غالبية المسلمين في صربيا من أصول بوسنية وألبانية، نتيجة ضم المناطق التي يقطنونها إلى الدولة الصربية قبيل الحرب العالمية الأولى. ويتركز وجودهم في تجمعين رئيسيين جنوب البلاد؛ الأول في إقليم السنجق، حيث يشكّل المسلمون البوشناق ما يقرب من خمسة وثمانين في المائة من سكان الإقليم البالغ عددهم نحو خمسمائة ألف نسمة، وهو أكبر تجمع للمسلمين في صربيا.
بينما التجمع الثاني فيقع في وادي بريشيفا، الذي يضم ثلاث محافظات جنوبية، ويعيش فيه نحو مائة ألف ألباني مسلم.
إلى جانب ذلك، توجد أعداد أقل من المسلمين في مقاطعة فويفودينا شمال البلاد، إضافة إلى وجود مسلم داخل بعض أوساط الغجر، مع صعوبة تحديد أعدادهم بدقة بسبب أوضاعهم الاجتماعية الهشة واعتماد نمط الحياة المتنقلة لدى بعضهم.
التمييز المدني والعلاقة مع الدولة
يرى باليتش أن أوضاع المسلمين في صربيا عام 2010 كانت أفضل مقارنة بسنوات سابقة، في ظل نظام سياسي يحاول أن يبدو ديمقراطيًا ويسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن هذا التحسن لم يلغِ مظاهر التمييز القائمة بحق المسلمين.
ويشير إلى أن التمييز لا يأخذ بالضرورة شكلًا عنيفًا مباشرًا، بل يتمثل في تضييق إداري ومدني، وعدم مساواة في التعامل داخل الدوائر الرسمية، وتأخير في الاعتراف الكامل بحقوق المسلمين الدينية والمؤسسية.
ومن أبرز هذه القضايا مسألة استعادة الأوقاف الإسلامية التي صودرت خلال العهد الشيوعي، والتي ما زالت المشيخة الإسلامية تطالب بإعادتها وفق ما ينص عليه قانون الأديان الجديد.
المسلمون والحروب اليوغوسلافية
يتحدث باليتش عن موقع مسلمي السنجق ضمن المشهد الإقليمي، موضحًا أنهم يُعدّون امتدادًا طبيعيًا للشعب البوشناقي المسلم في دولة البوسنة والهرسك.
وخلال الحرب على البوسنة في التسعينيات، انضم عدد من أبناء السنجق إلى البوسنيين في مواجهة العدوان، في حين امتنع غالبية المسلمين في صربيا عن الالتحاق بالجيش الصربي حتى نهاية تلك الحروب.
ويشير إلى أن إقليم السنجق عاش حالة حصار وتهديد حقيقي خلال تلك الفترة، وكان ضمن المخطط الصربي للتوسع العسكري، غير أن العوامل الجغرافية، وابتعاده النسبي عن خطوط المواجهة، إضافة إلى تطورات الصراع في كوسوفا، حالت دون تنفيذ عدوان واسع عليه.
التعليم الإسلامي وبناء المؤسسات
يؤكد باليتش أن مدينة نوفي بازار أصبحت المركز الرئيس للتعليم الإسلامي في صربيا، حيث عملت المشيخة الإسلامية خلال العقد السابق للحوار على بناء شبكة متكاملة من المؤسسات التعليمية، تبدأ من رياض الأطفال، مرورًا بالمدارس والثانويات الإسلامية، وصولًا إلى كلية الدراسات الإسلامية.
كما أُنشئت جامعة تضم تخصصات علمية متعددة، إضافة إلى برامج للدراسات العليا، ويصف هذه المؤسسات بأنها ذات مستوى تعليمي مرتفع، وتمثل تجربة رائدة في منطقة البلقان، وتعكس وعي المجتمع المسلم بأهمية التعليم في الحفاظ على الهوية وبناء الحضور المؤسسي.
الهوية الدينية والالتزام المجتمعي
يصف باليتش مسلمي صربيا بأنهم من أكثر المجتمعات المسلمة التزامًا دينيًا في البلقان، مشيرًا إلى مظاهر واضحة لهذا الالتزام، مثل كثافة الإقبال على الصيام في شهر رمضان، وامتلاء المساجد بالمصلين، وانتشار الحجاب بين النساء بدرجة تفوق ما هو موجود في بعض المناطق المجاورة.
ويرى أن الصورة النمطية السائدة في بعض الأوساط العربية عن ضعف أو هامشية مسلمي صربيا غير دقيقة، مؤكدًا أنهم يتمتعون بوعي ديني ومجتمعي قوي، ويؤدون دورًا فاعلًا في محيطهم رغم القيود السياسية والاجتماعية.
سربرنيتشا والذاكرة الجماعية
يتناول الحوار موقف مسلمي صربيا من مذبحة سربرنيتشا، موضحًا أن المؤسسات الإسلامية في إقليم السنجق تحيي ذكرى المأساة بانتظام، وتشارك في الفعاليات التي تُقام في البوسنة والهرسك، وتحرص على تذكير المجتمع الصربي بضحايا الحرب والتطهير العرقي.
ويؤكد باليتش أن المسلمين في صربيا، رغم محدودية تأثيرهم السياسي، يتخذون موقفًا أخلاقيًا واضحًا في إدانة الجرائم، ويعتبرون أنفسهم جزءًا من الذاكرة التاريخية للشعب البوشناقي، ويتابعون باهتمام قضايا العالم الإسلامي، وفي مقدمتها قضية فلسطين.
التعاون الإقليمي والدعم الخارجي
يعرب باليتش عن أسفه لضعف التنسيق بين المؤسسات الإسلامية في دول البلقان خارج الإطار البوشناقي المرتبط بسراييفو، مشيرًا إلى أن التدخلات الحكومية أسهمت في إضعاف وحدة المسلمين حتى داخل الدولة الواحدة.
كما يلفت إلى محدودية الدعم العربي والإسلامي لمسلمي صربيا في تلك المرحلة، سواء في المجال التعليمي أو المؤسسي، باستثناء مبادرات محدودة، داعيًا إلى اهتمام أوسع يتجاوز أوقات الأزمات والحروب.
خاتمة الفصل
يوثّق هذا الحوار صورة المجتمع المسلم في صربيا كما كانت عام 2010، في مرحلة اتسمت بتحسن نسبي في المناخ السياسي، يقابله استمرار أشكال من التمييز المدني، وفي مقابل ذلك وعي ديني ومؤسسي مكّن المسلمين من بناء مؤسسات تعليمية ودعوية راسخة.
ويشكّل هذا الفصل مدخلًا لفهم واقع المسلمين في أوروبا الشرقية خلال مرحلة ما بعد الحروب، ويؤسس لبقية فصول الكتاب بوصفه نموذجًا للحوارات التي تسجل اللحظة التاريخية كما هي، دون إسقاطات لاحقة أو قراءة بأثر رجعي.

