مأساة شعب لم تتوقف فصولها
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في ولاية أراكان الواقعة غرب ميانمار على الحدود مع بنغلاديش، يعيش مسلمو الروهينجا واحدة من أطول المآسي الإنسانية في التاريخ الحديث، حيث تحولت أرضهم التي عاشوا فيها لقرون إلى ساحة اقتلاع منظم، استهدف وجودهم وهويتهم ومستقبلهم.
ولم تكن هذه المأساة حادثة عابرة، بل مسيرة ألم متصلة بدأت بالتهميش، وتطورت إلى التجريد من الجنسية، ثم انتهت إلى المجازر والتهجير الجماعي والنزوح عبر البحر، في مشهد دفع الأمم المتحدة إلى تصنيفهم باعتبارهم «أشد الأقليات اضطهادًا في العالم».
إنها قصة شعب لم يفقد فقط وطنه، بل فقد الاعتراف بوجوده أصلًا، ليجد نفسه بين خيارين: الموت في أرضه أو الهروب إلى مصير مجهول.
شعب أصيل في أراكان قبل الاحتلال البورمي
يعود وجود مسلمي الروهينجا في ولاية أراكان إلى قرون طويلة، حيث وصل الإسلام إلى المنطقة في القرن الثاني الهجري عبر التجار العرب، فدخل السكان المحليون في الإسلام وأصبحت أراكان موطنهم التاريخي. وقد عاش الروهينجا في هذه الأرض كمجتمع مستقر، يشكل جزءًا أصيلًا من النسيج السكاني للمنطقة، قبل أن تتغير ملامح حياتهم جذريًا بعد ضم أراكان إلى الدولة البورمية في أواخر القرن الثامن عشر.
ومع استقلال ميانمار عام 1948، بدأت مرحلة جديدة من التمييز، حيث جرى إقصاء الروهينجا من المشاركة السياسية، وبدأت ملامح سياسة تستهدف وجودهم وهويتهم في وطنهم.
سحب الجنسية.. بداية تحويل شعب كامل إلى «بلا هوية»
شكّل عام 1982 نقطة تحول خطيرة في تاريخ الروهينجا، عندما أصدرت الحكومة العسكرية قانونًا يقضي بسحب الجنسية منهم، متهمة إياهم بأنهم مهاجرون غير شرعيين، رغم وجودهم التاريخي في المنطقة.
وبهذا القرار، تحول الروهينجا بين ليلة وضحاها إلى شعب بلا هوية قانونية، محروم من الحقوق الأساسية، بما في ذلك حرية الحركة والعمل والتعليم والرعاية الصحية. ولم يكن هذا القرار مجرد إجراء قانوني، بل كان بداية مرحلة جديدة من الاضطهاد المنهجي، استهدفت اقتلاعهم تدريجيًا من أرضهم.
التهجير القسري.. اقتلاع من الأرض ودفع نحو المجهول
بعد سحب الجنسية، بدأت السلطات العسكرية، بدعم من جماعات متطرفة، حملات منظمة لتهجير الروهينجا، حيث تعرضوا للملاحقة والعنف والضغط المستمر لإجبارهم على مغادرة قراهم.
وقد أجبرت هذه السياسات عشرات الآلاف على الفرار عبر الغابات والأنهار، بحثًا عن ملاذ آمن خارج حدود بلادهم، في واحدة من أكبر عمليات الاقتلاع السكاني في العصر الحديث.
النساء في قلب المأساة.. انتهاكات تستهدف كرامة الإنسان
لم تقتصر المعاناة على التهجير وفقدان الوطن، بل امتدت لتشمل انتهاكات خطيرة بحق النساء، حيث عاشت المرأة الروهينجية في ظل ظروف قاسية داخل أراكان ومخيمات اللجوء.
وقد تعرضت كثير من النساء لانتهاكات متعددة، في ظل غياب أي حماية قانونية، ما يعكس حجم الانهيار الكامل للمنظومة الإنسانية التي كان يفترض أن تحميهم.
مخيمات اللجوء.. حياة بلا مستقبل أقسى من الموت
مع استمرار موجات النزوح، وجد مئات الآلاف من الروهينجا أنفسهم في مخيمات اللجوء خارج ميانمار، يعيشون في ظروف قاسية، وسط نقص الخدمات الأساسية، وانعدام الأفق لمستقبل واضح.
وقد تحولت هذه المخيمات إلى واقع دائم لأجيال كاملة، حيث ولد أطفال لم يروا وطنهم قط، ونشأوا في بيئة يسيطر عليها الفقر والحرمان.
إلى متى تستمر هذه المأساة أمام العالم؟
إن مأساة مسلمي الروهينجا ليست مجرد فصل في كتاب التاريخ، بل هي جرح مفتوح لم يندمل، ومسيرة ألم مستمرة منذ عقود، أمام أنظار العالم.
لقد فقد هذا الشعب وطنه، وجنسيته، وأمنه، ومستقبله، لكنه لم يفقد حقه في الحياة والكرامة.
ويبقى السؤال الذي لم يجد إجابة حتى اليوم: إلى متى سيظل هذا الشعب يدفع ثمن صمته العالم عن واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في العصر الحديث؟
ـ المصدر: مواقع وكالات الروهنجيا وحوارات خاصة أجراها الكاتب ونشرت في موقع متعددة سابقًا.





