مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

البرازيل.. دورة قرآنية تضع الأسرة في قلب العملية التعليمية وتحوّل المسجد إلى فضاء اجتماعي جامع

نموذج تربوي مبتكر يعزّز ارتباط الأطفال بالمسجد ويقوّي الروابط بين العائلات داخل المجتمع المسلم

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في تجربة تربوية لافتة تعكس تطور العمل الإسلامي في المهجر، تبرز الدورة القرآنية المستمرة التي ينظمها المركز الإسلامي في حي فيلا كاهون بمدينة ساو باولو البرازيلية كنموذج متقدّم يضع الأسرة في قلب العملية التعليمية، ويعيد تعريف العلاقة بين الطفل ووالديه والمسجد والمجتمع.

وتُقام هذه الدورة بإشراف فضيلة الدكتور الشيخ عبد الحميد متولي، المشرف العام ورئيس المركز الإسلامي العالمي للتسامح والسلام في البرازيل وأمريكا اللاتينية، في إطار رؤية تربوية تعتبر أن تعليم القرآن الكريم لا ينفصل عن بناء الإنسان والأسرة، ولا يكتمل أثره دون احتضان اجتماعي واعٍ ومستدام.

الأسرة شريك أساسي في العملية التعليمية

اعتمد القائمون على الدورة نهجًا تربويًا يقوم على إشراك أولياء الأمور بصورة مباشرة في مسار تعليم أبنائهم، من خلال دعوتهم المنتظمة إلى حضور أنشطة اجتماعية مصاحبة للدروس القرآنية، تشمل تنظيم وجبات غداء أو عشاء جماعية تجمع الأطفال مع آبائهم وأمهاتهم داخل أجواء المسجد.

هذا الحضور الأسري لم يكن تفصيلاً تنظيميًا، بل تحوّل إلى عنصر جوهري في العملية التعليمية، يعزّز شعور الطفل بالانتماء، ويربط تعلّمه للقرآن الكريم بصورة إيجابية بالأسرة والدفء الاجتماعي، ويمنحه دعمًا نفسيًا ينعكس على استمراريته وتفاعله.

أثر نفسي وتربوي عميق على الأطفال

أظهرت هذه المقاربة أثرًا واضحًا على الأطفال المشاركين، حيث أسهم حضور أولياء الأمور في رفع مستوى الدافعية، وتعزيز الثقة بالنفس، وربط المسجد في وعي الطفل بمكان آمن ومحبّب، يجمع بين التعلّم والاحتواء الاجتماعي.

فالطفل الذي يرى والديه جزءًا من تجربته التعليمية، يتلقّى رسالة غير مباشرة بأن القرآن قيمة مشتركة داخل الأسرة، وأن المسجد امتداد طبيعي لحياته اليومية، لا فضاءً معزولًا عن واقعه.

مرونة تنظيمية تعكس فهمًا للواقع

ومن مظاهر الإبداع في إدارة هذه الدورة، حرص المركز الإسلامي في ساو باولو على تنويع مواعيد اللقاءات والأنشطة المصاحبة، مراعاةً لاختلاف ظروف العائلات، بما يضمن مشاركة أوسع عدد ممكن من أولياء الأمور، ويعكس فهمًا عميقًا لطبيعة الحياة اليومية للمجتمع المسلم في البرازيل.

هذه المرونة التنظيمية أسهمت في تحويل الدورة القرآنية إلى مساحة جذب اجتماعي، وأكّدت أن نجاح التعليم الديني في المهجر يرتبط بقدرته على التفاعل مع واقع الناس لا الاصطدام به.

المسجد مركزًا لبناء العلاقات الأسرية

تجاوزت ثمار هذه التجربة الإطار التعليمي، لتسهم في بناء روابط اجتماعية متينة بين العائلات المسلمة، حيث تحوّلت اللقاءات المصاحبة للدورة إلى منصّات للتعارف وتعزيز الثقة وتبادل الخبرات، ما جعل من المركز الإسلامي نقطة ارتكاز اجتماعي حقيقية للمجتمع المسلم في ساو باولو.

بهذا الدور، استعاد المسجد مكانته بوصفه فضاءً جامعًا، لا يقتصر على العبادة والتعليم، بل يحتضن العلاقات الإنسانية ويعزّز التماسك المجتمعي.

تعليم قرآني يصنع مجتمعًا متماسكًا

تؤكد هذه التجربة أن التعليم القرآني، حين يُدار برؤية تربوية شاملة، يمكن أن يتحوّل إلى مشروع لبناء المجتمع، لا مجرد نشاط تعليمي موسمي. فالدورة القرآنية المستمرة بالمركز الإسلامي في ساو باولو تقدّم نموذجًا عمليًا لكيف يمكن للمسجد أن يجمع بين القرآن والأسرة والتربية والمجتمع في إطار واحد متكامل.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لفضيلة الدكتور الشيخ عبد الحميد متولي، الذي يجسّد بحضوره العلمي والتربوي رسالة الأزهر الشريف في المهجر، من خلال تقديم خطاب قرآني يقوم على المحبة والتواصل وبناء الإنسان، ويجعل من القرآن الكريم جسرًا لتعزيز الهوية وترسيخ التماسك داخل المجتمع المسلم في البرازيل.

وهي تجربة تؤكد أن نهضة المجتمع تبدأ من الأسرة، وتنمو في رحاب المسجد، وتترسّخ حين يقودها علم راسخ ورؤية تربوية واعية.

التخطي إلى شريط الأدوات