مسلمون حول العالم ـ متابعات ـ هاني صلاح**
في مشهد إيماني بالغ الدلالة، انطلقت فعاليات مسابقة حفظ القرآن الكريم في عموم اليابان في دورتها السادسة والعشرين، برعاية وتنظيم جمعية الوقف الإسلامي ومسجد اوتسكا، لتؤكد من جديد أن القرآن الكريم يظل الركيزة الجامعة لهوية المسلمين، مهما تباعدت الجغرافيا واختلفت الألسنة، وأن العمل القرآني المنظّم قادر على صناعة مجتمع متماسك حتى في البيئات غير الإسلامية.
وقد احتضن جامع طوكيو جانبًا من فعاليات المسابقة، التي شهدت مشاركة واسعة من أبناء وبنات المجتمع المسلم في اليابان، من جنسيات متعددة وخلفيات ثقافية مختلفة، اجتمعوا جميعًا على تلاوة كتاب الله بلسان عربي مبين، في صورة تعكس وحدة المرجعية وعمق الانتماء.
الدكتور سيد شرارة.. توثيق معرفي برسالة واعية
ويبرز في هذا السياق الدور الريادي للأكاديمي المصري الدكتور سيد شرارة، المقيم في اليابان، الذي قدّم عبر صفحته على فيسبوك توثيقًا معرفيًا متكاملًا لفعاليات المسابقة، بأسلوب يجمع بين المعلومة الدقيقة، والرؤية التربوية، والبعد الإنساني.
ولا يقتصر جهد الدكتور شرارة على نقل الحدث، بل يتجاوز ذلك إلى بناء سردية معرفية تعرّف العالم الإسلامي بحياة المسلمين في اليابان، وتسلّط الضوء على تجاربهم التعليمية والدعوية والاجتماعية، في جهد إعلامي تطوعي رائد يستحق التقدير والإشادة.
مسابقة قرآنية عابرة للحدود واللغات
تميّزت المسابقة هذا العام بمشاركة مئات المتسابقين والمتسابقات من مختلف الأعمار، شملت الأطفال والشباب والكبار، في مستويات متعددة تبدأ من المستوى التحفيزي غير التنافسي، وصولًا إلى مستويات متقدمة تخضع لتحكيم علمي دقيق، مع لجان مستقلة للرجال وأخرى للسيدات.
وقد أُقيمت المسابقة على مرحلتين، الأولى عبر الإنترنت بما يراعي ظروف المشاركين في مختلف مناطق اليابان، والثانية بالحضور المباشر في جامع طوكيو، في نموذج تنظيمي مرن يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المجتمع المسلم الموزّع جغرافيًا داخل البلاد.


حضور علمي ودعوي بارز
شهدت فعاليات المسابقة مشاركة علمية متميزة، من أبرزها حضور الأستاذ الدكتور محمد داود، القادم من مصر وعضو لجنة التحكيم، إلى جانب الدكتور هشام عطوة، بما أضفى على الحدث بعدًا علميًا وتربويًا، وأتاح للمشاركين وأسرهم فرصة التواصل المباشر مع علماء ودعاة ذوي خبرة طويلة في مجالات القرآن والتعليم والدعوة والعمل المجتمعي.
وتضمّن برنامج المسابقة كلمات علمية ودروسًا توجيهية، شكّلت رافدًا تربويًا موازيًا للمنافسة القرآنية، وأسهمت في تعميق الوعي برسالة القرآن الكريم وأثره في بناء الفرد والمجتمع.
مشهد أسري ومجتمعي واسع
لم تكن المسابقة حدثًا تنافسيًا فحسب، بل تحوّلت إلى ملتقى مجتمعي واسع، شاركت فيه الأسر بكثافة، حيث حضر الآباء والأمهات لدعم أبنائهم، في مشهد يعكس ترابط الأسرة المسلمة حول القرآن، ويبرز الدور المركزي للتعليم القرآني في الحفاظ على الهوية الدينية للأجيال الناشئة في اليابان.
وقدّر متابعون عدد الحضور المباشر بما يقارب ثلاثمائة رجل وامرأة وطفل، يقابلهم أضعاف هذا العدد من أفراد الأسر والمعلّمين والمحفّظين والداعمين، ما يعكس الأثر المجتمعي الواسع للمسابقة.
بشريات قرآنية ومشاريع مستقبلية
واختُتمت المسابقة بالإعلان عن عدد من المبادرات النوعية، من بينها توفير منح دراسية كاملة للدراسة في مصر، وإتاحة فرص للحصول على إجازات في حفظ القرآن الكريم عن بُعد وربما حضوريًا، إضافة إلى الإعلان عن التحضير لإطلاق برنامج للقراءات العشر في اليابان خلال العام المقبل، بالتعاون بين مؤسسات يابانية وجهات خيرية في مصر.
كما شملت الجوائز رحلات عمرة، ورحلات علمية إلى مصر، إلى جانب جوائز مالية وكتب وشهادات تقدير، في إطار تحفيزي يعزّز الاستمرارية ويشجع على مزيد من الإقبال على حفظ القرآن الكريم.
رسالة القرآن تتجدد في اليابان
تؤكد مسابقة القرآن الكريم في عموم اليابان أن العمل القرآني حين يُبنى على الإخلاص والاستمرارية، قادر على صناعة أثر ممتد عبر الزمن، وأن القرآن الكريم يظل القاسم المشترك الذي يجمع المسلمين، ويمنحهم القوة والطمأنينة والهوية، حتى في أبعد بقاع الأرض.
وهي تجربة ملهمة تعكس أن اليابان، رغم بعدها الجغرافي عن العالم الإسلامي، باتت محطة مضيئة في مسار التعليم القرآني والعمل المجتمعي المنظم، بفضل جهود مؤسسية واعية، وأفراد حملوا الرسالة بإخلاص وصبر.





