فعالية بحثية دولية ناقشت الهوية الحضارية للأوقاف الألبانية بمشاركة إقليمية واسعة
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
كان من أبرز المحطات العلمية التي شهدها عام 2025 في العاصمة بريشتينا انعقاد مؤتمر علمي دولي نوعي، نُظّم للمرة الأولى تحت عنوان: “الوقف لدى الألبان تاريخ وتراث ومستقبل”؛ بمبادرة من معهد البحوث والدراسات الإسلامية التابع لرئاسة المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا.
انعقد المؤتمر خلال يومي 9 و10 ديسمبر، وبمشاركة واسعة ضمّت نحو خمسين باحثًا من مختلف المناطق الألبانية ودول البلقان، إلى جانب وفود رسمية وأكاديمية من تركيا والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر ودولة الكويت.
وشكّل المؤتمر إحدى أبرز الفعاليات العلمية في ختام العام، حيث خُصص لبحث الدور التاريخي والمؤسسي والحضاري للأوقاف في المجتمع الألباني عبر مراحله المختلفة، واستعراض آفاق تطويرها مستقبلًا بوصفها ركيزة من ركائز الهوية الحضارية والتنمية المجتمعية.
دور حضاري ممتد عبر القرون
في الجلسة الافتتاحية، أكد فضيلة الشيخ الدكتور نعيم ترنافا، رئيس المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا ومفتي البلاد، أن الوقف مثّل عبر التاريخ إحدى الركائز الأساسية في النهضة الاجتماعية والثقافية لدى الألبان. وأوضح أن المساجد والمدارس والجسور والمكتبات ومختلف المؤسسات الخدمية التي شكّلت ملامح الحياة العامة في المجتمعات الألبانية قامت في جوهرها على روح الوقف وعطائه المستمر. وأضاف أن الوقف ليس مجرد منظومة قانونية، بل هو تعبير عميق عن الهوية الحضارية والأمانة التاريخية التي تركها الأسلاف خدمة للمجتمع، مؤكدًا أن هذا الإرث ما يزال حاضرًا بقوة عبر الأوقاف الحديثة في كوسوفا.
هوية جماعية تستند إلى تراث الوقف
من جهته، أوضح الشيخ صبري بايجوري، مدير معهد البحوث والدراسات الإسلامية في بريشتينا، أن اختيار موضوع الوقف يعكس مكانته المحورية في تشكيل الهوية الجماعية للألبان. وبيّن أن مؤسسات التعليم والعبادة والخدمات العامة ارتبطت تاريخيًا بروح العطاء الوقفي، وأن قراءة دقيقة لتاريخ الألبان تكشف بوضوح أن المساجد والمدارس والمكتبات والحمامات والأسواق والخانات ومراكز الثقافة كانت ثمرة مباشرة للأوقاف، واستمرت بفضل قيم البذل والإحسان التي توارثتها الأجيال.
شراكات إقليمية ودولية
كما سلط نائب المدير العام لمديرية الأوقاف التركية خير الله تشلبي الضوء على عمق الشراكة بين تركيا والمشيخة الإسلامية في كوسوفا في مجال رعاية الأوقاف وصون تراثها، مؤكدًا أن الوقف ليس أثرًا من الماضي، بل أمانة حية تتطلب رعاية دائمة. وأشار إلى أن المديرية التركية تعمل على حماية التراث الوقفي، وإعادة ترميم ما اندثر منه بطابعه الأصيل، وتنفيذ شروط الواقفين، ونقل هذا الإرث للأجيال المقبلة بوصفه جزءًا من الذاكرة الحضارية المشتركة.
كما أوضح المدير التنفيذي في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة في دولة الإمارات محمد البلوشي أن المؤتمر يمثّل فرصة لبحث التحديات المعاصرة التي تواجه الوقف، خصوصًا في ظل التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، وما تتيحه هذه التقنيات من إمكانات جديدة لتعزيز دوره التنموي والحضاري.
من جانبه، نوّه نائب محافظ الهيئة العامة للأوقاف في المملكة العربية السعودية الدكتور فهد الماجد بالدعم السعودي المتواصل لكوسوفا منذ أيام الحرب وحتى يومنا هذا، مؤكدًا أن قطاع الوقف في كوسوفا يشهد تطورًا ملحوظًا، وأن المشكلات التي تواجه هذا القطاع تشبه في كثير من جوانبها التحديات التي تعالجها المؤسسات الوقفية في السعودية.
خلاصات وتوصيات
واختُتمت أعمال المؤتمر باستعراض مجموعة من البحوث المتخصصة التي تناولت أثر الوقف في الحياة الثقافية والتعليمية والاجتماعية لدى الألبان، مع إبراز أدواره التاريخية المتنوعة وفتح آفاق جديدة لتطويره وتعزيز مساهمته في التنمية المجتمعية وبناء الهوية الحضارية في كوسوفا والمناطق الألبانية عمومًا.







