مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

تحوّلات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا ودلالاتها على واقع المسلمين حول العالم

تتناول هذه القراءة التحليلية دراسةً معمّقة كتبها الباحث المتخصص في الشؤون الإفريقية محمد عادل عثمان، ونُشرت على الموقع الإلكتروني لمجلة قراءات إفريقية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

تتناول هذه القراءة التحليلية دراسةً معمّقة كتبها الباحث المتخصص في الشؤون الإفريقية محمد عادل عثمان، ونُشرت على الموقع الإلكتروني لمجلة قراءات إفريقية في 2 نوفمبر 2025، بعنوان: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا: تحوّلات البنية والأدوار في سياق ما بعد انتخابات أغسطس 2025، وهي الانتخابات التي شارك فيها أكثر من 13 مليون مسلم، وشكّلت محطة مفصلية غير مسبوقة في تاريخ المجلس.

ولا تنظر هذه القراءة إلى التجربة الإثيوبية بوصفها حالة محلية معزولة، بل باعتبارها نموذجًا كاشفًا لتحديات وفرص تواجه المؤسسات الإسلامية الرسمية في دول متعددة حول العالم، خاصة تلك التي تعمل داخل أطر علمانية وبيئات سياسية وعرقية معقّدة.

أولًا: إثيوبيا في المشهد الإسلامي الإفريقي

تشير الدراسة إلى أن المسلمين في إثيوبيا يشكّلون ما يزيد عن 35% من السكان، مع ثقل ديموغرافي واضح في أقاليم عفر والصومال وأوروميا. هذه المعطيات تجعل من التجربة الإثيوبية حالة ذات وزن خاص، لأن أي تحوّل في تمثيل المسلمين أو تنظيم شؤونهم الدينية ينعكس على استقرار المجتمع ككل، وليس على أقلية هامشية.

للمسلمين عالميًا، تبرز هنا أهمية بناء مؤسسات جامعة قادرة على العمل داخل أطر دستورية غير دينية دون التفريط في الهوية أو الحقوق.

ثانيًا: من التهميش إلى الاعتراف القانوني

تُظهر الدراسة أن المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، منذ تأسيسه عام 1975م، ظلّ لعقود خاضعًا لتدخلات الدولة، مع غياب الاعتراف القانوني الكامل حتى عام 2020م. هذه التجربة تعكس واقعًا مألوفًا في دول عديدة يعيش فيها المسلمون ضمن أنظمة علمانية أو مركزية، حيث يُسمح بالوجود الديني دون تمكين مؤسسي حقيقي.

الدرس الأبرز هنا يتمثل في أن النضال الطويل من أجل الاعتراف القانوني، إذا اقترن بالعمل السلمي والمؤسسي، يمكن أن يُفضي في النهاية إلى مكاسب ملموسة، وإن جاءت متأخرة.

ثالثًا: انتخابات 2025 كنقطة تحوّل

تعدّ انتخابات أغسطس 2025، التي شارك فيها أكثر من 13 مليون مسلم، أهم محطة في تاريخ المجلس. دلالتها لا تقتصر على الداخل الإثيوبي، بل تقدّم مثالًا نادرًا في إفريقيا عن انتخاب هيئة دينية تمثيلية على نطاق وطني واسع. كما أن تخصيص 65% من المقاعد للعلماء والقيادات الدينية و35% للشباب والنساء يقدّم نموذجًا متوازنًا بين المرجعية العلمية ومتطلبات التمثيل المجتمعي.

بالنسبة للمسلمين حول العالم، تبرز هنا قيمة إشراك الشباب والنساء في العمل المؤسسي الديني دون إقصاء العلماء، بما يعزز الشرعية ويحدّ من الانقسامات.

رابعًا: العلاقة المعقّدة بين الدين والدولة

توضح الدراسة أن المجلس ظلّ يتأرجح بين كونه قناة تمثيل رسمية للمسلمين وبين اعتباره أداة من أدوات الدولة. هذا التوتر يعكس إشكالية عالمية تواجهها مؤسسات إسلامية كثيرة: كيف تحافظ على الاستقلالية دون الدخول في صدام مباشر مع السلطة.

التجربة الإثيوبية بعد 2018م تشير إلى أن توسيع هامش الاستقلال يتم غالبًا عبر إصلاحات تدريجية، لا عبر قطيعة حادة، وهو درس مهم للمجتمعات المسلمة التي تعيش في بيئات سياسية هشّة.

خامسًا: الانقسام المذهبي كاختبار حقيقي

من أخطر ما تبرزه الدراسة هو أثر الانقسام بين التيارات الصوفية والسلفية على وحدة المجلس وفاعليته. هذه الإشكالية لا تخص إثيوبيا وحدها، بل تتكرر في مجتمعات مسلمة عديدة. أهمية الحالة الإثيوبية تكمن في أن المجلس حاول، عبر انتخابات 2022 ثم 2025، إنتاج قيادة توافقية.

الرسالة الأهم للمسلمين عالميًا هي أن إدارة التنوع المذهبي داخل الأطر المؤسسية، لا خارجه، تمثل شرطًا أساسيًا للحفاظ على وحدة المجتمع المسلم وتماسكه.

سادسًا: الدور الاجتماعي والحقوقي

تُبرز الدراسة أدوار المجلس في الدفاع عن قضايا التعليم والهوية، كما في تدخله لإعادة الطالبات المفصولات بسبب النقاب، وفي الإغاثة أثناء الأزمات. هذا البعد الحقوقي والاجتماعي يوضح أن المؤسسات الدينية لا تقتصر وظيفتها على الوعظ، بل تمتد إلى حماية الحقوق المدنية للمسلمين.

هذا النموذج يهم المسلمين في الأقليات خاصة، حيث تصبح المؤسسة الدينية صوتًا تفاوضيًا شرعيًا مع الدولة.

سابعًا: الدلالات المستقبلية للمسلمين عالميًا

تخلص الدراسة ضمنيًا إلى أن مستقبل المجلس مرتبط بقدرته على تحقيق ثلاثة توازنات دقيقة: الاستقلال عن الدولة دون العزلة، إدارة التنوع المذهبي دون انقسام، والانفتاح على الأدوار التنموية دون التسييس المفرط.

هذه المعادلة تمثل خلاصة تجربة يمكن أن تستفيد منها المجتمعات المسلمة في إفريقيا وآسيا وأوروبا، خاصة تلك التي تسعى لبناء تمثيل مؤسسي قوي داخل دول غير دينية.

خاتمة

تكشف هذه الدراسة أن تجربة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا ليست شأنًا محليًا صرفًا، بل نموذجًا دالًا على مسار طويل تخوضه المجتمعات المسلمة من أجل الاعتراف والتمثيل والفاعلية.

بالنسبة للمسلمين حول العالم، تحمل التجربة رسالة واضحة: الإصلاح المؤسسي ممكن، لكنه بطيء ومكلف، ويتطلب وحدة داخلية وصبرًا سياسيًا وقدرة على التفاوض دون التفريط في الثوابت.

ـ رابط الدراسة على الموقع الالكتروني لمجلة قراءات إفريقية: ( اضغط هنا ).

المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا: تحوُّلات البنية والأدوار في سياق ما بعد انتخابات 2025م

 

التخطي إلى شريط الأدوات