مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في ثلاث قارات، تكشف هذه الأخبار الثلاثة عن ملامح واقعٍ إسلامي معاصر لا يتوقف عند توصيف الأزمات، بل يحاول تحويلها إلى مسارات عمل: أملٌ يُبنى بالسلام والحوكمة الأخلاقية، وتحدٍّ يُواجه بالحوار المدني العاقل، وأزمة إنسانية تُداوى بمعاني التكافل والأخوة الإسلامية. إنها صورة لأمةٍ واسعة الجغرافيا، متشابهة الهموم، متنوّعة الأدوات، لكنها تسير نحو هدف واحد: حفظ الإنسان وكرامته واستقرار مجتمعاته.
بانجسامورو.. الأمل الذي يصنعه السلام حين يتحول إلى مشروع مجتمع
في جنوب الفلبين، لم تعد بانجسامورو مجرد عنوان سياسي للحكم الذاتي، بل باتت ساحة اختبار لقدرة المجتمع المسلم على تحويل تجربة ما بعد الصراع إلى نموذج قابل للحياة. فإطلاق مبادرة بانجسامورو للسلام والتضامن في كوتاباتو يحمل رسالة واضحة: الاستقرار لا يُورث، بل يُصنع عبر الثقة المتبادلة والعمل المشترك.
ومع مشاركة دار الإفتاء في بانجسامورو وتأكيدها أن السلام يبدأ من الإيمان والعدل والرحمة والحوار، تتقدم المبادرة باعتبارها منصة تربط القيم الدينية بمقتضيات البناء المدني، وتدفع المجتمع نحو شراكة أوسع تتجاوز الانقسام وتفتح طريق المستقبل.
النمسا.. التحدي الذي يفرضه الجدل الأوروبي وتكسبه المؤسسات بالحوار
أما في النمسا، فتتجسد معركة المجتمع المسلم لا في صراعٍ على الوجود، بل في إدارة حضورٍ مدني داخل فضاء أوروبي حساس تجاه الرموز الدينية. ومن جامعة فيينا، جاءت رسالة رئيس الهيئة الإسلامية في النمسا حاسمة: الحجاب فرض ديني وحق مدني، والنقاش حوله يجب أن يُدار بلا إقصاء.
أهمية هذا الموقف لا تكمن في صياغته المباشرة فقط، بل في مكانه وسياقه؛ إذ تتحول الجامعة إلى منصة لصناعة الفهم العام، وتتحول المؤسسة الإسلامية إلى شريك في تشكيل خطابٍ متوازن يحفظ حرية المجتمع المسلم ويمنع تحويل الجدل إلى أداة للتهميش أو الشحن الاجتماعي.
كينيا.. الأزمة الإنسانية تختبر معنى الأخوة وتعيد تعريف الأولويات
وفي كينيا، تعود الصورة إلى أصلها الإنساني: جفافٌ ممتد يضغط على الأسر الأشد هشاشة، ويهدد الأمن الغذائي في مقاطعات دخل بعضها مراحل إنذار وأخرى أقرب إلى الخطر.
هنا تتقدّم المبادرة الإغاثية العاجلة التي أطلقتها رابطة العالم الإسلامي لتوزيع السلال الغذائية وصهاريج المياه باعتبارها استجابة لا تُخفف الألم فقط، بل تُعيد تثبيت معنى الأخوة الإسلامية في لحظةٍ يحتاج فيها المجتمع إلى من يمدّ له يد العون قبل أن تتسع دائرة الفقد. فالإنسان، حين يفقد الماء والغذاء، لا يحتاج خطابًا طويلًا، بل يحتاج فعلًا عاجلًا يثبت أن الرحمة ما زالت قادرة على حماية الحياة.
تكشف هذه الأخبار الثلاثة أن الأمة الإسلامية، على امتداد قارات العالم، تقف بين أملٍ يبني السلام، وتحدٍّ يصنعه الجدل حول الهوية، وأزمةٍ إنسانية تذكّر الجميع بأن جوهر النهضة يبدأ من إنقاذ الإنسان وصون كرامته.
وحين تتكامل المبادرات السياسية والمواقف المدنية والاستجابات الإغاثية، يصبح الحضور الإسلامي أكثر قدرة على الفعل والتأثير، لا بوصفه ردّ فعلٍ على الواقع، بل بوصفه شريكًا في إعادة تشكيله نحو عدلٍ أوسع واستقرارٍ أعمق.