مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

الهجرة غير التقليدية.. كيف يروي مصري تجربة العيش في أمريكا اللاتينية

صورة العرب والإسلام في الوعي اللاتيني بين الاندماج وغياب التمثيل المؤسسي

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

يقدّم بودكاست «مصري في أمريكا اللاتينية» مع الصحفي والكاتب المصري عمار مطاوع شهادة إنسانية وتحليلية معمّقة حول واحدة من أقل تجارب الهجرة العربية حضورًا في النقاش العام، مسلطًا الضوء على أمريكا اللاتينية بوصفها فضاءً اجتماعيًا وثقافيًا وسياسيًا مختلفًا، شكّل ملاذًا بديلًا لشباب عرب ومصريين في مرحلة ما بعد 2011.

الهجرة خارج المسارات التقليدية

يستعرض الحوار مسار هجرة غير تقليدي اتجه فيه عدد من الشباب المصريين إلى دول أمريكا اللاتينية، بعيدًا عن الوجهات المعتادة في أوروبا وأمريكا الشمالية، في ظل تشديد سياسات الهجرة هناك. ويبيّن المتحدث أن هذا الخيار لم يكن وليد المغامرة بقدر ما كان نتيجة بحث طويل عن فضاء إنساني أقل قسوة وأكثر تقبلًا للاختلاف.

ويشير مطاوع إلى أن المجتمعات اللاتينية، من حيث البنية الاجتماعية والعلاقات اليومية، بدت أقرب إلى المجتمعات العربية، سواء في بساطة العيش، أو في الروابط الإنسانية المباشرة، أو في غياب الحواجز الصارمة بين الأفراد. كما يؤكد أن العرب والمسلمين لا يواجهون في الغالب أنماطًا حادة من العنصرية، ما يخلق بيئة اندماج أكثر سلاسة مقارنة بتجارب الهجرة في الغرب الأوروبي.

العرب ومصر في المخيال اللاتيني

يتناول الحوار صورة العرب في الوعي اللاتيني، موضحًا أنها صورة إيجابية في عمومها، تشكّلت عبر موجات هجرة قديمة من بلاد الشام، اندمج أصحابها بعمق في المجتمعات المحلية، وتركوا أثرًا اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا واضحًا. ويبرز كيف تحوّل العربي في بعض البلدان إلى جزء من الذاكرة الشعبية، لا وافدًا طارئًا.

أما مصر، فتحضر في المخيال اللاتيني بوصفها رمزًا حضاريًا عالميًا، مرتبطًا بالحضارة الفرعونية القديمة، وهو ما يمنح المصريين مكانة احترام خاصة. غير أن هذا التقدير، كما يوضح الحوار، يبقى أسير التاريخ القديم، في ظل ضعف المعرفة بمصر المعاصرة وتحولاتها السياسية والاجتماعية، ما يفتح تساؤلات حول قدرة العالم العربي على تقديم نفسه خارج الصور النمطية.

الإسلام بين الفردية وغياب الإطار المؤسسي

يفرد الحوار مساحة واسعة لمناقشة واقع الإسلام في أمريكا اللاتينية، حيث يظهر بوصفه دينًا حاضرًا في التجربة الفردية أكثر من حضوره كمؤسسة جماعية. فعدد المساجد محدود، والبنية التنظيمية ضعيفة، وغالبًا ما يفتقر العمل الديني إلى الاستمرارية المؤسسية.

كما يتناول الحوار تراجع الدور التاريخي للأزهر الشريف في المنطقة، والذي كان حاضرًا في مراحل سابقة عبر بعثات وأئمة، مقابل تصاعد أدوار دينية تركية وإيرانية في السنوات الأخيرة. ويؤكد المتحدث أن غياب ترجمات راسخة لمعاني القرآن الكريم والعلوم الإسلامية باللغة الإسبانية، بأقلام أبناء المنطقة أنفسهم، يرسّخ صورة الإسلام بوصفه دينًا وافدًا، لا جزءًا أصيلًا من النسيج الثقافي المحلي.

القضية الفلسطينية في الوعي اللاتيني

يحظى محور القضية الفلسطينية بمكانة مركزية في الحوار، حيث يوضح مطاوع أن فلسطين تُفهم في أمريكا اللاتينية بوصفها قضية تحرر وطني ومقاومة استعمار، لا بوصفها صراعًا دينيًا. وهو ما يفسر حجم التعاطف الشعبي والرسمي الواسع مع الفلسطينيين، وتبنّي خطاب سياسي داعم لهم في عدد من دول القارة.

ويبرز الحوار رمزية شخصيات فلسطينية تاريخية، وعلى رأسها ياسر عرفات، الذي يُنظر إليه في المخيال اللاتيني كأحد رموز النضال العالمي، إلى جانب أسماء مثل نيلسون مانديلا. وتُسمّى باسمه ميادين وشوارع في أكثر من دولة، في دلالة على رسوخ القضية الفلسطينية في الوعي العام، بعيدًا عن الاستقطابات الدينية الضيقة.

اللغة والاندماج وفهم المجتمع

يتوقف الحوار عند تجربة تعلم اللغة الإسبانية، معتبرًا إياها مفتاحًا أساسيًا للاندماج الحقيقي وفهم المجتمع من الداخل. فاللغة، بحسب المتحدث، لا تفتح أبواب التواصل فحسب، بل تكشف أنماط التفكير والوجدان الجمعي، وتساعد على تجاوز صورة الغريب نحو موقع الشريك في الحياة اليومية.

كما يتناول الحوار السينما اللاتينية بوصفها مدخلًا لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية، ومرآة تعكس ذاكرة الاستعمار، والصراعات الطبقية، وقضايا الهوية والانتماء، بما يتيح قراءة أعمق للمجتمعات بعيدًا عن السرديات السطحية.

العودة بوصفها سؤالًا مفتوحًا

في خاتمته، يقدّم الحوار بعدًا إنسانيًا عميقًا لتجربة الاغتراب، مؤكدًا أن الهجرة، مهما كانت ثرية ثقافيًا وإنسانيًا، لا تعوّض الإحساس بالانتماء إلى الوطن. ويخلص المتحدث إلى أن السفر يوسّع الأفق ويعمّق الفهم، لكنه لا يلغي الحنين، وأن فكرة العودة تظل حاضرة بوصفها حلمًا مركزيًا، مهما اتسعت الجغرافيا.

هكذا يقدّم بودكاست «مصري في أمريكا اللاتينية» مادة ثرية تتجاوز السرد الشخصي، لتفتح نقاشًا أوسع حول الهجرة، والهوية، وصورة العرب والإسلام في فضاءات بعيدة جغرافيًا، لكنها قريبة إنسانيًا، في تجربة تستحق التوقف والتحليل.

ـ المصدر: بودكاست مصري

التخطي إلى شريط الأدوات