مسلمون حول العالم ـ متابعات
في إطار سلسلة «نقاط مضيئة» التي يواصل من خلالها الدكتور مجدي سعيد تقديم قراءات إنسانية ومعرفية عميقة، يثبت مرة بعد أخرى قدرته على تسليط الضوء على التجارب الرائدة والشخصيات المؤثرة التي صنعت أثرًا حقيقيًا في مجتمعاتها، بعيدًا عن الأضواء والضجيج.
هذه السلسلة لا تكتفي بسرد السيرة، بل تتجاوزها إلى كشف المعنى، واستحضار الدلالات، وربط الفرد بسياقه الحضاري والإنساني الأوسع.
ويأتي هذا المقال ضمن حلقات «قصص ومعان» ليؤكد مرة أخرى تميز هذه السلسلة في اختيار نماذج استثنائية تستحق التوقف عندها، والإنصات إلى حكاياتها، والتأمل في مساراتها.
ففي هذه الحلقة، يتناول الدكتور مجدي سعيد شخصية فريدة كان لها دور مؤثر وعميق في بناء جسور معرفية وثقافية بين العالم العربي وجنوب شرق آسيا، كاشفًا جانبًا مهمًا من الجهود الهادئة التي أسهمت في خدمة اللغة العربية، وحفظ التراث، وتعزيز التفاهم بين الشعوب.
إن ما يميز هذا الطرح ليس فقط ثراء المعلومة، بل حسّ الكاتب الإنساني، ووفاؤه للنماذج المضيئة، وحرصه الدائم على إعادة الاعتبار لشخصيات عملت بصمت، وحققت إنجازات كبرى دون ادعاء. وهكذا تواصل «نقاط مضيئة» أداء دورها بوصفها مساحة وعي وتنوير، تُعيد ترتيب بوصلة الاهتمام نحو من يبنون ولا يهدمون، ويصلون ولا يفرقون، ويمنحون المعنى لقيمة الجهد والعطاء عبر الزمن.
بقلم: الدكتور مجدي سعيد ـ كاتب صحفي مقيم في لندن
بعد غياب امتد اثني عشر عامًا، عدت هذا العام لزيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب في منفاه الجديد بمركز مصر للمعارض الدولية. كنت أقدم قدمًا وأؤخر أخرى، فقد صرت زاهدًا إلى حد ما في اقتناء الكتب بعدما توزعت حياتي بين مصر وبريطانيا، خاصة مع ارتفاع أسعار الكتب وصعوبة حملها في حقائب السفر بين البلدين.
وخلال جولة ليست طويلة بين أغلب قاعات المعرض، كان أول ما لفت نظري جناح يحمل اسم إندونيسيا مكتوبًا بخط كبير. وحينما رأيته قلت في نفسي إنني ربما أحظى بشيء من أو عن هذا البلد يدخل في خريطة اهتماماتي. وبالفعل، عندما دخلت الجناح كان ذلك الكتاب الذي يقدم السيرة الذاتية للدكتورة نبيلة لوبيس هو أول ما لفت نظري، فلم أتردد لحظة في حمله من أرفف الكتب إلى الخزينة لدفع ثمنه.
كنت قد قرأت طرفًا من سيرة الدكتورة نبيلة في تدوينة من تدوينات الصديق الدكتور كريم حسين، الملحق الدبلوماسي السابق بسفارة مصر في إندونيسيا، وهي التدوينة التي جعلت قصة الدكتورة نبيلة تعلق بذهني، ودعتني إلى حسم قرار شراء الكتاب.



الكتاب لطيف وجذاب، على الرغم من أنه يقدم ما يمكن وصفه بذكريات من مسيرة الحياة، ولا يقدم مذكرات بالمعنى المعروف. وقد صدر أولًا باللغة الإندونيسية عام 2012 بمناسبة بلوغ الدكتورة نبيلة سن السبعين، بارك الله في عمرها، وتم تدشين الكتاب في احتفالية كبيرة حضرها عدد من كبار الشخصيات العامة في إندونيسيا، فضلًا عن أسرة الدكتورة في الداخل والخارج. ثم صدرت طبعته العربية عام 2015، ولذلك فهو ليس كتابًا جديدًا، لكنه جديد بالنسبة لي، وهذا ما يهم.
في البداية، دعوني أقدم للقارئ العربي الذي لا يعرف الدكتورة نبيلة بعض المعلومات عنها. الدكتورة نبيلة مصرية الأصل، ولدت في مارس من عام 1942 لأسرة كانت تسكن في حي الحسين بالقاهرة، مكونة من الأستاذ عبد الفتاح محمد، الأب الذي كان يعمل موظفًا بوزارة المالية، والحاجة دولت، ربة منزل، وسبعة من الأبناء، ست بنات وولد واحد، وكانت نبيلة هي أكبرهم. أتمت نبيلة دراستها الجامعية في قسم الوثائق والمكتبات بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1963، وبعدها تزوجت من الشاب الإندونيسي برهان الدين عمر لوبيس، الذي كان قد سبق ودرس دراسات دينية في كل من مكة وبغداد، ثم حصل على الماجستير من الأزهر.
تولت نبيلة رئاسة مكتبة جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية بداية من عام 1964، كما تولت تدريس بعض مواد الإلقاء باللغة العربية. وكانت نبيلة أول امرأة تحصل على الدكتوراه من الجامعة عام 1992 في تخصص تحقيق المخطوطات العربية، بعد أن حصلت على تكوين علمي في جامعتي لندن ولايدن، حيث حققت مخطوطة في التصوف للشيخ يوسف المكاسري، أحد علماء القرن السابع عشر المناهضين للاستعمار الهولندي، الذي نفاه إلى جنوب أفريقيا، وكان له دور ريادي في تأسيس الوجود الإسلامي في كيب تاون.
بعد ذلك، قامت الدكتورة نبيلة بتأسيس أول قسم وأول مدرسة علمية لتحقيق المخطوطات العربية في الجامعة، ثم تولت عمادة كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة بين عامي 1994 و1997. كما تولت عام 1999 تأسيس أول مجلة باللغة العربية في إندونيسيا باسم ألو إندونيسيا، وحصلت على درجة الأستاذية في الأدب العربي وتحقيق المخطوطات. وقد قامت الدكتورة نبيلة بتأليف ثلاثة عشر كتابًا، فضلًا عن ترجمة عدد من الكتب بين الإندونيسية والعربية.
وساهمت الدكتورة نبيلة منذ عام 2000 في أنشطة المجلس النسائي الإسلامي العالمي، وتولت رئاسة فرع إندونيسيا، كما أسست مجلس العالمات الإسلامي العالمي وتولت رئاسته. وأسهمت مع أسرتها في تأسيس جمعية زهرة العلم، التي أنشأت معهد النور، والذي يضم مدارس من مرحلة الحضانة إلى المرحلة الثانوية، ويقدم خدماته للطلاب من الفقراء واليتامى. وكل ذلك وهي تقوم بدورها التربوي مع أبنائها الأربعة، بنتين وولدين، حتى تبوأ كل منهم مكانته في المجتمع.
وبغض النظر عن الإنجاز العلمي والاجتماعي للدكتورة نبيلة، وقيامها ببناء جسر بين الثقافتين العربية والإندونيسية، إلا أن قصتها تستثير عددًا من التأملات.
من خلال السيرة الذاتية يمكن استشفاف التأثير الكبير لوالدي الدكتورة نبيلة على شخصيتها وقدرتها على الإنجاز. فقد استطاعا أن يوفرا لها ولإخوتها تربية هادئة ومتوازنة، بما اتسم به الأب من قدرات تربوية فطرية، وما حباه الله به من حكمة وأخلاق كريمة، فضلًا عما منحته لهم أمهم من حنان وعطف. وكان للوالدين تأثير واضح في دفع أبنائهم جميعًا للاهتمام بدراستهم، وتحفيزهم على الإنجاز والتميز، فضلًا عن صفات العطاء التي أكسبوهم إياها بالممارسة.
الملمح الثاني في السيرة هو ذلك المتعلق بالزواج من إندونيسي، وهي الفكرة التي ظلت محل تفكير من نبيلة لمدة عامين، وبتشجيع من الوالد استطاعت تقبل الفكرة. وكما تحكي، فإنها لم تكن المصرية الأولى التي تزوجت من إندونيسي، ولم تكن الأخيرة أيضًا. ولكن، وعلى الرغم من أن الدين يمثل عاملًا مشتركًا بين طرفي الزواج، فإن اختلاف الثقافات، واختلاف المستوى الحضاري في ذلك الوقت بين البلدين، كان عاملًا ضاغطًا. فقد كانت إندونيسيا قد تحررت للتو من استعمار دام 350 عامًا، وكانت تفتقر إلى كثير من الخدمات والبنية التحتية، وهو الوضع الذي لم تستطع بعض الزوجات تحمله، فانتقلن بأبنائهن إلى مصر. وقد قاومت نبيلة الفشل في استكمال رحلة تماسك الأسرة، بالرغم من التأثير النفسي والاجتماعي للنماذج السلبية. ولا شك أن المعرفة المسبقة بالاختلافات، والاستعداد لتلك الضغوط، أمر واجب في كل حالات الزواج المختلط من هذا النوع.
ولا بد هنا من ذكر أن الزواج كان، ولا يزال، وسيظل أحد أدوات التعارف وبناء العلاقات بين الشعوب، وأمتنا جزء من هذا التراث الإنساني. لكن لا يحدث دائمًا أن يؤدي كل زواج إلى بناء جسور ثقافية بين مكونات الأمة المختلفة، إلا إذا كان هناك استعداد للعب هذا الدور. ويختلف الأمر باختلاف أنماط الشخصيات، وبمدى التعاون أو التشجيع بين طرفي العلاقة. وقد قدمت الدكتورة نبيلة، وشجعها زوجها، نموذجًا يحتذى في القيام بهذا الدور أكاديميًا ومعرفيًا وثقافيًا واجتماعيًا.
الملمح الثالث هو ذلك المتعلق بتخصص وموضوع الدكتوراه الخاص بالدكتورة نبيلة. فكما ذكرت، فإن إندونيسيا تحفل بالآلاف من المخطوطات العربية التي لم تكن تجد من يقوم بتحقيقها قبل ذلك. وكما شرحت في سيرتها، فإن تحقيق تلك المخطوطات يقتضي إلمامًا بالحقل المعرفي لموضوعها، وهو ما اقتضى منها الحصول على ماجستير في الدراسات الإسلامية من الجامعة، لتتمكن من فهم المخطوطة المتعلقة بعلم التصوف، فضلًا عن التخصص الدقيق في فنيات تحقيق المخطوطات.
وبغض النظر عن سيرة الدكتورة نبيلة في هذا المجال، فإن هذا الموضوع لا بد أن يستثير سؤالًا حول كم المخطوطات العربية الموجودة على امتداد العالم الإسلامي وفي مكتبات العالم، في أمة كانت العربية في أغلبها لغة العلم، وكانت الحروف العربية هي المستخدمة في كتابة لغاتها جميعًا. والقيام بواجب تحقيق تلك المخطوطات يقتضي، فضلًا عما ذكرنا، ربما إلمامًا بأكثر من لغة من لغات العالم الإسلامي. وإذا كان بعض تلك اللغات يحظى باهتمام أقسام اللغات الشرقية في بلادنا، فإن البعض الآخر لا يحظى بالاهتمام نفسه، ونحن كأمة أولى بتحقيق مخطوطاتنا من غيرنا من الأجانب.
في الختام، يبقى أن الدكتورة نبيلة لوبيس ليست سوى نموذج من عشرات النماذج التي ساهمت، ولا تزال، في بناء جسور الأمة. وهي النماذج الأولى بالاهتمام أكاديميًا وإعلاميًا، بدلًا من أولئك الذين يساهمون في هدم الجسور، وزرع الفتن بين أبنائها، وزيادة الاحتقان والتعصب بينهم. فما جعلنا الله شعوبًا وقبائل مختلفة الألسنة والألوان والثقافات إلا لنتعارف ونتكامل، والله أعلم.
ـ لمصدر المعلومات والمزيد منها، يُراجع كتاب: (حكاية بنت مصر ورحلة عطائها في إندونيسيا ـ نبيلة لوبيس ـ ميديا ألو إندونيسيا ـ جاكرتا 2015)
ـ المصدر: د.مجدي سعيد