مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
تشهد إثيوبيا لحظة تاريخية فارقة في مسار مجتمعها المسلم، مع انعقاد الجمعية العمومية الأولى للسنة الأولى للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، في سياق يتجاوز حدود حدث إداري عابر، ليعبّر عن بداية مرحلة جديدة وعصر ذهبي غير مسبوق في التاريخ الحديث لمسلمي البلاد، عنوانه التمثيل الشعبي، والبناء المؤسسي، والحوكمة الاتحادية المستقرة.


ويأتي هذا التحول في بلد يُشكّل فيه المسلمون ثاني أكبر جماعة دينية، بنسبة تتجاوز 35 في المئة من إجمالي السكان وفق تقديرات بحثية حديثة، مع امتداد جغرافي عميق يشمل أقاليم عفر والصومال ذات الأغلبية المسلمة، وحضورًا واسعًا في أوروميا وجامبيلا، وأقلية معتبرة في أمهرا وتيجراي، ما يمنح هذا المسار الجديد وزنًا وطنيًا يتجاوز الإطار الديني الضيق.
ويُعد المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا الهيئة الدينية المركزية الممثلة للمجتمع المسلم، وقد مرّ بمسار تاريخي طويل منذ تأسيسه عام 1975، ثم الاعتراف القانوني الأولي عام 2012، وصولًا إلى تنظيمه ككيان اتحادي مكتمل الصلاحيات بموجب الإعلان رقم 1207 لسنة 2020، بما أتاح له لأول مرة ممارسة دوره التمثيلي على أسس قانونية واضحة داخل الدولة الإثيوبية الحديثة.
انتخابات شعبية تؤسس لعصر جديد
تُعد انتخابات أغسطس 2025 محطة مفصلية غير مسبوقة في تاريخ مسلمي إثيوبيا، حيث شارك أكثر من 13 مليون مسلم على مدى ثلاثة أيام متتالية، في عملية اقتراع شملت جميع الأقاليم والولايات الإقليمية، واعتمدت أكثر من 49 ألف مسجد كمراكز انتخابية، في مشهد عكس حجم الانخراط الشعبي والثقة العامة بالمسار الجديد.
وأسفرت هذه الانتخابات عن اختيار 19 من كبار العلماء والقادة الدينيين، إلى جانب 120 عضوًا يمثلون مختلف الأقاليم، في انتقال نوعي من مرحلة التمثيل الرمزي إلى التمثيل المؤسسي الحقيقي، القائم على التفويض الشعبي والشرعية المجتمعية.
وأكد رئيس المجلس فضيلة الدكتور الشيخ حاجي إبراهيم طُفّة أن هذه الانتخابات جسّدت حق المسلمين في اختيار قيادتهم الدينية بشفافية، وفتحت صفحة جديدة بعد عقود من التحديات المرتبطة بإثبات الهوية والحقوق الدينية ضمن الإطار الوطني العام.
جمعية عمومية ترسّخ الاستقرار المؤسسي
في هذا السياق التاريخي، انعقدت الجمعية العمومية الأولى للمجلس في العاصمة أديس أبابا، لتشكّل أول اختبار عملي لثمار الانتخابات، حيث جرى تثبيت الذاكرة المؤسسية عبر تسلّم كامل وثائق ومواد العملية الانتخابية، بما شمل السجلات الرسمية، ووثائق الإصلاح والدراسات، والرموز المؤسسية، والأرشيف البصري والتقارير الرقمية.
وعكست هذه الخطوة وعيًا مؤسسيًا متقدمًا بأهمية التوثيق وحفظ التجربة بوصفها رصيدًا تاريخيًا للأجيال القادمة، وليس مجرد مرحلة عابرة.
الحوكمة والرقابة عنوان المرحلة
ضمن أعمال الجمعية، عُرض تقرير التدقيق والتفتيش، الذي قدّم قراءة مهنية لأداء المؤسسة، مبرزًا نقاط القوة، وراصدًا الثغرات بصيغة اقتراحية إصلاحية، مع التأكيد على توافق النظام المحاسبي للمجلس مع المعايير الدولية.
وشكّل النقاش الموسّع للتقرير مؤشرًا واضحًا على دخول المجلس مرحلة المساءلة الطوعية والشفافية الداخلية، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لاستدامة العمل المؤسسي.
أداء ستة أشهر يمهّد لمشروعات كبرى
كما ناقشت الجمعية تقرير الأداء التنفيذي للأشهر الستة الأولى منذ تأسيس المجلس بصيغته الاتحادية الجديدة، والذي عكس أن المرحلة الانتقالية، رغم ما صاحبها من تحديات إدارية، نجحت في إرساء الأسس الاستراتيجية، وإقرار الميزانية، وبدء تنفيذ برامج عملية تمهّد لإطلاق مشروعات أوسع وأكثر تأثيرًا في المرحلة المقبلة.
لماذا يُعد هذا عصرًا ذهبيًا لمسلمي إثيوبيا
لا تكمن أهمية هذه التجربة في حدث واحد، بل في تكامل المسار: انتخابات شعبية جامعة، تمثيل اتحادي قانوني، حوكمة مالية، شفافية داخلية، وتخطيط استراتيجي بعيد المدى. وهو تكامل لم يشهده المجتمع المسلم في إثيوبيا بهذا الوضوح والاتساع من قبل.
إنها لحظة انتقال من الدفاع عن الوجود إلى إدارة الشأن الديني والمجتمعي بثقة وشراكة وطنية، ومن رد الفعل إلى الفعل المؤسسي المنظم، ما يجعل المرحلة الراهنة أقرب ما تكون إلى عصر ذهبي حديث لمسلمي إثيوبيا، إذا ما حُسن استثماره وحُفظ توازنه بين الوحدة الداخلية والتنوع الجغرافي.







