مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
لم يكن توقيع عقد شراء مسجد جديد للجالية الألبانية في ألمانيا حدثًا إداريًا عابرًا، بل يمثل حلقة جديدة في مسار تاريخي أعمق، يعكس تحوّلًا نوعيًا في وعي الجاليات الألبانية المهاجرة بدور المؤسسة الدينية في حفظ الهوية الدينية والثقافية وتعزيز الاستقرار القيمي داخل المجتمعات الأوروبية.
أوروبا.. تسارع بناء المساجد يعكس تحولًا مؤسسيًا عميقًا
فالتحرك المتسارع لبناء وشراء المساجد في عدد من الدول الأوروبية خلال الأشهر الأخيرة، خاصة في سويسرا وألمانيا ثم إيطاليا، وتجدد هذا الزخم مرة أخرى في ألمانيا، لا يمكن قراءته بمعزل عن الخلفية التاريخية للشعب الألباني في غرب البلقان، حيث ارتبط المسجد تاريخيًا ببقاء الهوية واستمرارية الوجود الثقافي والديني.
ألمانيا.. توقيع شراء مسجد جديد يعزز الحضور المؤسسي للجالية الألبانية
فقد أعلن الأربعاء 11 فبراير 2026، المركز الإسلامي الألباني في مدينتي زيندلفينغن وبوبلينغن، الواقعتين في ولاية بادن فورتمبيرغ جنوب غرب ألمانيا، عن توقيع عقد شراء مسجد جديد، في خطوة وُصفت بأنها إنجاز مهم للمجتمع الألباني المسلم في المنطقة. ووجّه المركز شكره لجميع أفراد الجالية الألبانية على دعمهم المتواصل، مع تقديم شكر خاص إلى اتحاد المساجد في بادن فورتمبيرغ وممثلي المساجد الذين أسهموا في إنجاح المشروع، مؤكدًا أن المسجد الجديد سيكون مركزًا للعبادة وتعزيز الوحدة والتكافل والاستقرار المجتمعي.
البلقان.. عقود القمع الشيوعي لم تقطع جذور الهوية الإسلامية
لقد عاش الألبان عقودًا طويلة تحت أنظمة شيوعية أغلقت المساجد وقيّدت الشعائر، وحاولت إقصاء الدين من المجال العام، في واحدة من أشد مراحل التضييق على الهوية الدينية في البلقان. ومع ذلك، لم ينقطع ارتباطهم بالإسلام، بل ظل حاضرًا في الوجدان الجمعي، حتى جاءت لحظة التحول مع سقوط تلك الأنظمة وعودة الحريات الدينية مطلع تسعينيات القرن الماضي.
البلقان.. نهضة دينية أعادت بناء المؤسسات بعد عقود الإغلاق
ومنذ ذلك الحين، بدأت نهضة متدرجة ولكن عميقة؛ حيث أُعيد بناء المساجد، وأُحيي التعليم الإسلامي، واستُعيد حضور الدين في المجال العام، خاصة في دول مثل كوسوفا وألبانيا ومقدونيا الشمالية والجبل الأسود، رغم ما شهدته بعض هذه المناطق من حروب وتحديات سياسية واجتماعية. وكانت تلك المرحلة بمثابة استعادة للذاكرة الدينية وترميم للهوية بعد عقود من الانقطاع القسري.
المسجد في المهجر يتحول إلى مشروع لحماية الهوية
اليوم، ومع اتساع الهجرة الألبانية إلى أوروبا الغربية، انتقل تحدي الهوية إلى سياق جديد. فلم يعد الهدف استعادة الحرية الدينية فحسب، بل تثبيتها في بيئات متعددة الثقافات، وضمان انتقالها إلى الأجيال الناشئة التي وُلدت ونشأت في المهجر. ومن هنا، أصبح المسجد مشروعًا استراتيجيًا يتجاوز وظيفته الشعائرية، ليؤدي دورًا مركزيًا في إعادة إنتاج الهوية، وتعزيز الانتماء، وحماية اللغة والثقافة إلى جانب الدين.
التملك يعكس مرحلة جديدة من الاستقرار المؤسسي
كما يعكس توجه الجاليات نحو شراء المساجد بدل الاكتفاء بالمقار المؤقتة تحولًا واضحًا في الوعي المؤسسي؛ فالتملك يمثل استثمارًا طويل الأمد، ويؤسس لحضور مستقر ومستدام. ويؤكد الدعم الجماعي العابر للحدود، سواء من أفراد الجالية أو المؤسسات، أن الهوية الألبانية الإسلامية تستند إلى شعور جماعي متماسك يتجاوز الجغرافيا.
أوروبا.. المسجد رمز الاستمرارية الحضارية وبناء المستقبل
إن ما نشهده اليوم من تسارع في بناء المساجد الألبانية في أوروبا يعكس عمق الانتماء الإسلامي في وجدان هذا الشعب، ويؤكد أن الإيمان الذي صمد في وجه الإغلاق والقمع لم يكن طارئًا، بل امتدادًا تاريخيًا راسخًا. وهكذا، يتحول المسجد في المهجر من مبنى للعبادة إلى رمز للاستمرارية الحضارية، ومشروع متكامل لحماية الهوية الدينية والثقافية وضمان انتقالها بثبات إلى الأجيال القادمة.
ـ المصدر: المركز الإسلامي الألباني في بادن فورتمبيرغ ـ صفحات الجاليات الألبانية في دول أوروبية.





