مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
تكشف التقارير الأحدث المنشورة على موقع مسلمون حول العالم عن مرحلة متقدمة من نضج العمل الإسلامي المؤسسي، حيث لم تعد المؤسسات الدينية تكتفي بأداء وظائفها التقليدية المرتبطة بالشعائر والتعليم، بل باتت تضطلع بدور مجتمعي شامل يجمع بين بناء الإنسان، وتعزيز التماسك الاجتماعي، والمشاركة في حماية الفئات الأكثر هشاشة، وتطوير الحوار مع محيطها الوطني.
ومن غرب إفريقيا إلى قلب أوروبا وصولًا إلى جنوب شرق آسيا، تتقدّم نماذج مؤسسية تعبّر عن انتقال نوعي في وظيفة المؤسسة الدينية، قائم على رؤية متكاملة تضع المجتمع في صميم رسالتها، وتحوّل المرجعية الدينية إلى قوة استقرار، ومنصة للتنمية، وجسر للتواصل الإنساني والثقافي.
بنين.. الملتقى الرمضاني بوصفه منصة جامعة بين الدين والتنمية
في مدينة كوتونو، العاصمة الاقتصادية لجمهورية بنين في غرب إفريقيا، يعكس الاستعداد لإطلاق معرض «فيرام 2026» الإسلامي نموذجًا متقدمًا لتكامل الوظيفة الدينية مع الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية. فالملتقى لا يقتصر على كونه مناسبة دينية مرتبطة بشهر رمضان، بل يتحول إلى فضاء مجتمعي يجمع بين تعزيز الوعي الديني، وتنشيط الاقتصاد المحلي، وترسيخ ثقافة التضامن داخل المجتمع المسلم.
وتبرز أهمية هذه المبادرة في كونها تعكس وعيًا مؤسسيًا بدور الأنشطة الدينية في دعم التنمية المجتمعية، وتحويل المناسبات الدينية إلى منصات فاعلة لتعزيز الترابط الاجتماعي وبناء شبكات دعم اقتصادي وثقافي مستدامة.
النمسا.. الحوار المؤسسي يعزز حضور الإسلام كشريك في التعايش الوطني
في النمسا، تجسّد زيارة رئيس أساقفة فيينا الجديد إلى الهيئة الإسلامية في النمسا نموذجًا متقدمًا للحوار المؤسسي بين الأديان، يؤكد رسوخ المؤسسة الإسلامية كشريك معترف به في الحياة العامة. اللقاء لم يكن مجرد خطوة بروتوكولية، بل يعكس استمرار مسار طويل من الحوار والتعاون، قائم على الاحترام المتبادل والمشاركة في بناء مجتمع متوازن.
وتؤكد هذه الخطوة أن المؤسسات الإسلامية في أوروبا باتت تؤدي دورًا يتجاوز خدمة المجتمع المسلم فقط، لتصبح جزءًا فاعلًا في تعزيز التعايش والاستقرار المجتمعي، وترسيخ ثقافة التفاهم داخل المجتمعات متعددة الأديان.
ألبانيا.. أئمة اشكودرا يقودون مسارًا علميًا متجددًا لتعزيز الوعي الديني
في محافظة اشكودرا، شمال ألبانيا، يعكس انعقاد المؤتمر السنوي الرابع عشر للأئمة والعلماء استمرار الدور العلمي المركزي للمشيخة الإسلامية في تطوير الخطاب الديني وتعزيز التأهيل العلمي للأئمة. المؤتمر، الذي يأتي قبيل شهر رمضان، يشكّل محطة علمية مهمة لتبادل الخبرات، وتطوير أدوات العمل الدعوي، وتعزيز حضور الإمام بوصفه مرجعًا دينيًا ومجتمعيًا.
وتؤكد هذه المبادرات أن الاستثمار في تأهيل الأئمة يمثل ركيزة أساسية لاستدامة العمل الديني المؤسسي، وضمان قدرته على الاستجابة لمتطلبات المجتمعات المعاصرة بوعي ومسؤولية.
الفلبين.. المؤسسة الدينية شريك في حماية النساء والأطفال في بانغسامورو
في جنوب الفلبين، يعكس انخراط دار الإفتاء في اعتماد الخطة الاستراتيجية لحماية النساء والأطفال تحولًا مهمًا في دور المؤسسة الدينية، من مرجعية فقهية إلى شريك مؤسسي في صياغة السياسات المجتمعية. مشاركة المؤسسة الدينية في هذا المسار تؤكد إدراكها لمسؤوليتها في حماية الفئات الأكثر ضعفًا، والمساهمة في بناء بيئة اجتماعية آمنة ومستقرة.
وتكشف هذه التجربة عن نموذج متقدم للتكامل بين العمل الديني والمؤسسات الحكومية والمجتمعية، بما يعزز مكانة المؤسسة الدينية كفاعل وطني مسؤول.
سلوفينيا.. الانفتاح الثقافي يعزز الاندماج ويكسر الصور النمطية
في سلوفينيا، يعكس فتح المركز الثقافي الإسلامي في العاصمة ليوبليانا أبوابه للجمهور ضمن فعاليات اليوم الثقافي الوطني نموذجًا متقدمًا للانفتاح المؤسسي، حيث تتحول المؤسسة الإسلامية إلى مساحة للتواصل الثقافي، والتعريف بالإسلام، وتعزيز التفاهم مع مختلف مكونات المجتمع.
ويؤكد هذا الحضور أن المؤسسات الإسلامية في أوروبا باتت تؤدي دورًا ثقافيًا وحضاريًا مهمًا، يسهم في بناء جسور الثقة وتعزيز الاندماج الإيجابي داخل المجتمعات الوطنية.
ألمانيا.. بناء المساجد في أوروبا مشروع إستراتيجي لحماية الهوية وترسيخ التواجد
في سياق متصل، يعكس الحراك المتواصل لبناء المساجد وتطويرها داخل الجاليات المسلمة في أوروبا، خاصة الجاليات الألبانية، انتقالًا نوعيًا من مرحلة البحث عن مكان للعبادة إلى مرحلة بناء مؤسسات دينية متكاملة تؤدي أدوارًا تعليمية وثقافية واجتماعية.
وتبرز هذه المشاريع بوصفها استثمارًا طويل الأمد في استقرار المجتمع المسلم، وتعزيز قدرته على الحفاظ على هويته الدينية والثقافية ضمن سياق أوروبي معاصر.
قراءة ختامية.. المؤسسة الدينية من مرجعية تقليدية إلى فاعل مجتمعي شامل
تؤكد هذه النماذج المتعددة أن المؤسسة الدينية الإسلامية تشهد اليوم تحولًا عميقًا في طبيعة دورها ووظيفتها، حيث لم تعد مجرد إطار لتنظيم الحياة الدينية، بل أصبحت فاعلًا مؤسسيًا شاملًا يسهم في بناء الإنسان، وتعزيز الاستقرار المجتمعي، والمشاركة في التنمية، وحماية الفئات الأكثر ضعفًا، وتعزيز الحوار والتعايش.
ورغم اختلاف السياقات الجغرافية والثقافية، فإن القاسم المشترك بين هذه التجارب يتمثل في بروز مؤسسة دينية واعية، منظمة، وقادرة على التكيف مع متطلبات العصر، بما يؤكد أن مستقبل المجتمعات المسلمة يتشكل اليوم عبر عمل مؤسسي هادئ، متدرج، ومستدام، يضع الإنسان والمجتمع في صميم رسالته.
ـ المصدر: مسلمون حول العالم