مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
لم يعد العمل الإسلامي المؤسسي مقتصرًا على أداء الوظائف التقليدية المرتبطة بإدارة الشعائر، بل بات اليوم عنصرًا فاعلًا في صياغة المستقبل الاجتماعي والتعليمي والثقافي للمجتمعات المسلمة، حيث تكشف النماذج الحديثة من أوروبا وآسيا وإفريقيا عن انتقال واضح نحو مرحلة جديدة تقودها المؤسسات الدينية برؤية استراتيجية تضع الإنسان في قلب المشروع الحضاري.
بلغاريا.. الاستثمار في التعليم بوصفه حجر الأساس للمستقبل
في جمهورية بلغاريا، جسّدت حملة «التعليم الإسلامي» الوطنية نموذجًا متقدمًا في العمل المؤسسي طويل الأمد، حيث نجحت دار الإفتاء العامة في دعم نحو 11 ألف طفل و617 معلمًا، من خلال موارد مالية تجاوزت نصف مليون دولار أمريكي. هذا الإنجاز يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاستثمار في التعليم الديني المنهجي يمثل الضمانة الحقيقية لاستمرار الهوية الدينية وتعزيز الاستقرار المجتمعي، ويؤكد انتقال المؤسسات الدينية إلى دور أكثر تأثيرًا في بناء الأجيال.
روسيا.. تعزيز الوعي التاريخي وبناء الشخصية العلمية للطلاب
وفي روسيا الاتحادية، يبرز دور القيادة الدينية في ربط الأجيال الجديدة بجذورها الحضارية، حيث استقبل مفتي منطقة حوض الفولغا طلابًا مسلمين دوليين في لقاء علمي تناول تاريخ الإسلام الممتد لأكثر من 1300 عام في البلاد. كما نظمت الإدارة الدينية لمسلمي مقاطعة بينزا مبادرة اجتماعية رياضية جمعت مساجد عدة، في خطوة تعكس فهمًا متوازنًا لدور المؤسسة الدينية في بناء الإنسان علميًا واجتماعيًا، وتعزيز الروابط المجتمعية ضمن إطار مؤسسي منظم.
ألبانيا.. العمل الخيري المؤسسي بوصفه أداة للاستقرار الاجتماعي
وفي غرب البلقان، جسّدت المشيخة الإسلامية في دولة ألبانيا نموذجًا متقدمًا في العمل الخيري المؤسسي من خلال تدشين أكبر مشروع إغاثي رمضاني يستهدف دعم 6500 أسرة محتاجة. ويعكس هذا المشروع تحول العمل الخيري من مبادرات موسمية إلى منظومة مؤسسية متكاملة تُسهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي وترسيخ التكافل بوصفه ركيزة أساسية في البناء المجتمعي.
النرويج.. الحوار بوصفه أداة لحماية التماسك المجتمعي
وفي شمال أوروبا، برزت أهمية الحوار الديني والمؤسسي من خلال مؤتمر الحوار الإسلامي في النرويج، الذي ناقش تحديات تصاعد اليمين المتطرف وتأثيره على المجتمعات متعددة الثقافات. ويؤكد هذا الحراك أن المؤسسات الإسلامية لم تعد تكتفي بإدارة شؤونها الداخلية، بل باتت شريكًا فاعلًا في حماية التماسك الاجتماعي وتعزيز ثقافة التعايش.
إثيوبيا.. القيادة الدينية في قلب الاستجابة للتحديات المجتمعية
وفي القرن الإفريقي، يواصل المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في إثيوبيا أداء دور محوري في توجيه المجتمع نحو تعزيز التكافل والاستقرار، من خلال دعوات استراتيجية لاستثمار شهر رمضان في ترسيخ التضامن الاجتماعي والسلام. ويعكس هذا الدور تحول المؤسسة الدينية إلى مرجعية مسؤولة تشارك في إدارة التحديات الوطنية ضمن إطار من الشراكة المجتمعية.
إسطنبول والبلقان.. توحيد الجهود المؤسسية لتعزيز استقرار الأسرة
وفي تركيا، شكّل مؤتمر «الأسرة في الإسلام» منصة جامعة لمؤسسات دينية من دول البلقان، حيث ناقش دور الأسرة بوصفها الركيزة الأساسية لاستقرار المجتمعات. ويؤكد هذا اللقاء أن العمل المؤسسي الإسلامي يتجه نحو تعزيز البعد الاستراتيجي طويل الأمد، عبر التركيز على الأسرة باعتبارها نقطة البداية في بناء المجتمعات المستقرة.
مقدونيا الشمالية وكوسوفا والبوسنة.. استمرار البناء العلمي وتعزيز الهوية
وفي دول البلقان، تواصل المؤسسات الدينية أداء دورها الحيوي في بناء الإنسان، حيث احتفت واحة القرآن في مقدونيا الشمالية بتخريج طفل حافظ جديد، فيما قادت معلمات قسم المرأة في المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا حراكًا تعليميًا واسعًا استعدادًا لشهر رمضان، وناقشت المؤسسات الأكاديمية في البوسنة قضايا الحرية والتعايش ضمن مؤتمر علمي دولي. وتعكس هذه المبادرات اتساع نطاق العمل المؤسسي ليشمل مختلف الفئات العمرية والاجتماعية.
الاستثمار في التعليم وتعزيز التكافل وترسيخ الحوار وتطوير الإنسان
تكشف هذه النماذج المتعددة من ثلاث قارات أن المؤسسات الدينية الإسلامية دخلت مرحلة جديدة من النضج، لم تعد تكتفي فيها بالحفاظ على الهوية، بل أصبحت فاعلًا رئيسيًا في بناء المستقبل، عبر الاستثمار في التعليم، وتعزيز التكافل، وترسيخ الحوار، وتطوير الإنسان.
وبهذا المعنى، فإن الحراك المؤسسي الإسلامي اليوم يمثل انتقالًا نوعيًا من إدارة الواقع إلى المشاركة الفاعلة في تشكيله، ضمن رؤية متوازنة تجمع بين الأصالة والانفتاح، وتؤكد أن البناء الحقيقي يبدأ بالإنسان، ويستمر بالمؤسسة، ويتجسد في المجتمع.