مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

محمود مرعي.. فضيلة استكشاف الأوطان وما ينقصها

يواصل الدكتور مجدي سعيد سلسلته «نقاط مضيئة» في استحضار نماذج إنسانية ملهمة

مسلمون حول العالم ـ متابعات

ضمن سلسلته المتواصلة «نقاط مضيئة»، يواصل الدكتور مجدي سعيد استحضار نماذج إنسانية ملهمة، لا بوصفها سيرًا فردية فحسب، بل باعتبارها تجارب كاشفة لمعنى أعمق يتعلق بالوعي، والانتماء، ودور الفرد في استعادة ما يغيب عن أمته من قيم ومهارات ومشروعات مؤجلة.

هذه السلسلة لا تنشغل بتلميع الأشخاص، بل بتفكيك التجارب، وقراءة دلالاتها في سياقها الحضاري، وربط الخاص بالعام، والفردي بالوطني. ومن خلال هذا المنهج، تتحول القصة إلى مدخل لفهم قضية أكبر، ويتحول المسار الشخصي إلى نافذة على سؤال جماعي.

وفي هذه الحلقة من «قصص ومعان»، يتناول الدكتور مجدي سعيد تجربة الدكتور محمود مرعي، بوصفها نموذجًا لاستعادة فضيلة استكشاف الأوطان، وإعادة الاعتبار للعلاقة بين الإنسان وأرضه، بين المعرفة والانتماء. فالمقال لا يروي فقط حكاية شغف بالصحراء، بل يطرح تساؤلات أوسع حول موقعنا من جغرافيتنا، ومن حقنا في اكتشافها وتوثيقها بأعيننا وأقلامنا.

إن ما يميز هذا الطرح هو قدرته على تحويل تجربة فردية في ارتياد الصحراء إلى قضية وعي وطني، تتصل بالبحث العلمي، وبالكتابة للجمهور العام، وبالحاجة إلى مشروع عربي يعيد زرع الشغف بالاستكشاف في نفوس الأجيال الجديدة. وهكذا تواصل «نقاط مضيئة» أداء رسالتها، بوصفها مساحة لإعادة قراءة التجارب الملهمة، واستخلاص ما فيها من معانٍ تتجاوز أصحابها إلى مجتمع بأكمله.

بقلم: الدكتور مجدي سعيد ـ كاتب صحفي مقيم في لندن

أولًا: البدايات المبكرة وشغف الصحراء

ما بين عامي 1994 و1996 كنت أدرس دبلومة الأنثروبولوجيا بمعهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعة القاهرة (كلية الدراسات الأفريقية العليا حاليًا)، ومن خلال دراستي تلك تفتح وعيي على دور رحلات الاستكشاف التي قامت بها أمم الغرب في بلادنا على مدار قرون، والتي مهدت لتطور علمي الاستشراق والأنثروبولوجيا، كما كانت أدوات في مشروع احتلال أوطاننا. وفي الفترة نفسها كان الشاب محمود مرعي يبدأ اكتشاف شغفه وتعلقه الشديد بارتياد الصحراء، خاصة الصحراء الغربية في مصر، وذلك في أعقاب رحلة صاحب فيها ابن عمه محمد فايز إلى سيوة عام 1995.

لم تكن تلك أولى زيارات الدكتور محمود مرعي إلى الصحراء، بل كانت زيارته الثانية بعد زيارته لسيناء وهو ابن عشر سنوات، وتحديدًا عام 1984، والتي ربما غرست في نفسه حب المغامرة والترحال. لكن زيارة سيوة كانت بداية تحققه من شغفه الحقيقي بارتياد الصحراء، كما كانت بداية لعشرات الرحلات التي جاب فيها الصحراء الغربية من شمالها إلى جنوبها. بدأها شغوفًا مستمتعًا هاويًا، وشيئًا فشيئًا تطورت معارفه ومهاراته وخبراته، كما تطور ولعه بارتياد الصحراء حتى قرر أن يترك عمله بالتدريس، والذي كان قد بدأه عقب تخرجه في قسم الكيمياء بالجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1995.

ثانيًا: من الهواية إلى الاحتراف العلمي

كان قرار محمود بترك وظيفة التدريس في بعض المدارس الثانوية الخاصة، التي كانت تؤمن له دخلًا ثابتًا وجيدًا في بداية حياته المهنية، بعد أن اكتشف سبيلًا آخر لاكتساب الرزق من شغفه؛ إذ اعتاد كتابة تقارير مصورة عن رحلاته الصحراوية في عدد من المجلات المحلية والعالمية باللغة الإنجليزية. عند ذلك قرر أن يأخذ شغفه إلى مرحلة الاحتراف، وشيئًا فشيئًا تطور هذا الاحتراف إلى مستوى أعلى بعد أن صار اسمه معروفًا في الأوساط المهتمة باستكشاف الصحراء، فصار أيضًا منظمًا لرحلات إلى أبعد مناطق الصحراء، مثل هضبة الجلف الكبير، وبحر الرمال الأعظم، وجبل العوينات، فضلًا عن مشاركته في رحلات استكشافية صحراوية خارج مصر.

وشيئًا فشيئًا أيضًا ترسخت في وعيه الرغبة في ممارسة الاستكشاف العلمي لتلك المناطق البعيدة، وليس فقط الاستمتاع بالسياحة والمغامرة. وبالفعل استطاع اكتشاف آثار ومعالم مهمة في تلك المناطق، من كهوف تحتوي على رسومات جدارية تعود لفترات ما قبل التاريخ، إلى آثار فرعونية غير معروفة، ومعالم جغرافية وتاريخية أخرى مسجلة باسمه منفردًا أو مع آخرين. وصارت تلك الاكتشافات تُدوَّن في أوراق بحثية، لا في مقالات صحفية أو تدوينات على وسائل التواصل الاجتماعي فقط.

ثالثًا: المسار الأكاديمي الموازي

في عالم موازٍ لمسار استكشاف الصحراء هذا، واصل محمود دراساته العليا، فحصل عام 2011 على ماجستير في التعليم الدولي من فرع جامعة ماساشوستس بالقاهرة، ثم على الدكتوراه عام 2018 من جامعة أريزونا عن الحراك الطلابي للطلاب الأجانب في مصر. كما كانت له بعض المقالات والدراسات حول مقارنات التعليم العالي بين مصر ودول من جنوب العالم، مثل الأرجنتين والمكسيك.

رابعًا: توثيق التجربة ومشروع “ترحال”

خلال عامي 2023 و2024 التقى محمود مرعي بعالم الجغرافيا الطبيعية الشهير الدكتور عاطف معتمد، حيث شجعه الأخير على توثيق خبراته وإتاحتها للقارئ العربي. ولم يكتفِ الدكتور عاطف بالتشجيع، بل استثمارًا لقدرة الدكتور مرعي على الحكي استخدم معه تقنية التأريخ الشفهي، فسجل معه عشرة لقاءات مطولة تركه خلالها يحكي على سجيته. وكان نتاج هذا الحكي كتاب “ترحال في الصحراء الغربية”، الذي صدر عام 2024 عن دار إشراقة، كما صدر الجزء الثاني بعنوان “ترحال.. استكشافات جغرافية وأثرية قام بها د. محمود مرعي” عام 2026، ويتناول استكشافاته خارج مصر في صحراوات أفريقية وعربية.

خامسًا: تأملات في واقع الاستكشاف العربي

خلال زيارتي هذا العام لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، حرصت على اقتناء الكتاب الذي قرأت عنه على فيسبوك، وقد ظفرت بجزئه الأول فقط، إذ لم يكن الجزء الثاني موجودًا حين ذهبت إلى الجناح. وفي بضعة أيام التهمت الكتاب الذي يتجاوز 270 صفحة، والذي أثار في ذهني عددًا من التأملات أرى من المفيد مشاركتها مع القارئ الكريم:

بالرغم من انتهاء الاحتلال العسكري لأوطاننا، فلا تزال وفود الاستكشاف الغربية تأتي إلى بلادنا، ولا يزال كثير منهم يتعامل معنا ومع استكشاف ما في أوطاننا تعامل المستعمر العنصري، فنحن وأوطاننا بالنسبة للبعض منهم كلأ مباح، لا يترتب على استغلاله أية حقوق أدبية لبلادنا.

في المقابل نجد ندرة في الرحلات الاستكشافية الوطنية، حتى صار الأجانب يعرفون عن بلادنا أكثر مما نعرف نحن، خاصة على مستوى الجمهور العام، ومن هنا تأتي أهمية مشروع كتب “ترحال”.

كما نفتقد مجلة عربية وطنية معنية بالتعريف ببلادنا على غرار “ناشونال جيوجرافيك”، تكتب للجمهور العام وتزرع الشغف، ونفتقد كذلك أنشطة تربوية تغرس في أبنائنا مهارات استكشاف الأوطان.

سادسًا: الحاجة إلى ميثاق وطني للاستكشاف

ارتباط الاستكشاف بمتطلبات معرفية ومادية كبيرة يجعله نشاطًا نخبويا، ومن ثم فإن على من يمارسونه واجب نقل خبراتهم للقارئ العربي. وهذا يستدعي التفكير في إحياء فكرة “جمعية الاستكشاف المصرية” بروح وطنية معاصرة، تجمع خبرات المتخصصين في الجغرافيا والجيولوجيا والحياة البرية والمجتمعات البشرية، وتحظى برعاية مؤسسات الدولة المعنية.

وبالعودة إلى كتاب الدكتور محمود مرعي، كنت أنتظر أن يختتم كتابه بخلاصة تبلور خبراته المتراكمة على مدى أكثر من ثلاثة عقود، لتكون دليلًا موجزًا لكل مهتم بالبدء في هذا المجال، بما يحمي الأرواح ويوفر الموارد ويؤهل الأجيال القادمة لرحلات أكثر وعيًا ونجاحًا. والله أعلم.

ـ لمصدر المعلومات والمزيد منها طالع:

ـ طالع مقال الدكتور مجدي الأصلي: ( اضغط هنا ).

ـ صفحة محمود مرعي على الفيسبوك: ( اضغط هنا ).

ـ كتاب: محمود مرعي، ترحال في الصحراء الغربية، تقديم وتحقيق عاطف معتمد، القاهرة، دار إشراقة، 2024.

ـ طالع صفحة كتابات الدكتور مجدي التي أعادة موقع مسلمون حول العالم نشرها من جديد: ( اضغط هنا ).

ـ طالع حوار أجراه موقع مسلمون حول العالم مع الدكتور مجدي: ( اضغط هنا ).

التخطي إلى شريط الأدوات