مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في تحول يعكس انتقال العمل الخيري من الإغاثة إلى التنمية المستدامة، تبرز مبادرة “الخياطة من أجل الأمل” في العاصمة الكمبودية بنوم بنه كنموذج عملي لإعادة تشكيل واقع المرأة المسلمة، عبر نقلها من دائرة الاحتياج إلى فضاء الإنتاج والاعتماد على الذات، في تجربة تعكس تطورًا نوعيًا في مفهوم العمل الإنساني داخل المجتمعات المسلمة.
وتعزز زيارة سفيرة الجمهورية التركية لدى كمبوديا إلى المركز هذا التوجه، إذ تؤكد البعد الدولي الداعم لهذه المبادرات، وتبرز في الوقت ذاته تنامي الوعي بأهمية الاستثمار في الإنسان، لا سيما المرأة، باعتبارها ركيزة أساسية في استقرار الأسرة وبناء المجتمع.
بنوم بنه.. من التدريب إلى التمكين الحقيقي
يقع مركز “الخياطة من أجل الأمل” في منطقة روسي كيو شمال العاصمة الكمبودية بنوم بنه، وهي منطقة تضم شرائح اجتماعية محدودة الدخل، ما يجعل المشروع أكثر التصاقًا باحتياجات الواقع المحلي.
ولا تقتصر أهمية المشروع على تقديم تدريب مهني فحسب، بل تمتد إلى إعادة بناء الثقة لدى النساء المستفيدات، خاصة ربات البيوت والأرامل، من خلال تمكينهن من اكتساب مهارة واضحة قابلة للتحول إلى مصدر دخل مستدام.
وهنا تتجلى فلسفة المشروع؛ إذ لا يكتفي بتعليم الخياطة كحرفة، بل يفتح أمام المتدربات أفقًا جديدًا للحياة يقوم على الاستقلال الاقتصادي وتعزيز الكرامة الإنسانية.
شراكات تصنع الأثر.. تكامل الأدوار
يبرز المشروع نموذجًا ناجحًا للتكامل بين الجهات الدولية والمؤسسات المحلية، حيث توفر الجهات الداعمة التمويل والخبرة، فيما تتولى المؤسسات المحلية التنفيذ والمتابعة الميدانية.
ولا يضمن هذا التكامل استمرارية المشروع فحسب، بل يعزز من فاعليته، نظرًا لارتباطه الوثيق بالسياق الاجتماعي والثقافي المحلي واحتياجاته الفعلية.
كما تضيف زيارات المسؤولين والجهات الداعمة بُعدًا معنويًا مهمًا، يتمثل في رفع معنويات المستفيدات وتعزيز شعورهن بقيمة ما يقدمنه، بما ينعكس إيجابًا على استمراريتهن في مسار التمكين.
من الإغاثة إلى التنمية.. تحوّل في المفهوم
يعكس المشروع تحولًا نوعيًا في طبيعة العمل الخيري داخل المجتمعات المسلمة، من نمط الإعانات المؤقتة إلى بناء القدرات وتمكين الأفراد.
فبدلًا من تقديم مساعدات آنية سرعان ما تتلاشى آثارها، يعمل هذا النموذج على إحداث تغيير طويل الأمد، عبر تزويد النساء بمهارات عملية (تقنية) وأخرى حياتية (سلوكية)، بما يؤهلهن للاندماج في سوق العمل أو إطلاق مشاريع صغيرة خاصة بهن.
ويُعد هذا التحول أحد أبرز ملامح العمل التنموي الحديث، حيث يصبح الإنسان هو محور الاستثمار الحقيقي.
المرأة المسلمة.. من الهامش إلى الفاعلية
تكشف هذه التجربة عن تحول تدريجي في موقع المرأة المسلمة داخل بعض المجتمعات، من كونها متلقية للدعم إلى عنصر فاعل ومنتج.
فالمرأة التي تكتسب مهارة وتتمكن من تأمين دخلها، لا تغيّر واقعها الشخصي فحسب، بل تسهم في تحسين وضع أسرتها، وتصبح جزءًا من دورة اقتصادية واجتماعية أوسع.
ويحمل هذا التحول أثرًا مضاعفًا، إذ ينعكس على الأجيال القادمة، ويعزز من فرص التعليم والاستقرار داخل الأسرة.
قراءة في الأثر.. ما بعد المشروع
لا يقف أثر مثل هذه المبادرات عند حدود التدريب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الوعي المجتمعي بأهمية العمل والإنتاج، وإعادة تعريف دور المرأة في المجتمع.
كما يفتح الباب أمام مبادرات مماثلة يمكن تطبيقها في بيئات أخرى، ما يجعل هذا النموذج قابلًا للتكرار والتوسع.
وفي ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه العديد من المجتمعات المسلمة، تبدو مثل هذه المشاريع خيارًا استراتيجيًا لتحقيق التنمية المستدامة.
كمبوديا.. دولة تقع في جنوب شرق آسيا، تحدها تايلاند من الغرب ولاوس من الشمال وفيتنام من الشرق، ويبلغ عدد سكانها نحو 17 مليون نسمة، وعاصمتها بنوم بنه.
المجتمع المسلم في كمبوديا.. يُعد من الأقليات الدينية في البلاد، ويتركز معظمهم من قومية “تشام”، ويعمل عبر مؤسساته على تعزيز التعليم والتمكين الاجتماعي والاقتصادي، رغم التحديات التي تواجهه.
ـ المصدر: قناة CITV









