مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في قلب سيبيريا المتجمدة، حيث تمتد مناجم الألماس تحت جبالٍ من الثلوج القاسية في ياقوتيا أقصى شمال شرق روسيا، لا يتلألأ البريق في الأحجار بقدر ما يتجلى في قلوب المؤمنين؛ هناك، في مدينة ميرني، يصطف المسلمون لأداء صلاة عيد الفطر تحت تساقط الثلوج، بعضهم داخل مصلى صغير لم يعد يتسع، وكثير منهم في الخارج فوق الجليد، في مشهد إيماني نادر يتحدى أقسى الظروف المناخية.
إنها ليست مجرد صلاة عيد، بل قصة هوية تتوهج في أقصى العزلة الجغرافية، حيث يتحول الفرح إلى ثبات، والبرد إلى اختبار، ويعلو نور الإيمان فوق كل بريق، مؤكدًا أن هذا الدين لا تحدّه الجغرافيا، ولا تُطفئه قسوة الطبيعة، بل يزداد حضورًا كلما اشتدت الظروف.
جغرافيا قاسية.. وثبات يتجاوز الطبيعة
تقع مدينة ميرني في جمهورية ساخا (ياقوتيا)، ضمن سيبيريا الشرقية، وهي واحدة من أبرد المناطق المأهولة في العالم، حيث تغطي الثلوج الأرض معظم أشهر السنة، وتصل درجات الحرارة إلى مستويات شديدة الانخفاض، ما يجعل الحياة اليومية تحديًا دائمًا.
ورغم هذه الظروف، لم يكن البرد عائقًا أمام المسلمين هناك، بل كان جزءًا من المشهد الذي زاد من قيمة اللحظة، وأبرز عمق التمسك بالشعائر الدينية.
صلاة تتجاوز المكان
لم يتسع المصلى الصغير للأعداد المتزايدة من المصلين، فامتد صف الصلاة إلى الخارج، فوق الثلوج، في صورة تعكس إقبالًا كبيرًا وحرصًا شديدًا على أداء صلاة العيد بعد شهر كامل من الصيام.
وقف المصلون في صفوف منتظمة، تتساقط عليهم الثلوج، دون أن ينكسر حضورهم أو يخفت خشوعهم، في مشهد يختصر معنى الإيمان حين يتحول إلى سلوك ثابت لا يتأثر بالظروف.
من ضوء الألماس إلى نور الإيمان الأسطع
تُعرف ميرني عالميًا بأنها مدينة الألماس، حيث تحتضن أحد أكبر المناجم المفتوحة في العالم، منجم «مير»، الذي شكّل لعقود مصدرًا اقتصاديًا مهمًا.
لكن في هذا اليوم، لم يكن الألماس هو ما يلفت الانتباه، بل نور الإيمان الذي بدا أكثر بريقًا، في قلوب أناس اختاروا الثبات على شعائرهم رغم كل التحديات.
هوية محفوظة في أقصى العزلة
تكشف هذه المشاهد عن مجتمع مسلم صغير في منطقة نائية، قد لا يُسمع عنه كثيرًا، لكنه يحمل هوية واضحة، ويعيش ارتباطًا حقيقيًا بدينه، ويحرص على إحياء شعائره الجماعية رغم قلة الإمكانات وبعده عن المراكز الكبرى.
إنها صورة تؤكد أن الإسلام ليس حكرًا على المدن الكبرى، بل هو حاضر في أطراف العالم بنفس القوة والصدق.
رسالة العيد.. حين ينتصر الإيمان
في ميرني، يتحول العيد إلى أكثر من مناسبة؛ يصبح رسالة صامتة تقول إن الإيمان أقوى من البرد، وأن الهوية يمكن أن تبقى حيّة حتى في أقسى البيئات، وأن نور العقيدة يعلو فوق كل بريق مادي، مهما كان لامعًا.
نبذة عن روسيا
تقع روسيا في شمال أوراسيا، وتُعد أكبر دولة في العالم من حيث المساحة، وتمتد عبر مناطق واسعة تشمل سيبيريا المعروفة ببرودتها الشديدة ومواردها الطبيعية الهائلة.
المسلمون في روسيا
يُقدَّر عدد المسلمين في روسيا بنحو 20 إلى 25 مليون نسمة، وينتشرون في مناطق متعددة، من بينها جمهوريات ذات غالبية مسلمة، إضافة إلى مجتمعات صغيرة في مناطق نائية مثل ياقوتيا، تحافظ على هويتها الدينية رغم التحديات الجغرافية والمناخية.
ـ المصدر: فضيلة الشيخ نفيع الله عشيروف، مفتي ورئيس الإدارة الدينية المركزية لمسلمي القسم الآسيوي من روسيا.

