مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

د. لاغا: الأقليات المسلمة.. وعبء التصرفات الفردية

التصرفات الفردية الخاطئة التي يقوم بها البعض تتحملها الأقليات المسلمة ككلٍّ نتيجةً لأربع عوامل

سلسلة رسائل إلى الأقليات المسلمة حول العالم

الرسالة الثالثة..

د. لاغا: الأقليات المسلمة.. وعبء التصرفات الفردية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في ثالث رسالةٍ يوجهها إلى المجتمعات المسلمة بالدول غير الإسلامية حول العالم (الأقلّيّات المسلمة)، تطرَّق المفكّرُ الإسلاميُّ الأستاذ الدكتور علي لاغا؛ مدير مركز البحث العلمي، إلى مسألة التصرفات الفردية الخاطئة التي يقوم بها البعض، وتتحملها الأقليات المسلمة ككلٍّ نتيجةً لسياسات الإعلام المُنحاز. كما طرَح د. لاغا بعض الحلول للتخفيف من هذه الظاهرة التي باتتْ تؤثِّر على أمان واستقرار الأقليات المسلمة، خاصة في المجتمعات الغربية.

وتأتي هذه الرسائل التوجيهية، والتي تنشرها مدونة “مسلمون حول العالم” تِباعًا خلال الفترة الحالية؛ بِناءً على أسئلةٍ قمنا بطرحها على سعادة الدكتور لاغا، وتتعلق بحاضر ومستقبل الوجود الإسلامي للأقليات المسلمة حول العالم.

أربعة عوامل مقلقة!

إن حضور المسلمين كأقلية بين أكثرية تخالفهم في الدين والعرق من جهة، وفي النفوس مخزون تاريخي من العداء، إضافة إلى الحركات العنصرية والقومية التي تؤجِّج هذا العداء بين الحين والآخر؛ ويُعزز كل هذا إعلامٌ منحازٌ غير محايد يصنع من الحبّة قبّة.

هذه العوامل الأربعة وغيرها هي من الأمور التي تواجهها الأقلية المسلمة في موطنها الجديد الذي هاجرت إليه، وتؤثِّر على استقرارها وشعورها بالأمان.

فلو أن مسلمًا تعثَّر في مشيه لصوَّره الإعلام الفوبيوي على أنه يُعرِقل سير المارَّة. كما أن بعض أجهزة الشرطة تصف أي خطأ من مسلم بأنه إرهاب ولو كان مجنونًا، بينما غير المسلم لو أجهز على العشرات من طلاب مدرسة ومعلميها، أو مارة في السوق، كما حدث خلال السنوات الماضية في دول غربية، سيتم الإعلان عن أنه مريض نفسي، حتى ولو كان الأمر غير ذلك!

هذا من جهة المجتمع الغربي، لكن من جهة المسلمين المهاجرين؛ فهناك أيضًا تصرفات فردية لا تمُتُّ للإسلام بصِلَة، ويحسبها الطرف الآخر على الإسلام والمسلمين ككلٍّ، والأمثلة كثيرة.

وأضحت الأقليات المسلمة بين نارين: نار تأجيج العداء من طرف جهات يمينية متطرفة، ونار التصرفات الفردية التي هي في حقيقتها وقودٌ مجاني يُقدّم لهذه الجهات اليمينية لزيادة تأجيجها لهذا العداء.

وفي ظل كل هذه العوامل السلبية التي تؤثر على نظرة المجتمع ككلٍّ للمسلمين الذين يعيشون بينهم، يصبح طرح السؤال التالي منطقيًّا:

– كيف تتحمل الأقلية المسلمة مثل هذه الأمور؟ وكيف تَدرَأ التُّهم التي تطالُها؟

قبل الإجابة على هذا السؤال، وتقديم بعض النصائح أو المقترحات، لابد أن نُقرَّ جميعًا بأن هذه المسألة ليست سهلة في الحل والعلاج، لكننا نتفق جميعًا على أنه لابد من فعل شيء لتخفيفها على الأقل، إن لم نستطع حلها وعلاجها بشكل تام وكامل، وهذه رؤية لبعض المسارات التي يمكننا العمل عليها:

ـ مراعاة ثقافة المجتمع الغربي في خطابنا الديني:

إن خطب بعض أئمة المساجد لا تأخذ بعين الاعتبار فَهْم المستمع أو المُترجِم، فيستعمل بعض الخطباء عبارات قد يكون مفهومها غير مناسب في ترجمتهم غير الوافية، أو في عاداتهم وثقافتهم، ولنُعطِ مثالينِ على ذلك:

أ ـ في عيد الأضحى، يقول الخطيب: غدًا يوم الذبح أو الدم، وهو يقصد تقديم الأضاحي. إن مثل هذا الكلام يُفهم بطريقة غير مألوفة، بينما كان الأَولى له القول: غدًا يوم إطعام الفقراء الذين ستُقدّم لهم لحوم الأضاحي مجانًا.

ب ـ وآخر في دعاء نهاية خطبة الجمعة، يقول البعض- وأنا سمعت هذا بأُذني في دولة يهاجر إليها مسلمون: “اللهم شتِّت شملهم، ورمِّل نساءهم، ويتِّم أطفالهم، ومزِّقهم شَرَّ مُمزَّق”!!

ولم ينتبه إلى ردة فعل المستمع، وطريقة ترجمة المُكلَّف بمراقبة خُطب الجمعة، بينما كان الأسلم له الدعاء على الظالمين، وحفظ حقوق الناس وأطفالهم. هذا يُكوِّن تعاطفًا معه ورِدَّة فعلٍ إيجابية.

وأخطاء أخرى أكثر إثارةً ضد الأقلية المسلمة تعود إلى ما يتم نشره، وكأن هؤلاء المسلمين البسطاء الذين تركوا أغلى شيء (الأهل والوطن ومراتع الصبا) هربًا من ظلم ٍيحدث في بلادهم، أو بحثًا عن لقمة العيش، يتحدثون عن أسلمة عدد من أهالي البلاد ويطلقون أسماء: ولاية كذا، وولاية … وفي بضع سنين ستصبح البلاد إسلامية، وتلك بعد عقدين، وكأنهم جاءوا فاتحين وليسوا طلاب إيواء ولقمة عيش!

هذه الأساليب وغيرها يستفيد منها من يتوجس من وجودهم، ويساعد في نشرها؛ مما يُحدِث ردة فعل عند السكان الأصليين أنهم يتعرَّضون لحرب صامتة تريد تغيير هُوِيَّتهم وحضارتهم ودينهم؛ مما يضطرهم إلى توجيه ضربات وقائية كما هو معلوم.

إذا تزوجت امرأة غير مسلمة بمهاجر مسلم، فعلى الفور يُسجّل لها فيديو وهي تعلن الشهادة، وتتصدر صورها وسائل الإعلام المتاحة. يساعد في ذلك ضعاف النفوس الذين لا يرون جدوى من أكثر من مليار ونصف المليار، وهم غثاء كغثاء السيل، بل هذه المهتدية الجديدة بها ترتفع المعنويات، وتكبر الأحلام!

هذا غيض من فيض، يكفي التلميح إليه، لكن تبقى ظواهر أخرى يقوم بها من يحمل أسماء مسلمة قد تكون بسبب مشاكل شخصية أو مرضية، أو استفزاز يُخرج أحدهم عن وعيه؛ فيرتكب جريمةً أو خطأ ما، وبعضهم يتم توريطه من قِبل جهاتٍ تريد زيادة الكراهية ضد المسلمين، وقد لا يكون في مسرح الحدث مسلمٌ بالفعل، ويُنسَب الأمر لمسلمين.. أحداث متعددة الأوجه يتحمل تداعياتها المهاجرون المسلمون.

عناوين لبعض الحلول

وختامًا: الحل ليس سحريًّا، لكن لابد من التالي:

ـ تجفيف الخطابات التي تنشر الكراهية في المجتمع، وتتسبب بإحداث شرخٍ في وجدان أبنائه، والإعلان عن البراءة من كل من يخلُّ بأمن الناس ومصالحهم.

ـ تعليم المسلمين في مساجدهم ومدارسهم بأنهم في حكم المُعاهَد حيثُ مُهَاجَرهِم، فالدخول بتأشيرة دخول، والحصول على الإقامة أو الجنسية هو عهدٌ لا يجوز نقضُه شرعًا، كما لا يجوز من أحد من خارج البلاد القيامُ بخللٍ أمْنيٍّ فيها؛ لأنه يوجد مسلمون بينهم وبين الدولة عهد وميثاق.

ـ كما يجب تدريس المسلم المُهاجِر قوانين البلد الجديدة وعاداتهم وتقاليدهم، وما يُفرحهم وما يُزعجهم، خاصة وأن دولتهم بحاجة لمهاجرينَ جددٍ لمساعدتهم ومشاركتهم في بناء الوطن الذي يتَّسع للجميع، وعلى الجميع الحفاظ عليه وعلى أمنه.

ـ لابد من إتقان لغة القوم وثقافتهم حتى لا يُساء فهمهم حال الخطأ في استعمال كلمة أو تعبير، كما لابد من فتح آفاق للتعرُّف على المسلمين وحضارتهم “السلمية”؛ من خلال تنظيم زيارات لملتقياتهم الفكرية والثقافية؛ فهناك آفاق وجسور ثقافية ومعرفية لابد من مدِّها بين الأقليات المسلمة وبقية شرائح المجتمع.

هذه فقط كانت بمثابة عناوين لبعض الحلول التي يمكن الأخذ بها، ومسارات الحل كثيرة، وأوسع من تسطيرها في مقال واحد. وبهذا وأكثر تستطيع الأقلية المسلمة الحدّ من إشكالية سوء تكيّفها في المجتمع الجديد، وتتحسن لديها فرص الاندماج، وتتزايد أمامها فرص الإسهام في خدمة بلادها الجديدة، وهو ما يحقق لها وللمجتمع العيش الرغد بسلام وأمان.