مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

الدكتور “أنور”.. رحلة نجاح على ضفاف الدانوب

يُعدُّ الدكتور "مصطفى أنور" ضمن 100 شخصية أثَّرت في اقتصاد المجر

قصة اغتراب ورحلة نجاح لحياة سَمْتُها الكفاح، رسمت معالمها الأقدار، وحققت أهدافها: حكمةٌ في اتخاذ القرار، وعزيمةٌ على تحقيق الأهداف.

كان أحد الذين لعبوا دورًا في الاقتصاد المجري، واعتُبر أحد 100 شخصية أثَّرت في اقتصاد المجر، وكان أول من أدخل نظام الجودة في أكبر الجامعات المجرية العَمَليَّة في بودابست العاصمة، وكان أداؤه المتميز سببًا في حصول جامعته على المركز الأول في مسابقة أفضل جامعة في نظام الجودة لعام 2009.

وخلال رحلة عمله بالمجر، والتي امتدت لأربعة عقودٍ، أصبح عضوًا في العديد من الهيئات والمنظمات العلمية المحلية والإقليمية والدولية، ومن بينها: أكاديمية العلوم المجرية، وهيئة علماء أوروبا، والمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (أيسيسكو)، العقول المهاجرة وغيرها.

نموذج مشرِّف

فقد مثّل الأستاذ الدكتور “مصطفى أنور” ـ رئيس قسم إدارة الجودة بجامعة العلوم الاقتصادية ببودابست بالمجر ـ نموذجًا مشرِّفًا للعقول العربية الإسلامية المهاجرة، والتي أثبتت وجودها في مجتمع الغربة، وحققت نجاحات متواصلة دفعت بالمسئولين في هذا البلد إلى ترشيحه لمناصب أكاديمية عليا لا يتقلَّدُها إلا أبناء البلد نفسه من المجريين.

وبمناسبة تكريم الجامعة ببودابست له مساء الثلاثاء 8 ديسمبر لانتقاله للمعاش بِناءً على طلبه، كان لـ”إسلام أون لاين.نت” هذا الحوار معه..

وحول سبب السفر إلى المجر، قال الدكتور “أنور”: إنه “في الستينيات.. كان هناك ما يسمَّى بالجهاز المركزي للتدريب؛ حيث أعلن في عام 1968 عن بعثاتٍ لعدة دول أوروبية كفرنسا وبولندا والمجر وغيرها، وبعد دورة دراسية مدتها ثمانية أشهر كإعدادٍ للمنحة – تمت في القاهرة – اختير على أساسها المتقدمون، وتَمَّ توزيعهم على الدول المانحة؛ حيث كنت من ضمنهم”.

وأضاف: “تم توزيعي على المجر.. ثم بدأت دورة جديدة بالقاهرة لدراسة اللغة المجرية على أيدي مدرسين مجريين، ومن ثَمَّ سافرنا إلى المجر في إبريل سنة 1969، وبعد ثمانية أشهر تم مدُّها إلى عامٍ للمتفوقين فقط، وعاد مَنْ دون ذلك”.

ثم بعد عودته لمصر واستقراره بها، تم في النصف الأول من سنة 1974 ترشيحه مرة أخرى لمصاحبة بعثة جديدة للمجر من قِبَلِ وزارة النقل كمترجمٍ لها.

مواصلة الدراسة

وفي هذه الأجواء لم يمنعه عمله كمترجم للبعثات القادمة من مصر والدول العربية من مواصلة مشواره العلمي، موضحًا: “استكملتُ دراستي بجانب عملي، وبعد حصولي علىMA Master of art) ) في الهندسة الاقتصادية عام 1980م ثم عُينت بكلية التجارة الخارجية بقسم إدارة الأعمال بدرجة مدرس”.

هذا النجاح مثَّل للدكتور “أنور” حافزًا لمواصلة الدراسة بهدف: “توطيد مركزي في حقل التدريس، وخصوصًا كأجنبي؛ لصعوبة تقبل المجتمع المجري ـ لصغر حجمه ـ للأجانب خاصةً من غير الأوروبيين”.

وتواصلت نجاحات الدكتور “أنور”؛ حيث حصل على الدكتوراه الجامعية عام 1984، ثم الدكتوراه الأكاديمية عام 1989 في موضوع “تأثير نظم تطوير المنتجات على نمو الاقتصاد القومي”، ووصل إلى درجة أستاذ، وهنا يشير إلى أن: “هذه الدرجة تعتبر من موظفي الدولة العليا؛ لذا لا يُرشَّحُ لها إلا مجريُّ الجنسية، وتصدر بقرار وزاري بعد خوض المسابقة الوظيفية التي يصدر الإعلان عنها بالجريدة الرسمية للدولة، وبعد ترشيح المجالس العلمية المختلفة بالجامعة”، وهو ما دفعه إلى أن يطلب الجنسية المجرية عام 1990؛ كي يستطيع الترشُّح لهذه الدرجة.
وبعد ستِّ سنوات عُيِّن رئيسًا لقسم إدارة الجودة، ثم تَمَّ تكليفه ـ بعد إرسال الوزارة إنذارًا للجامعة بإهمال إنشاء نظام للجودة بها ـ بإنشاء نظام الجودة وتأمينها على مستوى الجامعة، وبعد نجاح المشروع وتقييمه وتسجيله، عُيِّن مديرًا لإدارة الجودة، ورئيسَ المكتبِ التنفيذي لها بجانب عمله في التدريس.

إثبات الوجود

وهنا شدَّد الدكتور “أنور” على أن: “الأجنبي إذا أراد أن يُثبت وجوده في مجتمع الغربة، فعليه أن يبذل جهدًا يفوق أضعاف المجهود الذي يؤديه زميلُه المجري، حتى يُشعِر مَنْ حوله بقدراته وصعوبة الاستغناء عنه، وحتى يستشعر هو ذاته أنه ليس عالةً على هذا المجتمع”.

وضرب مثلًا بنفسه في مجال التدريس: “فعلى المحاضر بالجامعة أن يقنع 150 أو 200 طالبٍ من خلال محاضراته بأنه على درجة عالية من الكفاءة العلمية واللغوية، ويستحق منهم الاحترام والتقدير، ولا ننسى أنه بعد كل محاضرة يقوم الطلبة بتقييم المحاضر، وتقييم إعداده للمادة العلمية، وذلك بتوزيع أسئلة إبداء الرأي عليهم، وهي الخاصة بنظام متابعة الجودة (ISO)”.

وحول تأثير نجاحه على الوسط المحيط به في مجال العمل، أوضح أن: “زملاء العمل ينقسمون إلى قسمين”، موضحًا أن القسم الأول “لا يُعيرُ أيَّ اهتمام بأن هناك زميلًا من أصل عربيّ أو مسلم، ولا يهتم بما يحققه من نجاح، ويعتبره شيئًا عاديًّا؛ إلا إذا أخذتَ على هذا النجاح تقديرًا أو وسامًا لا يمكن تجاهله، فيأتي إليك ليهنئك”.

وأشار إلى أن: “هذه الفئة من الزملاء يمكن أن تصادقَ منهم؛ فبحكم الصداقة التي تربطك بهم تختلف أحاسيسهم نحوك واحترامهم لك، ويحاولون إرضائي بتكرار مقولة أنه: ليس كلُّ مسلمٍ إرهابيًّا. هذا في وجهي، ولكن ماذا يقولون من خلفي؟ الله أعلم!”.

بينما القسم الثاني “لا يتمنون الخير لنا.. فيقللون من أهمية ما تقوم به من عملٍ، وما تحققه من نجاحٍ، ويسعون في ذلك حتى لا يكون لك فضلٌ عليهم، وحتى لا تنعم بثناء وتقدير الرؤساء”.
لكنه لفت إلى أنه: “إذا كان بعضهم يعمل تحت إدارتي، فالوضع يختلف في هذه الحالة، ويصبحون من أخلص الناس لك، ومن أكثر الناس ثناءً عليك”.

ويقول الدكتور يحيى الجلال؛ الأمين العام لهيئة مسلمي المجر، إن: “أ.د. مصطفى أنور يعتبر من الشخصيات البارزة والمتميزة داخل المجتمع المجري بشكل عام، والمجتمع الإسلامي بشكلٍ خاصٍّ؛ نظرًا للنجاح الذي حققه، سواءً على المستوى الشخصي أو على المستوى الأسري”.

فعلى المستوى الشخصي: “يعتبر من الشخصيات المؤثرة في الاقتصاد المجري بحسب ما ذكرته تقارير مُوَثّقة اعتبرته أحد ١٠٠ شخصيةٍ أثَّرت في اقتصاد المجر”، بجانب الشهادات والمراكز العلمية التي تقلَّدها حتى اليوم، بالرغم من حساسية المركز الأكاديمي وحساسية البيئة الاقتصادية، وسيطرة أصحاب النفوذ على هذا الجانب، وفقًا للدكتور الجلال.

وعلى المستوى الاجتماعي والإسلامي: “فالدكتور أنور أحد أعضاء مجلس شورى هيئة مسلمي المجر، المؤسسة الرائدة في خدمة الجالية الإسلامية داخل المجر على كل المستويات”.

وعلى المستوى العائلي: “فأولاده الثلاثة من المتفوقين في المجال العلمي والوظيفي بجانب المجالين (الاجتماعي والإسلامي)، وأخيرًا نقول: إن الإرادة والهمة كانتا جناحَي نجاحه في كل هذا”.

وبهذا يُعتبر قدوةً حيَّةً للآباء والأبناء في أوساط المجتمع الإسلامي. نتمنى أن تكون هذه التجربة نبراسًا للكثيرين ليحذوا حذوه.

تميُّزُ الأسرة

وبجانب نجاح الدكتور “أنور”، فقد تميزت أسرته بالكامل في دراستها وتخصصها الوظيفي، فزوجته شغلت مناصب عديدة؛ من بينها مديرة الشئون المالية بعدة شركات، من أبرزها: جريدة الوطن المجري، والتي تعد من أهم الجرائد المجرية، ثم حصلت على تأهيلٍ خاصٍّ أصبحت من خلاله خبيرةَ ضرائبَ، ثم محاسبًا قانونيًّا، فخبيرًا قضائيًّا.

بينما ابنته الكبرى د. سوزان حصلت على الدكتوراه في مجتمع المعلومات، وتعمل كمستشارٍ أول في الجهاز المركزي للإحصاء، وأستاذٍ مساعدٍ بجامعة خاصَّةٍ، وقد مثَّلت المجر في مركز الإحصاء الأوروبي بلوكسمبورج في مجال مجتمع المعلومات.

كما أن ابنته الصغرى “كلارا” حصلت على الماجستير في الاقتصاد، ودبلوم في الشريعة الإسلامية، وتستعد لمناقشة رسالة الدكتوراه خلال هذا العام في موضوع “نمط جديد لحسابات معدلات الدخل القومي”، وتعمل حاليًّا مستشارًا أول في الجهاز المركزي للإحصاء، وتُعدُّ مسئولةً عن حسابات نمو الدخل القومي، وتُمثِّل المجر في المحافل الأوروبية الخاصة بحسابات نمو الدخل القومي.

أيضًا ابنه الأصغر الدكتور “أيمن”، يعمل طبيبًا اختصاصيًّا بمستشفى مجلس المدينة، وقد شارك محاضرًا في العديد من المؤتمرات العلمية بدول الاتحاد الأوروبي في مجال الأمراض العصبية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إسلام أون لاين ـ 2010م ـ هاني صلاح