مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

رموز “الأقليات المسلمة” يرفضون مصطلح “الأقلية”

اعتبروه مصطلحًا "سياسيًّا" ظهر في فترات ضعف العالم الإسلامي

أعرب عدد من رموز “الأقليات المسلمة” في 14 دولة آسيوية وأوروبية وأمريكية وأفريقية، عن رفضهم لمصطلح “الأقلية المسلمة” الشائع في وسائل الإعلام العربية والإسلامية، واعتبروه مصطلحًا “سياسيًّا” ظهر في فترات ضَعف العالم الإسلامي، وأن هدفه كان إظهار المسلمين في الدول غير الإسلامية بأنهم قلة مستضعفة، وهو ما انعكس في أذهان أبنائهم، وترك تداعياته على اندماجهم في المجتمع ومشاركتهم في النهوض به.

وفي ذات الوقت، أثَّر على مُطالبتهم بحقوقهم كـ”مواطنين” في بلدانهم لهم كامل الحقوق وكافة الحريات التي يكفلها دستور وقوانين البلاد.

بورما

ومن جنوب شرق آسيا؛ حيث تتعرض الأقلية الروهنجية المسلمة – التي تشكل غالبية سكان ولاية “أراكان” في غرب ميانمار (بورما سابقًا) – لحملات متتالية من الاضطهاد والتهميش والإقصاء؛ حتى صنَّفتهم الأمم المتحدة بأنهم أشد الأقليات العرقية اضطهادًا في العالم، يرفض الإعلامي “عطا الله نور الإسلام” – رئيس وكالة أنباء الروهنجيا، والمنسق الإعلامي للمجلس الروهنجي الأوروبي – مصطلح “الأقلية” ويطرح بديلًا عنه.

ارتبط بـ”مرحلة الضعف”

الإعلامي "عطا الله نور الإسلام"، رئيس وكالة أنباء الروهنجيا، والمنسق الإعلامي للمجلس الروهنجي الأوروبي
الإعلامي “عطا الله نور الإسلام”، رئيس وكالة أنباء الروهنجيا، والمنسق الإعلامي للمجلس الروهنجي الأوروبي

مصطلح “الأقلية المسلمة” لم يظهر إلا بسبب ضعف الدول الإسلامية، وفقدان نفوذها، مما يعني أن هذا التصنيف ليس صحيحًا أو دقيقًا، بل أُطلق لأغراض سياسية هدفها إظهار قلة المسلمين في العالم.

ومن هذا المنطلق، فإن إطلاق مصطلح “الأقلية المسلمة” على الجماعة المسلمة التي تعيش بين أكثرية غير مسلمة مصطلح “غير صحيح” في الأصل، رغم كونه مستخدمًا ومشاعًا ومتعارفًا عليه؛ حيث توجد مجموعات يفوق عددها العشرين مليونًا ثم يصنَّفون على أنهم أقلية!

المجتمع المسلم

لذلك، يجب إعادة النظر في هذا المصطلح، وإطلاق تسمية أخرى بدلًا منه تتطابق مع واقع المسلمين في تلك الدولة، ومن وجهة نظري يمكن إطلاق مصطلح “المجتمع المسلم”؛ حيث لا يعكس أي فوقيَّةٍ أو تمييز لهم عن غيرهم من المجتمعات الأخرى في الدولة الواحدة، لذلك أعتقد أنه هو الأنسب الذي يجب استخدامه في أطروحاتنا الإعلامية وغير الإعلامية.

تركستان الشرقية (الصين)

وإلى قلب آسيا الوسطى؛ حيث يعيش شعب مسلم ينحدر من أصول تركية، يرى الناشط والإعلامي “سراج الدين عزيزي”، أن هذا المصطلح “صحيح للبعض، ومعيب للبعض الآخر”.

“صحيح ومعيب”

المصطلح ربما يكون صحيحًا لمسلمي الغرب؛ حيث هاجروا إليه من بلدانهم الأصلية، لكنه غير صحيح للمسلمين الذين يعيشون على أراضيهم التاريخية وداخل أوطانهم الأصلية، ثم أصبحت الآن ضمن الحدود السياسية لدول أخرى غير إسلامية “بفعل الاحتلال”، فتحولوا بذلك من أغلبية إلى أقلية.

على سبيل المثال: مسلمو “تركستان الشرقية” لا يجوز تصنيفهم كأقلية؛ لأنهم يعيشون منذ آلاف السنين في وطنهم، وكانوا يشكلون غالبية سكانه (أكثر من 97%) قبل تعرضهم للاحتلال الصيني في عام 1949م؛ إلا أنهم أصبحوا حاليًّا أقليةً (أقل من 50%) بسبب تعرضهم للتغيير الديموغرافي على مدار ستة عقود.

لذلك، فإن “الأقليات المسلمة” التي تعيش تحت الاحتلال، من المعيب أن نَصِفَهم بالأقلية، ولو كانوا أقل من 50% بفعل سياسات الاحتلال، مثل المسلمين التتار في القرم، والمسلمين الأويغور في تركستان الشرقية.

روسيا

الإعلامي من موسكو د.رياض مصطفى
الإعلامي من موسكو د.رياض مصطفى

وإلى دولة في شمال القارة الآسيوية، تعدُّ بمفردها قارَّةً نظرًا لمساحتها الشاسعة، وحيث تعيش داخل حدودها السياسية شعوب مسلمة متعددة الأعراق، وَضَع الإعلامي د. رياض مصطفى ـ من العاصمة الروسية “موسكو”ـ معيارين يمكن على أساسهما إطلاق وصف “الأقلية” على مسلمي دولة من الدول غير الإسلامية.

معياران

أولهما: الدور الذي يقومون به، ومدى تأثيرهم في السياسة الداخلية لدولتهم؛ “فقد تكون نسبتهم 50% على سبيل المثال، إلا أن دورهم صفر، فهم بذلك أقلية بالفعل والتأثير”.
بينما الثاني: “هل هم من السكان الأصليين للبلاد أم مهاجرون إليها؟”، وعلى هذا يتم التحديد. فمثلًا: مسلمو روسيا “لا تستطيع أن تقول الأقلية المسلمة في روسيا؛ لأنهم سكان أصليون ولهم دور كبير في الدولة”.

“الأمة المسلمة”

ورغم ذلك، فقد اقترح د. مصطفى اسمًا آخر قد يكون أبلغ لدور تلك المجموعة في تلك الدول وهو: “الأمة المسلمة” في الدولة كذا (..) بحسب رأيه؛ لأن: “مصطلح الأقلية يعطي انطباعًا بعدم الاندماج في المجتمع والتقوقع على الذات، ولا أعتقد أن المسلمين هذا شأنهم”.

أوكرانيا
د.إسماعيل قاضي، مدير المركز الإسلامي في العاصمة الأوكرانية "كييف"
د.إسماعيل قاضي، مدير المركز الإسلامي في العاصمة الأوكرانية “كييف”

وإلى شرق القارة الأوروبية؛ حيث ما زالت تمتد خريطة الشعوب المسلمة الأصيلة التي تعيش على أرضها التاريخية، حسم د. إسماعيل قاضي – مدير المركز الإسلامي في العاصمة الأوكرانية “كييف” – الأمر بأن تنسب كل أقلية لوطنها وأرضها.

تُنسب لـ”وطنها”

وصفُ الأقلية “مصطلحٌ فقهيٌّ”، أي أنه يشير إلى أن المسلمين يعيشون في مجتمع غالبيته من غير المسلمين، فيحتم عليهم مراعاة بعض الأمور الفقهية، والبحث عن حلول لقضاياهم التي هي وليدة الحاجة في مجتمعاتهم؛ لذلك فمن الأفضل أن تنسب لوطنها، فنقول: “مسلمو القرم”، “مسلمو الهند”.. إلخ.

مثلًا: عندنا بجنوب أوكرانيا في شبه جزيرة القرم، التتار المسلمون يَعتبرون أنفسهم أصحاب الأرض، ويستخدم “مجلس تتار القرم” الذي يمثلهم مصطلح “شعب تتار القرم”؛ لذلك يمكن أن نقول: “مسلمو القرم” أو “الأقلية التتارية في القرم”، أو دمج العبارتين معًا لتصبح: “تتار القرم المسلمون”.

رومانيا

لا أوافق على إطلاق وصف “الأقلية” للتعريف بمسلمين في دول غير مسلمة، بل يجب إعادة النظر في هذا التصنيف.
بهذه الكلمات، حسم أيضًا د. أبو العلاء الغيثي – رئيس الرابطة الإسلامية والثقافية في رومانيا، ومدير مؤسسة “طيبة” الخيرية في رومانيا – موقفه من الأمر، مُرجعًا ذلك لعدة أسباب..

“مواطنون مسلمون”

د.أبوالعلاء الغيثي، رئيس الرابطة الاسلامية والثقافية في رومانيا، ومدير مؤسسة طيبة الخيرية في رومانيا،
د.أبوالعلاء الغيثي، رئيس الرابطة الاسلامية والثقافية في رومانيا، ومدير مؤسسة طيبة الخيرية في رومانيا،

في رومانيا، الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، والقانون يطبق على الجميع دون تفرقة، ومسلمو البلاد يُعامَلون كمواطنين من الدرجة الأولى، لهم حقوق وعليهم واجبات، ولا توجد أي صورة من صور العنصرية ضدَّهم أو أي شكل من أشكال الإجحاف بحقوقهم.

كما أن الاسلام هو الديانة الثانية في الدولة، وللمسلمين دار إفتاء خاصة بهم، وجميع أئمتها تتكفل الدولة بمرتباتهم، إضافةً لذلك يحمل المفتي العام الجواز الدبلوماسي الروماني، كما أن هناك ممثلين أمام الدولة عن الأعراق المسلمة (التتار/الأتراك).

فالمواطنة في رومانيا هي أساس التعامل، هناك رومان “مسلمون”، وهناك رومان “مسيحيون”، وهذا الفهم لـ”المواطنة” هو ما يجب التركيز عليه وإيصاله لعقول المسلمين، حتى يتم التعامل على هذا الأساس.

اليونان

ومن أقصى جنوب شرق أوروبا، يرى “شادي الأيوبي” – الصحفي اللبناني والمقيم في أثينا باليونان منذ نحو 20 عامًا – أنه لا غضاضة من وصف المسلمين الذين يعيشون بدول غير إسلامية بـ”الأقلية المسلمة” ما دامت تنطبق عليهم أوصاف “الأقليات”.

"شادي الأيوبي"، الصحفي اللبناني والمقيم في أثينا باليونان
“شادي الأيوبي”، الصحفي اللبناني والمقيم في أثينا باليونان

إلا أنه استثنى من ذلك الدول التي بها أعداد كبيرة من المسلمين ويُعدُّون من سكانها الأصليين؛ كألبانيا والبوسنة والهرسك في منطقة البلقان على سبيل المثال، فهؤلاء “لا يجوز وصفهم بالأقلية”، وفقًا لـ”الأيوبي”.

المواطنون المسلمون

وفي كلتا الحالتين، فالأهم هو الانتقال من توصيف “الأقليات المسلمة” – الذي يشكل نوعًا من الضمانة لحقوقهم ولو نظريًّا – إلى توصيف “المواطنين المسلمين” الذين يشاركون في العملية السياسية بكافة أعبائها، ويسعون لنيل حقوقهم التي نالتها سائر الأقليات الدينية عبر مشاركتها السياسية والاجتماعية، لا عَبْرَ الاحتماء بالتوصيفات القانونية والإنسانية مثل الأقليات، بحسب “الأيوبي”.

إعداد وليس عددًا

مشكلة “الأقليات المسلمة” الرئيسة ليست في “عددهم” بقدر ما تكمن في “إعدادهم”؛ فالمسلمون في أوروبا لا يزالون غير مؤثرين في الحركة السياسية على الصعيد المحلي للدول التي يعيشون فيها، كما أن تأثيرهم في سياستها الخارجية غير موجود إطلاقًا بالرغم من كبر عددهم، ولو حسَّنوا من مشاركتهم وزادوا من إحساسهم بالمسئولية الملقاة عليهم “لغيَّروا الكثير من الأمور لصالحهم.

على سبيل المثال: هناك آلاف المسلمين يعيشون عبئًا على صناديق الضمان الاجتماعي، وهم ليسوا في حاجة لذلك، وهذا أمر يرفضه الإسلام وترفضه المروءة، إضافةً إلى الصورة السلبية التي يخلقونها عنَّا، فلابُدَّ للمسلم – الذي يتكئ على معونة الدولة حين يحتاجها ـ من أن ينهض بأعباء نفسه وأسرته حينما يجد أول فرصة للعمل والمشاركة الاجتماعية”.

هولندا
الباحث في شئون الأقليات المسلمة في الغرب، د.محمود الصيفي
الباحث في شئون الأقليات المسلمة في الغرب، د.محمود الصيفي

من الجنوب الشرقي إلى الشمال الغربي من القارة الأوروبية التي توصف بـ”القارة العجوز”، أوضح الباحث في شئون الأقليات المسلمة في الغرب، د. محمود الصيفي، أنه إجمالًا، لا يمكن تعميم المصطلح على كل تجمعٍ للمسلمين في دولة غير إسلامية.

فقد يناسب هذا المصطلح بعض المناطق ولا يناسب غيرها، بِناءً على مقومات ذلك التجمع من حيث القدم والحداثة، وهل هو مهاجر أم أصلي، ومن حيث وضعه الاجتماعي ومدى انخراطه في محيطه توطينًا أو تهميشًا، وتأثيره السياسي في المجتمع بشكل عام، وما يشغله المنتمون له من مناصب عامة.

أما من حيث صحة المصطلح من الناحية العددية أو الديموغرافية أو الإثنية والدينية، فقد يكون له قبول ولو أكاديميًّا، لكن مدلوله السلبي مجتمعيًّا يجعله مرفوضًا لدى قطاع كبير ممن يرون أنفسهم مواطنين كاملي المواطنة، وليسوا أقلية طارئة أو مهمشة.

ولعل المصطلح الأنسب في تلك الحالة أن ينسب المسلمون لبلدهم؛ كأن يقال: مسلمو أوروبا أو مسلمو أمريكا وهكذا.

كما أن مسألة التصنيف لمن تصل نسبتهم أقل من 50% من السكان بأنهم أقلية؛ أيضًا لا يمكن تعميمه، ولا قياس تأثيره سلبًا أو إيجابًا بشكل مُوحَّد، بل ينظر لها من حيث النظام السياسي للدولة محل الدراسة، ومدى اعتبار الدين أو العرقية كعامل في تصنيف مواطنيها، فالأمر لا شكَّ يختلف من بلاد آسيا التي تجد فيها مسلمي الهند والصين بعشرات الملايين، لكنهم أقلية عددية ودينية، وهناك قد يخدم هذا التصنيفُ المسلمين من جهة اشتراط نسبة محددة من الوظائف، أو نوعية خاصة من التعليم والمدارس، وحرية ممارسة الدين.

أمَّا في الأنظمة السياسية الغربية، فقد لا يفيد – بل لا يُقبل أصلًا من حيث المبدأ كما هو الحال في فرنسا – الحديث عن المواطنة من خلال هكذا تكتلات؛ فنظرة الدولة للمواطنين وتعاملها معهم على أساس فردي متساوٍ، وليست نظرة جماعية، وهو أيضًا يختلف عن بلادٍ غربية أخرى تييح دساتيرها التعامل مع التجمعات المختلفة لغويًّا أو عرقيًّا أو دينيًّا باستثناءاتٍ تراعي خصوصية تلك التجمُّعات، وتلبي احتياجاتها.

وبالتالي فهذا المقياس العددي يناسب المجال السياسي، ويلجأ له الدعاة للتفريق بين الدول المسلمة ودول تحتضن أقلية مسلمة، ولا يمكننا تعميم ذات التصنيف على مسلمي أوروبا، وبالمثل على مسلمي الروهنجيا في بورما أو مسلمي أفريقيا الوسطى أو نيجيريا، حتى وإن كانت أكثرية عددية، لكنها أقلية من حيث التأثير والحقوق.

الدنمارك

ومن إحدى الدول الإسكندانافية، ترى “مُنية البلطي” – رئيس قسم النساء بالمجلس الإسلامي الدنماركي – أن لمصطلح “الأقلية” أبعادًا سياسيَّة واجتماعيَّة.

فقد تزامنت بداية استعماله مع بداية ضعف الجسد الإسلامي وهجرة المسلمين للعالم الغربي؛ ما يعني أن الواقع هو الذى أفرز استعمال المصطلح، والفعل في الواقع هو الذي يمكن أن يفرز تغييرًا في المصطلح.

"منية البلطي"، رئيس قسم النساء، بالمجلس الإسلامي الدانمركي
“منية البلطي”، رئيس قسم النساء، بالمجلس الإسلامي الدانمركي

لذلك، ليس هناك إشكالٌ في مصطلح “الأقلية” في حد ذاته؛ حيث “لا يعد صفة سلبية بقدر ما يعبر عن واقع يحتل علم الإحصاء فيه المكانة الهامة، بل المشكلة تكمن في ارتباط قلة العدد بقلة الفعل”.

مع عدم نسيان أن عدد المسلمين في الغرب في تغيُّرٍ مستمر، “على سبيل المثال هو متزايد في الدنمارك حتى هذا الحين، لكن الإنجاب في الجالية الإسلامية بدأ في التناقص، كما أن عدد المهاجرين للدنمارك بدأ أيضًا في التناقص بسبب القوانين الصارمة؛ لذلك ما يمكن أن يكون قد صُنِّف بأنه مناسب اليوم، قد لا يكون كذلك في الغد”.

لذلك، فالصفة المناسبة لـ”مصطلح الأقلية” هي “النسبية”، فهل نقبل به مثلًا حينما نمثل 10% ولا نقبل به حين نمثل 11%، أو هل نقبل به ما دون 25% ونرفضه ما فوق 25%، فلا يوجد مقياس علميٌّ صحيح لهذا الأمر.

بريطانيا
د.مجدي سعيد، الكاتب الصحفي المقيم في لندن
د.مجدي سعيد، الكاتب الصحفي المقيم في لندن

وقبل مغادرتنا لغرب القارة الأوروبية، نعرج على الجزر البريطانية؛ حيث يعتقد د. مجدي سعيد – الكاتب الصحفي – والذي سافر إلى العديد من دول العالم في أوروبا وآسيا وأمريكا، ويتولى حاليًّا رئاسة تحرير الطبعة العربية لمجلة “نيتشر” في لندن، أنه لا مشاحة في الاصطلاح.

“المسمَّى وليس الاسم”

المهم هو المسمَّى، وبما أنني أقمت حديثًا في بريطانيا، فأنا أشهد وجود تجمعات للمسلمين في مناطق مختلفة في لندن مثلًا، لكنني أشعر وكأنها لا تزال تعيش في بلدانها، أجسادها هنا وعقولها وقلوبها هناك، ثقافتها من هناك ومعيشتها ورزقها من هنا، حتى عندما تُلقَى دروسٌ في المساجد تلقَى باللغات الخاصة حسب التجمع الغالب وحسب القائمين على المسجد، مع أن الله ما أرسل رسولًا إلا بلسان قومه.

ما أشعر به هو أنه رغم الوجود الإسلامي الطويل والعريض في بعض البلدان الغربية، فإننا لم نستطع أن نقدم الوجه الإنساني لديننا، الذي هو رحمة للعالمين.

لذلك، ليس المهم النسبة أو العدد أو التصنيف، بل الأهم من ذلك هو الأداء والفاعلية، فقد تكون نسبتك قليلة لكنك مؤثر وفاعل، فكلما ازداد تمثيل المسلمين لإسلامهم على خير وجه، وتقديمه بصورته الإنسانية النقية، وكلما ازداد تعليم المسلمين تعليمًا حديثًا ومشاركتهم الاقتصادية الفعالة في المجتمع، ازدادت فاعليتهم، والتي ليست بالضرورة أن تنعكس سياسيًّا، بقدر ما هو ضروري أن تنعكس حضاريًّا وقِيميًّا، فليس الهدف أن تحكم أو تسيطر، لكن الهدف أن تقدم للناس من غير المسلمين ما ينفعهم في دنياهم وآخرتهم، بسلوكك وأدائك وأخلاقك وقِيمك.

كندا

وإلى شمال القارة الأمريكية، يعتقد م. عماد حلاق – مدير جمعية سلسبيل الضاد لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وعضو مجلس مسلمي مدينة مونتريال (كبرى مدن مقاطعة كيبيك) جنوب شرق كندا – بأنه استمرارًا للسياق التاريخي، فإنه يمكن القبول بمصطلح الأقليات المسلمة للتعبير عن المسلمين الذين يعيشون في دول غير إسلامية.

“المواطنون الكنديون المسلمون”

إلا أنه مع وجود سياسات الإدماج التي تقوم بها بلدان الهجرة، وخشية من التقوقع الذي قد يسيطر على بعض المهاجرين الجدد بسبب تعلقهم بأوطانهم الأم، وبسبب رغبة قادة الأقليات المسلمة بدفع أبنائها لممارسة فعّالة في المجتمع؛ فإننا نحبذ استخدام مصطلح: “المواطنون الكنديون المسلمون”.

لأن ذلك يثبت لغيرهم، ولهم أيضًا، حقوقهم وواجباتهم كمواطنين كنديين أولًا، ثم التفكير بهم كأقلية لها انتماؤها الديني الذي يحتاج لتفهُّم الأكثرية لبعض تفاصيله التي تنعكس على حياة الأقلية.

الولايات المتحدة الأمريكية

ومن مدينة “نيوتاون” الأمريكية في ولاية “كيناتيكت”، ترفض “إيمان البشتاوي” – عضو مؤسس في المركز الإسلامي (تحت التأسيس) “الهداية”، والعضو الممثل عن مسلمي المقاطعة بلجنة الأديان في المدينة – مصطلح “الأقلية”.

“المسلمون الأمريكيون”

"إيمان البشتاوي"، عضو مؤسس بالمركز الاسلامي"الهداية"، في "نيوتاون" الأمريكية
“إيمان البشتاوي”، عضو مؤسس بالمركز الاسلامي”الهداية”، في “نيوتاون” الأمريكية

على الرغم من أن عدد مسلمي أمريكا قد يكون تجاوز حاليًّا الـ8 ملايين نسمة، وهو عدد قليل مقابل عدد سكان الولايات المتحدة، الذي قد يصل تعداده إلى 300 مليون؛ إلا أنني لا أفضل ذكر مصطلح “الأقلية” للتعبير عن المسلمين هنا، وأفضل وصفهم بـ”المسلمين الأمريكيين”.

وتوضح “إيمان”، التي تعيش في أمريكا منذ 15 عامًا، وهي أيضًا عضو ممثل في مؤسسة “كير” الإسلامية التي تهتم بالدفاع عن قضايا المسلمين في أمريكا، أسباب رفضها لمصطلح “الأقلية”، كونها مواطنةً أمريكيةً تتبع القانون الأمريكي الذي يكفل لها كافة الحقوق بغض النظر عن الانتماء الديني.

ولفتت إلى أنه: “إذا طلبتُ من السلطات هنا معاملتي كأقلية؛ فإني سأفقد كثيرًا من حقوقي التي يكفلها لي حق المواطنة الأعمُّ والأشملُ، كما ستفتح أمامي تحديات جديدة قد تُستغل من قبل الجماعات المتطرفة التي تعادي الوجود المسلم”.

المكسيك

بينما جنوبًا، وتحديدًا من المكسيك، وعلى عكس ما سبق، يرى أحد الدعاة القائمين على الأنشطة الدعوية في البلاد (اعتذر عن ذكر اسمه)، أنه لا مانع من الإشارة إلى المسلمين الذين يشكلون ما نسبته أقل من 50% في بلد غير إسلامي بوصف “الأقلية المسلمة”.

مدخل لـ”حقوق وحماية”

لفظ “أقلية” يستخدم لكل أنواع الأقليات الدينية والعرقية وغيرها؛ بل إنه في بعض البلدان تترتب على هذا “التوصيف” حقوق وحماية لهذه الأقليات بحكم القانون؛ بسبب وضعها، وعدم قدرتها على الوصول إلى حقوقها بمجرد المشاركة الانتخابية.

وكون المسلمين “أقلية” في بلدٍ ما لا يعني أنهم أغراب عنها؛ بل نرى أنه يتزايد اعتناق الكثيرين للإسلام من أبناء سكان البلاد الأصليين، ورغم أنهم من أصل أهل البلد، لكن اعتناقهم للإسلام يسمح بتصنيفهم ضمن فئة الأقلية الدينية المسلمة، ولا ينبغي أن ينزع عنهم حقوق المواطنة.

بل أكثر من ذلك، نرى أن قوانين كثيرٍ من البلدان الغربية تعطي لابن الأجنبي المولود في البلد والمتمتع بجنسيتها نفس حقوق المواطنين الآخرين بدون أي تمييز.

إلا أنني أحذر من أن هناك تياراتٍ متطرفةً غربيةً ترغب في نزع صفة المواطنة عن الأقليات المسلمة بحجةٍ أو بأخرى؛ لذلك ينبغي أن تستخدم هذه الأقليات وضعها كـ”أقليات”، ووعيها بهذا الوضع “الأقلية”؛ للدفاع عن حقوقها وفقًا للقانون، وبتوجيه أفرادها لكي يسلكوا مسلكًا ينحو بها باتجاه السلامة، والحفاظ على أفرادها ومؤسساتها من العدوان المنظم الذي يتزايد شيئًا فشيئًا.

البرازيل

وإلى دولةٍ بهرت العالم بسرعة تقدمها وتطورها حتى أصبحت بعد فقر مدقع سادسَ قوة اقتصادية في العالم، يعتقد الشيخ خالد تقي الدين – مدير الشئون الإسلامية باتحاد المؤسسات الإسلامية، والأمين العام للمجلس الأعلى للأئمة والشئون الإسلامية في البرازيل – بأن هذا المصطلح صحيح من ناحية العدد، ولكن لا نستطيع تعميمه على كل البلاد.

الشيخ خالد تقي الدين، مدير الشؤون الإسلامية باتحاد المؤسسات الإسلامية
الشيخ خالد تقي الدين، مدير الشؤون الإسلامية باتحاد المؤسسات الإسلامية

“المسلمون في البرازيل”

فعلى سبيل المثال، هنا في البرازيل هذا المصطلح غير مستخدم سواءً من قبل الدولة أو من قبل مؤسسات المجتمع المدني؛ إذ إن المواطنة تأتي في المقام الأول، ولا يتم اعتبار الدين نوعًا من تصنيف المواطنين داخل الدولة؛ لذلك أرى أن استخدام مصطلح: “المسلمون في البرازيل” أفضل بكثير من استخدام مصطلح “الأقلية المسلمة في البرازيل”.

كما أرى إعادة النظر في هذا التصنيف؛ لأنه يلقي بظلال من الاضطهاد، وأرى استبداله برؤية جديدة تعتمد على كون هؤلاء المسلمين مواطنين في بلادهم، والواجب توعيتهم بدروهم في المشاركة والاندماج داخل المجتمع، لا أن يعيشوا بخلفية كونهم أقليةً محاصرة بهذا التفكير المحدود؛ مما يحرمهم من كثير من الحقوق، ويؤخر تقدمهم في البلاد التي يعيشون فيها.

الكاميرون

وإلى دول الجنوب، ومن دولةٍ تُعدُّ الأكبر في منطقة وسط أفريقيا، وتعيش بها أقلية مسلمة كبيرة تصل نسبتها لأكثر من 40% من تعداد سكان البلاد، أكد الشيخ “خليل الحمد” – ممثل جمعية “تبليغ الإسلام” في الكاميرون – أن مصطلح “الأقلية” هو بالدرجة الأولى مصطلح “سياسي”.

هذا المصطلح “الأقلية” ظهر في زمن الاستعمار الغربي؛ حيث اختفت الدولة الإسلامية وهُدمت دولة الخلافة، وأصبحت الأقلية الإسلامية أكثر الأقليات تعرضًا للمشاكل، وباتت مهددةً بالقضاء على وجودها في معظم الدول التي تعيش فيها، وأكبر دليل على ذلك الواقع الراهن الذي نرى فيه كل يوم حملة جديدة على المسلمين.

والأصح أن نسمِّي هؤلاء الإخوة “مسلمين”، دون التقيد بالمصطلحات السياسية المغرضة التي تحارب الإسلام والمسلمين؛ وذلك لأن أفضل وصف يوصف به المسلم هو الإسلام {ومن أحسن قولًا ممَّن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنني من المسلمين}.

إن الغربيين – ومن لفَّ لفَّهم – عندما يصفون بعض المسلمين في بعض المجتمعات بالأقلية – فكأنهم لا يريدون منهم أن يصبحوا أكثرية، ومن ثَمَّ يقومون بالترويج لهذا الفكر المنحرف الحاقد، وهم يريدون وقف المدِّ الإسلامي، وهذا لا يخفَى على أحد، ولا يتنازع فيه اثنان.

وجدير بالإشارة أنه لا توجد حتى اليوم إحصاءات صحيحة عن أعداد المسلمين الذين يصنفون كـ”أقليات” بالدول غير الإسلامية، والسبب في ذلك هو أن من يقوم بهذه الإحصاءات من غير المسلمين، وليس من صالحهم سياسيًّا أن يذكروا الأعداد الصحيحة للمسلمين.

ومن أفريقيا.. تختم “الأُمّة” تحقيقها الأول مع رموز “الأقليات المسلمة في العالم” أو “المسلمون في العالم” الذين يعيشون بالدول غير الإسلامية، تاركةً لقرَّاء “الأمة” اختيار ما يرونه أنسب من بين هذه الآراء التي طرحت ـ كما هي ـ في هذا التحقيق، الذي ستتبعه تحقيقات أخرى في أهم القضايا التي تشغل مسلمي “الدول غير الإسلامية”، وتمثل تحديات أمامهم لترسيخ تواجدهم الإسلامي في دولهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة الأمة الإلكترونية ـ مايو 2014م ـ هاني صلاح

تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق