مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

كوسوفا.. من الإقليم إلى الدولة وتحدّيات الاستقلال

بإعلان استقلالها في 17 فبراير 2008م، تكون كوسوفا قد خطَتْ أولى خطواتها نحو بناء دولتها المستقلة، والتي ظلت تناضل من أجلها على مدار 96 عامًا، منذ أن احتلت القوات الصربية كوسوفا خلال حروب البلقان في عام 1912م، بَيْدَ أنَّ هذه الدولة الوليدة التي تُعدُّ الآن أفقر دولة أوروبية، بعد أن كانت بالأمس أفقر إقليم داخل الجمهورية الصربية خلال حقبة الاتحاد اليوغسلافي السابق؛ تقف الآن على أعتاب تحديات هائلة وعقبات جَمَّةٍ ستكون لها كلمة الفصل في تحديد مستقبلها واستقلالها السياسي والاقتصادي.

فكوسوفا قد تعرّضت – منذ أن قام “سلوبودان ميلوسيفيتش”؛ رئيس صربيا، بإلغاء ميزة الحكم الذاتي للإقيلم في عام 1989م، والتي كان قد حصل عليها في عهد “تيتو” سنة 1974م – إلى خطوات متدرجة من قِبل سلطات حكومة بلجراد الصربية أسفرت في نهاية المطاف عن شلل تامٍّ في كافة مناحي الحياة، وتصاعدت هذه الخطوات إلى أن وصلت لحدِّ تنفيذ عملياتِ إبادةٍ جماعية، وإجراء أكبر حملات تطهير عرقي عرفتها أوروبا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية من قِبلِ قوات الجيش والشرطة الصربية، والتي كانت بمثابة الخطوة الأخيرة في البرنامج الصربي لحل مشكلة كوسوفا من وجهة نظر حكومة بلجراد، وتتلخص في تفريغ الإقليم من سكانه الألبان؛ وهو ما أدى إلى تفجير أول حرب أوروبية أيضًا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عبر تدخل الناتو في كوسوفا في 9 يونيو 1999م.

إلا أن الثماني سنوات التالية (الأخيرة)، والتي خضعت فيها كوسوفا لإدارةٍ مدنيةٍ دوليةٍ مؤقتةٍ تابعةٍ للأمم المتحدة، بِناءً على القرار الصادر من مجلس الأمن في 10 يونيو من عام 1999م، كانت بمثابة فترة تأهيلية لإعادة الحياة إلى إقليم كوسوفا مرةً أخرى بعد انتهاء الحرب، قبل البدء في مفاوضات دولية لتحديد وضعه القانوني المستقبلي؛ ومن ثَمَّ – بمساعدة الإدارة المدنية، وبتمويلٍ من الاتحاد الأوروبي وغيره – إعادة بناء مؤسساته الرسمية، وإصلاح الحد الأدنى من بنيته التحتية بما يسمح بإعادة الحيوية إلى كافة مرافقه المختلفة.

والأهم بالنسبة للمجتمع الدولي أنه تَمَّ استثمار هذه الفترة أيضًا في العمل على تقريب وجهات النظر المتباعدة للأطراف الدولية والإقليمية حول مستقبل الإقليم.

إلا أن الفشل الذريع الذي مُنيت به كافة المفاوضات التي تمت برعاية الأمم المتحدة، ثم الترويكا الدولية التي تضم (الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا) على مدار عامين، والذي اعتُبِر الجانب الصربي مسئولًا عن هذا الفشل؛ نظرًا لتعنته إزاء المقترحات الدولية لتسوية النزاع، مَثَّل أهم العوامل التي أدت إلى تغيير في الموقف الأوروبي السابق إزاء المسألة الكوسوفية، والمتمثل في ضرورة تحقيق تسوية نهائية لملف كوسوفا عبر المفاوضات الثنائية والمباشرة بين الطرفين (الصربي والألباني)؛ لذلك وبعد أن التأَم الموقف الأوروبي مع الموقف الأمريكي الداعم لاستقلال كوسوفا، أصبحت الأرضية ممهدةً لإعلان الإقليم استقلاله. وبدراسة عميقة لموعد إعلان هذا الاستقلال وترتيباته، تم إعطاء الضوء الأخضر من الحلفاء الغربيين لحكومة بريشتينا للانفصال عن صربيا، وإعلان الاستقلال من جانب واحد.

كوسوفا وتحديات بناء الدولة

وحسب الإحصاءات الرسمية الكوسوفية الصادرة عن مركز الإحصاء، يبلغ تعدادُ السكان مليوني ومائة ألف (2100000) نسمة، يمثل العرق الألباني منهم 92%، وتصل نسبة الأقلية الصربية إلى نحو 5.3%، بينما باقي الأقليات تصل نسبتها إلى 2.7%، وتبلغ نسبة المسلمين في كوسوفا نحو 95%، وتصل مساحتها إلى 10.908كم.

1ـ أسباب الدعم الغربي لاستقلالٍ أُحاديّ الجانب:

تعكس التصريحات التي صدرت عن المسئولين الأوروبيين في عدد من العواصم الأوروبية، والتي سعت إلى تهدئة مخاوف البعض عبر تأكيدها بأن دعمها لقرار أحاديِّ الجانبِ باستقلال الإقليم عن صربيا “تمت دراسته بعناية”، وأنه مثَّل “أفضل الخيارات المتاحة”.. باعتبار أنه “ليس هناك حلٌّ مثاليُّ للطرفين”.. مدى التغيير في موقف الاتحاد الأوروبي بِناءً على المعطيات التي توصل إليها خلال السنوات القليلة الماضية ابتداءً من وجود ممثليه بالإقليم، ثم اتصالاته وزياراته المتكررة لكوسوفا عبر مسئوليه، وانتهاءً بما أسفرت عنه المفاوضات التي تمت بين الجانبين المتنازعين.
لذلك يطرح هذا الموقف الغربي “الجديد والموحد” تساؤلات كثيرة؛ مما لا شكَّ فيه أن إجاباتها تعكس حقيقة ما يجري هناك في منطقة غرب البلقان، وبالتحديد داخل تَرِكة الاتحاد اليوغسلافي السابق، مع الإشارة إلى أن الغربيين (بروكسل وواشنطن) ظلوا يؤكدون باستمرار، خاصة خلال الفترة التي صاحبت إعلان الإقليم لانفصاله عن صربيا؛ أنَّ استقلال كوسوفا يمثل الخطوةَ السابعة “والأخيرة” في تفكك الاتحاد اليوغسلافي السابق، وفي نفس الوقت خطوة كان لابُدَّ منها في إعادة ترتيب خريطة المنطقة، بما لا يتسبب في تفجُّر نزاعات جديدة في منطقةٍ بات مستقبلها السياسي مرهونًا فقط بوجودٍ دولي “أوروبي”؛ عَبْرَ انضمام دولها لمؤسسات حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
ومن بين هذه التساؤلات الهامة: ماذا بعد خطوة إعلان الاستقلال؟ وكيف ستواجه هذه الدولة الوليدة التحديات والعقبات التي تنتظرها خلال الشهور والسنوات القادمة؟ وما الدور الذي سيلعبه حلفاؤها الغربيون في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، والذين دعموا استقلالها، في المرحلة القادمة؛ لمساعدتها في بناء مؤسساتها وبنيتها الاقتصادية؟

التحرك باتجاه الحسم:

بَدَا واضحًا للمسئولين الأوروبيين أن الاستقرار في منطقة غرب البلقان بات مهدَّدًا، وأن استمرار الأمور على ما هي عليه دون حسم يمكن أن يؤدي في النهاية إلى اشتعال المنطقة في أي لحظة، بشكل تضيع معه كافة الإنجازات التي بذلت على مدار أكثر من عِقدٍ من الزمان لتأمين هذه المنطقة ويلات الحروب العرقية التي اندلعت بين دول الاتحاد اليوغسلافي السابق في التسعينيات من القرن الماضي.
ويمكن فهم مسارعة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية إلى حسم هذا الملف عبر دعم مشروع التسوية المقترح من قِبلِ المبعوث الدولي “مارتي اهتساري”، والذي أوصى بإعطاء الإقليم استقلالًا مشروطًا وبإشراف دوليٍّ- أوروبيٍّ بِناءً على هذه المعطيات.

• تجاوب الجانب الكوسوفي مع شروط المجتمع الدولي:
ويرى المسئولون الكوسوفيون أنهم قد تجاوبوا مع متطلبات المجتمع الدولي، وقاموا بتلبية كل ما طلبه منهم، بالإضافة إلى أنهم قدّموا الكثير من التنازلات خلال المفاوضات الأخيرة رغبة منهم في نيل استقلالهم في نهاية المطاف، وأن الكرة أصبحت الآن في ملعب المجتمع الدولي للتجاوب معهم، والرد عليهم سريعًا دون أن يستمر هذا الانتظار طويلًا، وبعيدًا عن استشارة حكومة بلجراد؛ لأنهم كما صرح “هاشيم ثاتشي”؛ رئيس الوزراء المنتخب: “أضحى من المؤكد أنه لو استمرت المفاوضات مع الطرف الصربي لمائة عامٍ، فإنها لن تُسفر عن شيء جديد”.

ومن أهم مظاهر تجاوب المسئولين الكوسوفيين مع جهود المجتمع الدولي ما يلي:

1ـ قيامهم بتطبيق المعايير الدولية الثمانية التي طالبهم بها المجتمع الدولي كشرط مسبق للدخول في مفاوضات الوضع النهائي؛ حيث كان المعياران الثالث والرابع محورَي الاهتمامِ، أي اهتمامِ المجتمع الدولي؛ نظرًا لتعلُّقهما بالأقلية الصربية؛ حيث يؤكدانِ على ضرورة ضمان عودة اللاجئين الصرب إلى بيوتهم، مع تأمين حرية وسلامة حركتهم داخل الإقليم .( 2 )

2ـ موافقة الطرف الألباني على المقترح الدولي حول “الوضع النهائي”، والتي اشتهرت بـ “حزمة اهتساري” نسبةً “لمارتي اهتساري”؛ مبعوث الأمين العام للمنظمة الدولية، والذي قاد هذه المفاوضات بين الجانبين الصربي والألباني(3)، وقدم خلالها الطرف الألباني بعض التنازلات؛ حيث أوصت بإعطاء الإقليم استقلالًا مشروطًا وتحت إشرافٍ دوليٍّ (أوروبيٍّ)، مع التشديد على عدم اتحادها مع أي دولة مجاورة (ألبانيا) أو جزء من دولة (مقدونيا الغربية/إقليم بريشيفا داخل صربيا)، كما حذف الدستور الذي وُضع على أساس “حزمة اهتساري” القومية الألبانية والدين الإسلامي عن صفة الدولة الجديدة؛ حيث أكد البند الأول من المادة الثالثة أن المجتمع الكوسوفي مجتمعٌ متعدد الأعراق (أي دولة متعددة الطوائف وليست دولة ألبانية تعيش فيها أقليات)، وبينما أكدت المادة الثامنة أنه ليس لكوسوفا دينٌ رسميٌّ، إنما يحكمها نظام عَلماني محايد تجاه الأديان كلها.
هذا بالإضافة إلى جعل لغةِ الأقليةِ الصربيةِ (5% من تعداد السكان) رسميةً تُتداوَل في جميع الدوائر الحكومية بالتساوي مع لغة الغالبية الألبانية (92% من تعداد السكان)، كما نصَّ على هذا البندُ الأولُ من المادة الخامسة في الدستور الجديد الذي وُضع وفق ما جاء في مشروع التسوية الشامل المقدَّم من الرئيس الفنلندي “مارتي اهتساري”( 4 ).

3ـ انضباط الجانب الكوسوفي وتمسكه بضبط النفس إزاء الاستفزازات الصربية المتكررة من آنٍ لآخرَ؛ لدفع ألبان كوسوفا للرد والانتقام بهدف تشويه صورتهم أمام العالم، كما حدث في شهر مارس 2004 من ردِّ فعلٍ عنيف من جانب الألبان تجاه الصرب الذين تسببوا عمدًا في غرق طفلين من الألبان، وكما حاولت صربيا استفزاز مشاعرهم القومية والوطنية عَبْرَ إرسال أسماء قادة جيش التحرير السابق، والذين انخرطوا في العمل السياسي إلى محكمة لاهاي لمحاكمتهم كمجرمي حرب؛ وطالت هذه المحاكمات رئيس الوزراء الكوسوفي المنتخب حديثًا في عام 2006م “راموش هايراي”، والذي قدم نفسه طواعية للمحاكمة “كمجرم حرب” في محكمة العدل الدولية بلاهاي، بعد تقديم استقالته من رئاسة الحكومة، وتوجيهه نداءً بنفسه عبر التليفزيون الكوسوفي لكافة ألبان الإقليم بضرورة التزام الهدوء، وعدم الاعتراض أو التجمهر حرصًا على صورة كوسوفا ـ حكومةً وشعبًا ـ أمام المجتمع الدولي؛ وقد حدث هذا في الوقت الذي ما زال فيه كثيرٌ من مجرمي الحرب الصرب طلقاءَ بدون محاكمة، بالرغم من نداءات بروكسل لحكومة بلجراد بتسليمهم للمحاكمة؛ حيث اتهمت رئيسة المحكمة في لاهاي، بلجراد بإخفائهم في أحد الأديرة الأرثوذكسية داخل صربيا، وبعدم رغبتها في التعاون مع المحكمة الدولية.

4ـ عدم التعجُّل في أخذ خطوة منفرة دون التنسيق مع حلفائهم الغربيين، خاصةً في كافة الخطوات التمهيدية التي صاحبت إعلان الاستقلال، فقد استفاد ألبان كوسوفا من تجاربهم الماضية وأيقنوا أنه بدون دعمٍ غربيٍّ ممثَّلٍ في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى لمطلبهم في الانفصال عن جمهورية صربيا وتأسيس دولة مستقلة عنها، فلن يتاح لهم النجاح، خاصةً أنهم قد جربوا من قبلُ إعلانَ استقلالِهم في 2يوليو من عام 1990 ولم يعترف بهم أحد سوى دولة ألبانيا المجاورة .

هذه أمثلة توضح كيف استطاع ألبان كوسوفا عَبْرَ تنفيذ التزاماتهم تجاه المجتمع الدولي وبالأخص الغربي أن يحظوا باحترامه ودعمه لهم في مشروعهم الاستقلالي على عكس الموقف الصربي الذي اعتمد على أن روسيا ستظل تدعمه في مواجهة الغرب.

•تصلب الجانب الصربي
اتضح للغرب أن تساهلَه إزاء تعنت المفاوض الصربي لا يزيدُ الأخيرَ إلا تشدُّدًا؛ وثبت أن الجانب الصربي يسعى لكسب الوقت في محاولةٍ منه لإبقاء الأمور بالإقليم على ما هي عليه، كما اعتاد الغرب من الجانب الصربي على عدم موافقته على كافة الجهود الدولية، وهو ما دفع دائمًا وبصفة متكررة إلى التدخل العسكري من قبل الناتو لفرض الأمر الواقع كما حدث في البوسنة 1995م، وفي كوسوفا بعد فشل محادثات “رامبوييه” في مارس 1999م، وكما حدث الآن بعد فشل المفاوضات التي استمرت لعامين برعاية الأمم المتحدة، أعقبها مفاوضات استثنائية إضافية برعاية الترويكا الدولية أسفرت جميعها عن الفشل الذريع لتحجُّر الموقف الصربي وعدم مرونته، وهو ما دفع لدعم الغرب إعلانَ الاستقلالِ أحاديَّ الجانبِ من قبل المسئولين الكوسوفيين، وهو ما اعتبره المسئولون الأمريكيون نتيجةً طبيعية لتضييع صربيا الوقت خلال فترة التفاوض وعدم تجاوبها مع المقترحات الدولية.

•تدهور الأوضاع الاقتصادية

في ظل الإدارة المدنية المؤقتة التي تدير الإقليم منذ عام 1999م تفاقمت الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير كنتيجة مباشرة لحالة الشلل والجمود التي أصابت قطاعاته الاقتصادية “الهشة منذ العهد اليوغسلافي” نظرًا لعدم مقدرته على جذب الاستثمارات الخارجية أو الحصول على القروض الدولية للنهوض باقتصاده بسبب تأخير حسم الوضع القانوني الدائم للإقليم؛ مما أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة لأكثر من 40% أي ما تعداده حوالي 335 ألفًا من العاملين بينما تصل وسط الشباب إلى أكثر من 70% حسب مركز الإحصاء الكوسوفي(5).
الأمر الذي أكد أن أي تأخير جديد لحسم مستقبل الإقليم ينذر بعواقب وخيمة عليه وعلى المنطقة بأكملها .

•حالة الإحباط التي سادت الإقليم
الذي وصل إليه المسئولون الكوسوفيون وتصريحاتهم المتكررة بأنهم سوف يعلنون الاستقلال من جانب واحد إذا ظل المجتمع الدولي في تسويفه إزاء حسم الوضع المستقبلي للإقليم.
هذا في الوقت الذي يشاهدون الجمهوريات الأخرى التي كانت ضمن الاتحاد اليوغسلافي السابق، والتي أعلنت استقلالها وانفصالها من طرف واحد، تنهض باقتصاداتها، وتنضم الواحدة تلو الأخرى إلى الاتحاد الأوروبي، والتي كان آخرها جمهورية الجبل الأسود التي انفصلت عن اتحاد صربيا والجبل الأسود في عام 2006م، ولم تبقَ هناك قضية عالقة في منطقة غرب البلقان تنتظر الحسم سوى قضيتهم.

•صعود القوميين في الجانبين ينذر بالانفجار
يتوحَّد الموقف الرسمي والشعبي لدى الطرفين المتنازعين (الصربي والألباني) تجاه الوضع المستقبلي الدائم والقانوني لكوسوفا، فحكومة بلجراد ترفض الانفصال وتعرض حكمًا ذاتيًّا موسعًا، بينما المسئولون في بريشتينا لا يقبلون بغير الاستقلال مع وحدة أراضي كوسوفا، ويبدو أنه لتأخير حسم هذا الملف الشائك طيلة هذه الفترة التي تعدت ثمانيَ سنوات منذ دخول قوات الناتو للإقليم في 9 يونيو 1999م وانسحاب القوات الصربية منه، دفع بالقوميين المتشددين في كلا الجانبين إلى اعتلاء غالبية مقاعد البرلمان خلال الانتخابات بصربيا في يناير، وبكوسوفا في نوفمبر من عام 2007م، وأصبح الأمر ينذر بعواقب وخيمة لو كان الوضع قد استمر دون حسم من قِبلِ المجتمع الدولي.

•تصاعد التقارب الروسي الصربي
خاصةً في الآونة الأخيرة وتمكُّن مؤسسة “غازبروم” الروسية من السيطرة شبه التامة على قطاع المحروقات الصربي، في ظل توجهات روسيا مماثَلة بمنطقة البلقان؛ مما دفع بالمسئولين الأوروبيين إلى مراجعة علاقاتهم مع صربيا في ضوء حرصهم على إخراج منطقة البلقان من دائرة الصراعات الدولية وبالتحديد بين روسيا الشرق والولايات المتحدة الغرب .

وقد أعرب الأوروبيون في مناسباتٍ عدَّةٍ عن رغبتهم في إحداث تقارب في الموقفين (الأوروبي والروسي) تجاه المسألة الكوسوفية؛ نظرًا لأهمية الدور الروسي في إحداث تغيير في الموقف الصربي المتحجر إزاء الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق تسوية مُرضية لكافة الأطراف، وفي مقدمتها الطرفان المتصارعان (الصربي والألباني) سعيًا لاستتباب الأمن في منطقة البلقان والمرتبط بأمن القارة الأوروبية، إلا أن كافة الجهود الدولية التي بذلت خلال السنوات الماضية أدت إلى استحالة الوصول إلى أرضية مشكَّلة إزاء هذا الملف الشائك تاريخيًّا؛ لذا لم تجد بروكسل ومعها واشنطن حلًّا أمامهما سوى إخراج الملف الكوسوفي من أروقة مجلس الأمن، وحلِّهِ أوروبيًّا وأمريكيًّا ـ على اعتبار أنهما الطرفان المعنيان بأمن القارة الأوروبية ـ عبْر السماح لحكومة بريشتينا بإعلان استقلال كوسوفا من جانب واحد.

2ـ كوسوفا الدولة.. وتحديات الاستقلال
ما من شكٍّ أن إعلانًا أحاديَّ الجانبِ للاستقلال لا يحقق السلام بين الطرفين المتنازعين، ومن ثَمَّ يصبح له تأثيرٌ على استقرار منطقة البلقان، إلا أن الوصول إلى هذه النتيجة كان ضروريًّا بعد أن ” تمت دراستها بعمق وعناية” للحفاظ على إنجازات السنين الماضية كما صرح بذلك أكثر من مرةٍ المسئولون الأوروبيون، وبناءً على هذه النتيجة اتجهت بروكسل ـ تُعاونها في هذا الإدارةُ الأمريكيةـ نحو إقناع حكومة بلجراد بقبول هذه النتيجة والإقرار بالأمر الواقع والنظر فقط إلى المستقبل، والذي يتمثل في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من وجهة نظرها.

وترى بروكسل أن الوقت الكافي قد أتيح لكلٍّ من صربيا ومِنْ خلفها حليفتُها روسيا لتقديم تسوية بديلة مقبولة يتوافق عليها جميع الأطراف، إلا أنَّ تحجُّر الموقف الصربي، وتشدد الحليف الروسي كانا سببين في فشل كافة المفاوضات التي تمت، ولم يعد ممكنًا أبدًا تركُ منطقة البلقان غير المستقرة دون حسمِ آخرَ ملفاتها المشتعلة، بهدف إرساء أسس جديدة في العلاقات السياسية بين دول المنطقة، تبدأ في أدناها باحترام كل دولة لحدود الدول المجاورة لها، وتصل في أعلاها إلى تعاونٍ فيما بينها في كافة المجالات، وبالأخص المجال الاقتصادي؛ سعيًا للنهوض بشعوبهم، والتحرك باتجاه الانضمام للمنظومة “الأورو-أطلسية” والتي يمكن أن تكون الضمان الوحيد لاستقرارٍ دائمٍ بالمنطقة.

ولمساعدة هذه الدولة أمام التحديات التي تواجهها، قرَّر الاتحاد الأوروبي إرسال بعثة مدنية كبيرة إلى كوسوفا، تضم نحو 1800 شرطيٍّ وخبير قانوني؛ لتَحلَّ محلَّ بعثة الأمم المتحدة خلال الشهور الأربعة الأولى بعد إعلان الاستقلال الذي تم في 17 فبراير 2008م، إلا أنه لا يخفى على المراقبين أن إرسال هذه البعثة أيضًا بهدف الإشراف مع مراقبة مدى تنفيذ المسئولين في بريشتينا لاتفاقية التسوية، والالتزام الكامل بكافة بنودها.
ويعتبر الاعتراف الدولي باستقلال كوسوفا، ومن ثَمَّ بدء الدعم الدولي المالي للنهوض باقتصادها من أهم التحديات التي تواجهها كوسوفا في مرحلتها الأولى من الاستقلال.

شرعية الاستقلال
ظلت المؤسسة الدبلوماسية والآلة الإعلامية الضخمة لكل من صربيا ومِنْ ورائها حليفتُها روسيا تدَّعي عدم شرعية هذا الاستقلال، وأنه يتناقض مع القرار الدولي 1244 والصادر عن مجلس الأمن في 10 يونيو 1999م؛ بينما الطرف الألباني ومعه الأمريكي يُشيران إلى أن هذا القرار قد نصَّ على تبعية كوسوفا للاتحاد اليوغسلافي السابق، وليس لصربيا الخارجة منه(6).

وبالنظر في بنود هذا القرار الدولي، نجد بوضوح أنه قد رتب حزمةً من الالتزامات على الطرفين (الصربي والألباني)، وألزمهما بتنفيذها والقيام بها؛ تمهيدًا لبدء محادثات دولية بشأن المستقبل القانوني الدائم للإقليم.

وبمراجعة كافة سياسات حكومة بلجراد ومواقفها المعلنة والمستترة، نجد أنها قد خالفت بنود هذا القرار بعدم قيامها بتنفيذ التزاماتها، والتي كان من بينها: السماحُ بعودة اللاجئين الصرب لكوسوفا، وتشجيع الحوار الداخلي بين ألبان وصرب الإقليم، والبدء في حوار مباشر بين بريشتينا وبلجراد، إلى غير ذلك؛ سعيًا منها لتأخير مرحلة بدء المفاوضات حول مستقبل الإقليم؛ لتفادي صدور قرار باستقلاله في نهاية المطاف؛ فصربيا كانت تدرك جيدًا بأنها قد خسرت إقليم كوسوفا منذ دخول قوات الناتو إليه وانسحابها منه، إلا أنها كانت تضغط لتحقيق أكبر تعويض ممكن من خلال إقرارها بالأمر الواقع؛ ولتقليل حجم خسارتها عبر استثمار ورقة الأقلية الصربية داخل الإقليم؛ وقد ساعدها في هذا الموقف المتشدد الحليف الروسي، والذي يسعى للعودة بقوة مرة أخرى إلى منطقة البلقان، ويرى أن فرصته لتحقيق ذلك مرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بعدم استقرار المنطقة، واستمرار أجواء القلق بها.( 7 )

وهو الأمر الذي سوف يجعل من مسألة بقاء حلف شمال الأطلسي في كوسوفا أمرًا لا مفرَّ منه، خاصةً أن خطة “مارتي اهتساري” تُحدِّد وتُقيِّد العدد المتاح للجيش الكوسوفي بألَّا يزيد عن 2500 جنديٍّ، وعلى أن يكون مشكَّلًا من كافة الأعراق بما فيها العرق الصربي؛ مما يعني أن بقاء الحلف سوف يستمر لعشرِ سنوات على الأقل أو لحين انضمام كلٍّ من صربيا وكوسوفا للاتحاد الأوروبي( 8 ).

وقد مثَّل الاعتراف السريع من القوى الغربية الرئيسة والفاعلة في الملف الكوسوفي، وهي: الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى الدول الأوروبية الأربع التي دخلت قواتها إلى كوسوفا تحت غطاء حلف الناتو (فرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا) أكبرَ عقبةٍ تخطَّتها كوسوفا لإثبات شرعية استقلالها أمام العالم.

ونشير هنا لبعض الملاحظات على المواقف الأوروبية :
ـ كثيرٌ من الدول الأوروبية الأخرى أكدت أنها سوف تعترف بالاستقلال، إلا أنها تنتظر أن تسبقها دول أخرى نظرًا لظروفٍ خاصةٍ بها وبعلاقاتها، ربَّما مع صربيا.
ـ أن هناك إجماعًا من كافة دول الاتحاد الأوروبي على إرسال البعثة الأمنية القضائية الأوروبية(EULEX) ، والتي سوف تتولى الإشراف على تنفيذ خطة السلام المقدمة من المبعوث الدولي “مارتي اهتساري”، والتي على أساسها تم إعلان استقلال الإقليم؛ والمكونة من حوالي 1800 فرد، والتي سوف تحل محل الإدارة المدنية المؤقتة والتابعة للأمم المتحدة خلال 120 يومًا من بداية وجودها بكوسوفا، والتي بدأت ليلة إعلان استقلال كوسوفا في 17 فيراير 2008م.
وهو ما يعني أن هناك اقتناعًا أوروبيًّا بأن خيار الاستقلال لا بديل عنه، بالرغم من معارضة بعض الدول الأوروبية علانية لهذا الاستقلال؛ نظرًا لمشاكل داخلية لديها.
إلا أنه لا يُتوقع انضمام قريب لدولة كوسوفا إلى منظمة الأمم المتحدة؛ نظرًا لمعارضة روسيا وحلفائها لذلك؛ إلا أن ذلك لن يمنع انضمام كوسوفا للاتحاد الأوروبي والمؤسسات الدولية المالية، وهذا ما يُعتبر محور الاهتمام الأوروبي في هذه المرحلة للنهوض باقتصاد الإقليم من جهة، ولتأمين عدم تجدد أي حرب مستقبلية بانضمامه للاتحاد الأوروبي.

اقتصاد.. يبدأ من الصفر:
على الرغم من الثروات الطبيعية الهائلة التي تمتلكها كوسوفا إلا أن هناك إجماعًا من الخبراء والمؤسسات الاقتصادية المتخصصة على أن التحديات الاقتصادية التي ستواجهها الدولة الحديثة ستكون هائلةً؛ نظرًا لافتقارها لبنيةٍ تحتيَّة اقتصاديَّة ينهض عليها الإقليم، وهو ما يعني أن اقتصاد الإقليم ينبغي أن يبدأ من الصفر وعلى قاعدة صحيحة وسليمة، وكنتيجة لذلك سوف تعتمد كوسوفا على المساعدات الخارجية والقروض الدولية لفترات طويلة.
فخلال عهد الاتحاد اليوغسلافي السابق، عمدت بلجراد إلى ربط اقتصاده بها مباشرةً، والاستفادة من ثرواته الطبيعية في مادتها (الخام الأولي) لتُصنعها في مصانعها الخاصة داخل صربيا، دون أن توجه الاستثمارات الكافية للنهوض باقتصاده؛ وهو ما جعله أفقرَ إقليم داخل الجمهورية الصربية.
وتمتلك كوسوفا ثرواتٍ معدنية هائلة في باطن الأرض تقدر بما لا يقل عن 200 مليار يورو، ولم يُستهلك منها حتى الآن سوى 2% ؛ فلديها أكبر منجم للفحم الحجري في منطقة البلقان تقدَّر تكلفته بما لا تقل عن 120 مليار يورو، بينما ثرواتها من معادن النيكل والرصاص والزنك فقط تقدر بما لا يقل عن 20 مليار يورو.
بالإضافة إلى احتوائها على كميات كبيرة من الذهب والفضة، ويتوقع بعض المتخصصين وجود نفط بها نظرًا لوجوده في دولة ألبانيا المجاورة، إلَّا أن الأمر في حاجة إلى إعداد دراسات ثم القيام بعمليات تنقيب لتأكيد ذلك، وهو الأمر الذي يتم خلال فترة تبعية الإقليم لصربيا( 9 ).
ويعتقد رجال الاقتصاد أن الفترة التي خضع فيها إقليم كوسوفا لإدارة مدنية دولية تابعةٍ للأمم المتحدة، والتي كانت مؤقتة لحين حسم وضعه القانوني الدائم؛ كانت بمثابة فترة ضائعة أضرَّت كثيرًا بالأوضاع الاقتصادية داخل الإقليم، وترتب عليها ارتفاع كبير في معدلات البطالة لأمرين :
أولهما: أن الإدارة المدنية معنيةٌ بالملف السياسي والمدني وليست متخصصة أو مخوَّل لها الملف الاقتصادي؛ وهو ما أدى إلى أن تستورد كوسوفا ما نسبته 96% مما تستهلكه؛ حيث لا تصدِّر إلا 4% فقط من منتجاتها المحلية.
والثاني: عدم إمكانية الحصول على المساعدات الخارجية أو القروض الدولية لحين حسم وضعه المستقبلي، وبالتالي أيضًا أحجم الكثيرون عن الاستثمار داخل الإقليم، ومعظم الصناعات التي قامت خلال السنوات الماضية توصف بأنها “تصنيع استهلاكي”.

ونشير هنا إلى أهم الأدوار الفاعلة التي سوف يكون لها تأثير في مستقبل الاقتصاد الكوسوفي:

ـ مؤتمر الدول المانحة لكوسوفا
والذي يتبناه الاتحاد الأوروبي وتدعمه الولايات المتحدة الأمريكية، ويعول المسئولون الكوسوفيون كثيرًا على هذا المؤتمر والذي كان قد تضمنه القرار الدولي رقم 1244 الصادر عن مجلس الأمن في 10 يونيو 1999م مادته الثالثة عشرة، والتي نصَّت على أنه: بعد أن يتم تحديد الوضع المستقبلي لكوسوفا، تُدعى الدول الأعضاء إلى مؤتمر دولي للمساهمة في مرحلة إعادة الإعمار بكوسوفا في جميع المجالات (الاقتصادية والاجتماعية وتأمين عودة اللاجئين).

ـ إجراء مؤتمر دولي للدول الأعضاء بالجمعية.
ويُنتظر أن يتم هذا المؤتمر في عاصمة الدولة الجديدة كوسوفا خلال شهري مايو/ يونيو القادمين؛ ولأهميته شدَّد رئيس الوزراء الكوسوفي “هاشيم ثاتشي” على أن كافة المؤسسات الكوسوفية الرسمية ينبغي أن تعمل بكامل طاقتها هذه الشهور للنهوض باقتصاد الإقليم؛ كما طلب من كافة المحافظين في كوسوفا ضرورة الإسراع في إعداد دراسات الجدوى والخاصة بالمشروعات التي تحتاجها كل محافظة، والتي سوف تقدمها كوسوفا إلى هذا المؤتمر للحصول “على أكبر دعم مالي ممكن” للخروج بأسرع ما يمكن من المرحلة القادمة، والتي تمثل أكبر تحدٍّ يواجه الدولة الناشئة.
يعتبر الاتحاد الأوروبي أكبرَ مانحٍ لكوسوفا، وقد تركزت هذه المساعدات الأوروبية خلال فترة الإدارة المدنية على بناء وتأسيس المؤسسات الكوسوفية، وقد أعلنت المفوضية الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي يعتزم تخصيص مليار يورو لدعم كوسوفا خلال السنوات الأربع المقبلة؛ ومن جانبها أكدت الولايات المتحدة أن ما تحتاجه كوسوفا يصل إلى ملياري دولار للنهوض باقتصادها، وأعلنت عن أن مئات الملايين في طريقها إلى كوسوفا.
ويمكننا التأكيد على أن كلًّا من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اللذين قد دعَّما الاستقلال السياسي لكوسوفا سوف يتحملان معًا مسئوليتهما تجاه الدولة الجديدة، ويستمرَّان في دعم اقتصادها، ومتابعة برامجها في الإصلاح تمهيدًا لضمِّها إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وما يؤكد ذلك تصريحُ ممثِّلِ الاتحاد الأوروبي في بريشتينا عن أنه: تم تخصيص مبلغ 125 مليون يورو سوف تصرف في مجاليِّ سيادة القانون والإصلاح الاقتصادي كخطوة على طريق انضمام كوسوفا للاتحاد الأوروبي.

ـ الدور الألباني الداعم.
بجانب الدعم المالي من الغرب لكوسوفا، يتوقع أن يلعب الدور الألباني دورًا آخرَ مكملًا للجوانب المالية والمادية؛ فألبانيا تعد نفسها الدولة الأم للشعب الألباني، وكما يصرح المسئولون في تيرانا بأنهم سيقفون مع إخوانهم الألبان في كوسوفا، خاصةً في مرحلتها الأولى؛ حتى تتغلب على العقبات التي تواجهها في مرحلتها الأولى بعد الاستقلال.
ويدلل على هذا أن أول مؤتمر يناقش التحديات التي تواجه دولة كوسوفا الحديثة تَمَّ عقده في ثاني أسبوع بعد إعلان حكومة بريشتينا لاستقلالها في نوفمبر، وقد شارك فيه رئيس البرلمان الكوسوفي في أول زيارة رسمية له خارج كوسوفا بعد الاستقلال، الأمر الذي يؤكد أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه ألبانيا من خلال خبراتها كدولة، وعبْر استثمار علاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى.
ونظرًا لأن دولة ألبانيا تعدُّ من أفقر الدول الأوروبية، فإننا نتوقع أن يمثل دعم الغرب لألبانيا دعمًا غير مباشر لكوسوفا، ومن بين الدلائل التي تشير لذلك: قيام الشركات الأمريكية بمساعدة ألبانيا على إنشاء طريق دولي سريع جديد يختصر المسافة بين البحر الأدرياتيكي وكوسوفا إلى ثلاث ساعات بدلًا من ثماني ساعات؛ حيث يربط مدينة “دورس” – التي تعدُّ الميناء الرئيس لألبانيا على البحر الأدرياتيكي – بالحدود الجنوبية لكوسوفا، وهو ما يدفع إلى تنشيط الحركة التجارية بين البلدين؛ نظرًا لانخفاض تكاليف النقل، واختصار الوقت، وسوف يمثِّل أهمية كبيرة لكوسوفا التي تفتقر لحدودٍ لها على البحر مباشرةً، كما أن نصف حدودها البالغة 700كم تقع مع صربيا الخصم الذي توعَّد بالقيام بكل شيء لإعاقة هذا الاستقلال، أو جعله مؤلمًا على أقل تقدير، ونظرًا للموقف العدائي من قِبَلِ صربيا، يتوقع البعض حدوث تقارب أكثر باتجاه ألبانيا، وأن تنشأ معها بمرور الوقت شراكة.

ـ دورٌ منتظَرٌ للمهاجرين
إلا أننا نشير هنا إلى الدور المنتظر للمهاجرين الكوسوفيين، والذين يبلغ عددهم فقط في الدول الأوروبية حوالي 700 ألفِ نسمةٍ (أي حوالي 30% من تعداد سكان كوسوفا)، وهم يمثلون إحدى ثمار السياسة الصربية لحكومة بلجراد، والهادفة إلى تفريغ إقليم كوسوفا من سكانه الألبان بوسائل وأساليب متعددة، إحداها كان الجانب الاقتصادي، ولهؤلاء المهاجرين – وبالتحديد بالدول الأوروبية – دورٌ كبيرٌ في مساعدة عائلاتهم وأقربائهم خلال السنوات الماضية، فعلى سبيل المثال: يعيش فقط في سويسرا أكثر من 200 ألفِ نسمةٍ (يمثلون 10% من سكان كوسوفا)، وتقدّر المساعدات المالية التي يرسلونها لأقربائهم بكوسوفا بحوالي 20 مليونَ فرنكٍ سنويًّا.(10)
وتعتبر الجالية الكوسوفية في سويسرا ثاني أكبر جالية بعد الجالية الإيطالية؛ كما أنها تعد ثاني أكبر جالية كوسوفية في الخارج بعد ألمانيا، وقد أصبح كثير من هؤلاء المهاجرين رجالَ أعمالٍ، وارتبطوا بعلاقات قوية ووثيقة مع رجال الأعمال الأوروبيين، ويُتوقع أن يكون لهم دورٌ واضح في مجال الاستثمار بكوسوفا، سواءً بأنفسهم أو بجذب الاستثمارات الغربية إليها.

ـ تحديات أخرى
وبجانب التحديات السياسية والاقتصادية تظل هناك تحدياتٌ هامَّةٌ سواءً داخلية أم خارجية ونشير إليها في نقاطٍ سريعة:

1ـ تحدي بناء مجتمع ديموقراطي تُحترم فيه حقوق الأقليات ويضمن الحريات العامة والدينية ويحارب الفساد الإداري المنتشر في بعض القطاعات الكوسوفية؛ تمهيدًا لانضمامه إلى المؤسسات الأطلسية والأوروبية.

2ـ دمج الأقلية الصربية وتشجيعها على المشاركة السياسية في مؤسسات الدولة والتي ضَمنَتها لهم بنود “حزمة اهتساري”، ويعتبر نجاح الحكومة الكوسوفية في هذا المجال عاملًا أساسيًّا في تقييم أدائهم ومدى التزامهم ببنود تسوية الصلح، وهو ما سوف ينعكس على صورتهم أمام العالم، ويؤكد عدم صحة ادعاءات حكومة بلجراد بأن استقلال الإقليم يمثل خطرًا على الأقلية الصربية به، وهو الأمر الذي ألقى على عاتق الحكومة الكوسوفية التزامات كثيرة تجاه هذه الأقلية.

3ـ خَلقُ أجواء حُسنِ جِوارٍ مع صربيا تمهيدًا لاستئناف الحوار معها لحسم كافة الخلافات والقضايا العالقة، وقد أعلن المسئولون في بريشتينا أنهم يسعون لإقامة علاقات حسن جوار مع كافة دول المنطقة بما فيها جارتهم صربيا، وأنهم حريصون على أمن واستقرار المنطقة، للتفرغ للتنمية وتحقيق رفاهية شعوبهم.

وهنا نؤكد أننا لا نقلل من حجم التحديات الأخرى التي تواجهها دولة كوسوفا الجديدة، إلا أن المِلفَّين (السياسي والاقتصادي) هما أهمُّ عاملين سوف يحسمان مستقبل هذه الدولة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ هوامش

( 1 ) كوسوفو وألبانيا: تحدي المستقبل
محمد م. الأرناؤوط .. أستاذ التاريخ الحديث في جامعة آل البيت.

http://alghad.jo/index.php?news=215079
الوصف
مقال يعرض فيه الكاتب لأحدث كتاب للمؤرخ الألباني المعروف “مارنغلن فرليM.Verli “؛ مدير معهد التاريخ في تيرانا/ألبانيا، بعنوان “كوسوفو: التحدي الألباني في تاريخ قرن” (منشورات بوتيم بكس2007).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 2 ) المعايير الثمانية الدولية (الترجمة الألبانية)

http://www.kosovaelire.com/standardet.php
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 3 ) اقتراح شامل للتسوية “حزمة اهتساري” .. الترجمة العربية.

http://www.unosek.org/docref/Comprehensive_proposal-arabic.pdf
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 4 ) مشروع الدستور الكوسوفي للدولة الجديدة (باللغة الألبانية).

http://www.kushtetutakosoves.info/repository/docs/DRAFTKushtetuta.%20Shqip..pdf
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 5 ) مركز الإحصاء الرسمي بكوسوفا

http://www.ks-gov.net/ESK/
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 6 ) القرار الدولي رقم 1244 الصادر عن مجلس الأمن في 10 يونيو عام 1999م/ الترجمة الألبانية.
http://www.trepca.net/politike/OKB-Rezoluta-1244-(1999).htm
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 7 ) (موقف صربيا ودول البلقان( أحد تقارير ملف: أيُّ مستقبلٍ ينتظر إقليم كوسوفو؟
http://www.islamonline.net/Arabic/politics/2005/07/article11c.SHTML
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 8 ) المصدر الثالث .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

( 9 ) 200 MILIARDE EURO
Viktor Buzhala / Jasmin Rexhepi

http://www.gazetaexpress.com/pdf/888.pdf

الوصف: تحقيق صحفي نشر في جريدة “إكسبرس” الكوسوفية اليومية بتاريخ 10 مارس 2008
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(10) كوسوفو.. إعلان الاستقلال ثم ماذا؟

http://www.swissinfo.org/ara/swissinfo.html?siteSect=881&sid=8751529
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
**هاني صلاح – مجلة السياسة الدولية – الأهرام ـ 2008م