مسلمون حول العالم
نافذتك الإعلامية على أخبار الأقليات المسلمة

محمد علي.. بطل جائزة الهند الوطنية للمعلمين لعام 2021

طور المعلم محمد علي طرقا تعليمية مثيرة للاهتمام لحل مشكلات التعليم

مسلمون حول العالم ـ متابعات

بقلم/ الدكتور مجدي سعيد ـ كاتب ومحرر

محمد علي.. بطل جائزة الهند الوطنية للمعلمين لعام 2021م؛ أتاحت له بيئة تعليمية بجانب طموحاته المهنية وروحه الإنسانية فرص عظيمة للارتقاء بالأجيال الناشئة من طلبة وطالبات مدرسة هندية في منطقة نائية.. فما هى قصته؟

معادلة التميز

المعلم الذي لا يستقل بالإحسان والابتكار والإبداع في عمله، ليقوم بالمهمة المقدسة لتعليم الناس الخير، وليس لتحصيل التلاميذ الدرجات العليا فحسب. والنظام الذي يسمح للمدارس بأن يكون لها أسلوبها الخاص والمبدع في التعليم، فتخرج كوامن الإبداع ممن يريد أن يفعل ذلك منهم.

تلك كانت هي المعادلة التي هيأت الظروف للمعلم محمد علي Muhammad Ali المدير التنفيذي للمدرسة الإعدادية الحكومية التي تقع في قرية كاريث شارجول Karith Shargole النائية التي تقع في منطقة كارجيل، التابعة لإقليم لاداخ Ladakh والذي يقع في شمال الهند في منطقة مرتفعات الهيمالايا، لكي يتميز في عمله، ويتأهل للحصول على الجائزة الوطنية للمعلمين National Teachers Award والتي أعلنت عنها وزارة التعليم الهندية في الخامس من سبتمبر 2021 الجاري على حسابها على تويتر.

أهدافه التعليمية

في التقرير المنشور عنه على موقع “ذا بتر إنديا The Better India” بتاريخ 18 سبتمبر 2021 الجاري، يقول محمد علي “لا يقتصر هدفي كمدرس على مساعدة الطلاب في الحصول على درجات عالية في الامتحانات، أريدهم أن يتعلموا مدى الحياة. أريدهم أن يكتسبوا المعرفة والمهارات التي يمكن أن تكون مفيدة لهم حتى وهم بالغين. أيضا، لا أعتقد أننا يجب أن نمارس الضغط على أطفالنا بسبب العلامات. هذه ليست طريقة للتعلم حقا. مضيفا أنه في النهاية “لا يمكن لكل طفل أن يأتي في المرتبة الأولى في الفصل”.

النشأة والسيرة

ولد محمد لعائلة من منطقة شانشيك Chanchik في منطقة كارجيل Kargil، ودرس في مدارس حكومية محلية قبل أن يكمل تخرجه في كلية أمار سينغ، في جامو. وبعد التخرج، قام بالتدريس في مدرسة خاصة محلية لمدة عامين قبل أن يتم تعيينه كمدرس في مدرسة حكومية في عام 2006.

أثناء توليه مسؤولياته كمدرس في المدرسة الحكومية، حصل على ماجستير في العلوم البيئية، وماجستير في اللغة الإنجليزية وماجستير في التعليم، كل ذلك من خلال التعلم عن بعد. ويعترف محمد – وهو ابن مصور بقسم المعلومات المحلي – بأنه “لم يكن الطالب اللامع” ولكنه عاش في عائلة كان الشغف بالأكاديميين يلوح في الأفق فيها بشكل كبير، وهذا ما دفعه للسعي وراء التعليم العالي حتى بعد حصوله على وظيفة. وبعد 10 سنوات من الخدمة في أجزاء مختلفة من لاداخ، تم تعيين محمد في منصبه الحالي في المدرسة الإعدادية الحكومية في كاريث في عام 2016.

يتذكر محمد أنه عندما وصل إلى هناك لأول مرة، كان هناك العديد من أوجه القصور الأساسية المرتبطة بالمدارس الحكومية مثل الحالة السيئة للفصول الدراسية، ومستويات التعلم ضعيفة، وخجل الأطفال الشديد حين التعبير عن أنفسهم، والثقة المتدنية بالنفس لديهم مع الضعف الأكاديمي وخاصة في مهارات القراءة والكتابة لديهم.

تطوير طرق تعليمية

ولحل مشكلات المدرسة طور محمد طرقا تعليمية مثيرة للاهتمام:

المبادرة الأولى:

– كانت إحدى أولى القضايا التي سعى إلى معالجتها هي الافتقار إلى الثقة والاستعداد والمهارات في قراءة اللغات الإنجليزية والأردية. ويشير إلى أن هذه اللغات غالبا ما كان يتم تدريسها عن طريق الترجمة إلى اللغة المحلية، ثم يتم تقديم الأسئلة والأجوبة المكتوبة في نهاية كل فصل. بينما جعلت اللغات للتحدث بها وكتابتها وتعلمها.

لذلك، قرر بالتعاون مع المعلمين تجديد طريقة تدريس اللغات، حيث بدأوا بالحصول على كتاب دورة Rapidex للتحدث باللغة الإنجليزية، وقرروا تطوير منهج تعليمي باستخدام الدروس الموجودة فيه. وتم تعليم الأطفال الصغار أساسيات اللغة الإنجليزية المنطوقة وكلما ارتفعت الدرجة زاد التعقيد. أيضا، من أجل تحسين النطق خلال الفترة المبكرة من ولايته، قام أيضا بتدريس الصوتيات الأساسية للطلاب والمعلمين. وقد تم ذلك من خلال قضاء 5 دقائق فقط في اليوم أثناء التجمع الصباحي لمدة شهرين تقريبا في عام 2016.

واليوم، ينظم في كل يوم دراسي درسا مدته 25 دقيقة للغة الإنجليزية والأردية بالإضافة إلى الفصول التقليدية الأخرى. إلى جانب تعليمهم اللغة الإنجليزية المنطوقة، يقوم المعلمون تحت إشرافه بإجراء مجموعة متنوعة من الأنشطة المرتبطة بتعلم اللغة مثل المسرحيات القصيرة وغيرها. كما يطلب المعلمون من جميع الطلاب الـ 41 المسجلين في المدرسة إجراء عروض تقديمية باللغة الإنجليزية في التجمع الصباحي أيضا. حيث خصصوا كل صباح لفصل واحد، حيث سيقدم طلاب الفصل عرضا تقديميا أثناء التجمع.

ونظرا لأن كل الاجتماع صباحي تم تخصيصه لفصل واحد، كان لدى الطلاب وقت لإعداد وممارسة عروضهم التقديمية. في البداية، وجد الطلاب ذلك غريبا، لكن في الوقت الحالي، وفي كل صباح مدرسي يقدمون مجموعة متنوعة من الموضوعات أو القصص إما باللغة الإنجليزية أو الأردية.

المبادرة الثانية:

– المبادرة الأخرى من محمد علي توجهت إلى الموضوعات التي يعاني الطلاب من صعوبتها. أحد الأمثلة على ذلك هو تعلم العناصر وأعدادها الذرية في الجدول الدوري أو في عواصم البلدان المختلفة. وكان ما فعلوه هو تعيين عنصر في الجدول الدوري ورقمه الذري لكل طالب. وطُلب من جميع الطلاب حفظ العنصر والأرقام الذرية المخصصة لهم.

وقبل التجمع الصباحي، أثناء أخذ الحضور، وبدلا من استدعاء أرقام قوائم الفصل، سيعلن المعلمون عن أرقامهم الذرية على أن يستجيب الطلاب باسم العنصر المحدد لهم. ومع استمرار المعلمين في تكرار هذا التمرين كل يوم، سرعان ما يتذكر الطلاب من كل من المدارس الابتدائية والمتوسطة أسماء العديد من العناصر والأرقام الذرية الخاصة بكل منها. وقد أجروا تمارين مماثلة لمساعدة الطلاب على تذكر أسماء الولايات الهندية وعواصمها ومواضيع أخرى.

المبادرة الثالثة:

– كانت المبادرة الثالثة التي قاموا بها هي بناء تكوين جليدي اصطناعي (قباب جليدية ice stupa) خلال العطلة الشتوية في كاريث حتى يواصلوا التعلم خلال الموسم. حيث كان الطلاب في السابق يعودون من إجازاتهم الشتوية التي تبلغ ثلاثة أشهر متناسين الكثير مما تعلموه ويفقدون التواصل مع عملية التعلم. ولمعالجة هذه المشكلة والتأكد من أن الطلاب يحافظون على درجة معينة من الاتصال بالمدرسة، قرروا الشروع في مشروع بناء تكوين جليدي اصطناعي، وتهدف هذه التكوينات للحفاظ على الجليد المتكون خلال فصل الشتاء لاستخدامه من قبل أهل القرية في الفصول التالية في الري.

كان أول تكوين جليدي اصطناعي شيدوه في شتاء عام 2016. لكنه “فشل لحسن الحظ” كما يقول المعلم محمد علي، لأن هذا الفشل أجبرهم على المحاولة مرة أخرى في العام التالي. وفي شتاء عام 2017، شيد الطلاب تكوينا جليديا صناعيًا بارتفاع أكثر من 12 متر، وسرعان ما وصلت الأخبار عن مشروعهم إلى الناشط الاجتماعي والتربوي المعروف سونام وانغتشوك Sonam Wangchuk، الذي ابتكر وأشاع هذه الهياكل في منطقة ليه Leh عاصمة لاداخ، والذي كافأهم بمنح المدرسة 100 ألف روبية ساعدتهم في إصلاح حالة المدرسة.

كما تم تكريم المدرسة عام 2018 من قبل وزارة الموارد المائية لدورهم في بناء القباب الجليدية، وفي عام 2019 عندما بلغت القبة الجليدية التي بناها الطلاب والمعلمون أكثر من 22 مترا، تم تكريمهم بجائزة الحفاظ على المياه والتي بلغت قيمتها 200 ألف روبية، حيث استمرت القبة حتى شهر أغسطس من عام 2020 مما سمح للمزارعين بري حقولهم.

أهم المبادرات:

– لكن المبادرة الابتكارية الأهم للمعلم محمد علي كانت في مفهوم الفصول الدراسية الخاصة بالموضوع والتي بدأها عام 2018، حيث لا تحتوي مدرسته على صفوف دراسية بالمعنى التقليدي – بل على فصول دراسية خاصة بالموضوع. حيث يذهب الطلاب إلى فصول مختلفة ليتم تدريسهم من قبل معلم المادة المعنية باستخدام مواد التدريس والتعلم ذات الصلة (TLM).

ومع الفصول الدراسية الخاصة بالموضوع، يتوفر للأطفال خيار ليس فقط من خلال مواد التدريس والتعلم الخاصة بهم، ولكن أيضا الخاصة بالصفوف العليا. لن تجعل هذه الفصول الدراسية الخاصة بالموضوع الطلاب على دراية بمواد التدريس والتعلم للصف الأعلى فحسب، بل ستعمل أيضا كمنصة حيث يمكن للأطفال مراجعة دروس الصف السابق.

وكما يشير محمد علي في نفس التقرير فإن “هذه الفصول الدراسية من الصف الأول إلى الصف الثامن جذابة ومحفزة وبالتالي تعزز فهم الطالب للمواد الخاصة بهم. وقد تم تجريبها في عام 2016، تضم المدرسة اليوم 9 مدرسين و10 فصول دراسية خاصة بالموضوع للدراسات الاجتماعية والعلوم واللغة والألعاب والرياضيات والأردية والفصول الذكية والمكتبة وغيرها.

ويضيف محمد “يأخذ كل مدرس مادة هذا الموضوع على عاتقه، ويطور مواد التدريس والتعلم الخاصة به ويبدأ في النهاية في تحمل المسؤولية الكاملة للحفاظ على الفصول الدراسية الخاصة بالموضوع”.

– خلال عامي 2020 والنصف الأول من 2021 وبسبب كوفيد-19 كان هناك تحدي كبير أمام أطفال المدارس في القرى التي لا يوجد بها اتصال بالإنترنت تقريبا وقليل من الاستعداد لما سيأتي، لذا يعترف محمد علي أن معظم عام 2020 كان بمثابة عملية فاشلة لطلابه دون أي تعلم.

وفي 15 فبراير 2021، سمحت الإدارة بإعادة فتح المدارس في الأماكن التي لا يوجد بها اتصال عبر الإنترنت. يقول “عندما انفتحنا لفترة وجيزة، أدركنا أن إغلاق المدارس لمعظم عام 2020 كان له تأثير مدمر على تعلمهم، مع ذلك، ومع الموجة الثانية، تم إغلاق المدارس مرة أخرى في مارس وأبريل. وآثر محمد والمعلمون ألا يبقوا مكتوفي الأيدي هذه المرة.
فقاموا بتصميم مهام أسبوعية للطلاب، وطلب من المعلمين الذين يعيشون بالقرب منهم تسليمها في نهاية كل أسبوع إلى منازل الطلاب القريبة من سكنهم. ونظرا لمتطلبات التباعد الاجتماعي، كان الطلاب يحضرون مهامهم الكتابية إلى البوابة، ويلتقط المعلمون صورا لهم، ويتحققون منها ويقدمون تقييماتهم.

يقول محمد “كانت هذه طريقتنا في الحفاظ على مشاركة الطلاب”، وقد استمر هذا لمدة شهرين تقريبا، قبل أن تبدأ فصول المجتمع في المروج والمراعي والأراضي القاحلة في قرى مختلفة بالتعاون مع منسق القرية المعين من قبل إدارة التعليم والمجتمع التعليمي في القرية.

خلاصة الأمر، أننا أمام معلم مثابر ومدير مدرسة مبدع، كانت مهمته الأولى بث الثقة في نفوس طلاب مدرسته قبل أي شيء وإكسابهم معارف ومهارات تساعدهم في الحياة، وتطوير أساليب تعليمية تعبر بهم الصعوبات، وأنشطة إبداعية خارج جدران المدرسة تبث فيهم روح المشاركة والمسئولية الاجتماعية وتزيد من من الروابط بين المعلمين والطلاب حتى في أيام العطلات والأزمات.

فتحية لهذا المعلم والمدير والقائد المجتمعي، وتحية لفريقه من المعلمين الذين استجابوا له، وكانوا عونا له في خططه الإبداعية بالرغم من أنهم في النهاية معلمين في مدرسة حكومية في قرية نائية.

ـ لمصدر المعلومات والمزيد منها طالع:

ـ تقرير ذا بتر إنديا

ـ وتويتة وزارة التعليم الهندية عن منحه الجائزة الوطنية للمعلمين:

ـ المصدر/ Magdy Said

التخطي إلى شريط الأدوات